اليوم : 6 يوليو , 2022

مسلمو الهند والمحبة النبوية.. أشواق وأشعار

مسلمو الهند والمحبة النبوية.. أشواق وأشعار

تفاجأ معظم المسلمين في العالم بصدور إساءة للرحمة المهداة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- من بلاد الهند، فالهند في الذاكرة الإسلامية موطن الحديث النبوي الشريف وأرض علوم السنة ورجالها في العصور المتأخرة ومهاد الأشواق الملتهبة إلى المدينة النبوية.
ومن الهند خرج الكتاب الذي يقول عنه عالم الشام ومصلح الإسلام وأديب الأنام الشيخ علي الطنطاوي “لقد كدت أفقد ثقتي بنفسي، ولكني لما قرأت كتابك أخي أبا الحسن “الطريق إلى المدينة” أحسست بالشوق يعود فيعتلج بنفسي، فعلمت أن قلبي ما خلا من جوهر الحب، ولكن هموم العيش وطول الألفة قد غطيا جوهره بالغبار، وأزاح كتابك عن جوهره الغبار”.
وعن صاحب الكتاب يقول “وكدت أفقد ثقتي بالأدب حتى لم أعد أجد عند الأدباء هذه النغمة العلوية التي غنى بها الشعراء من لدن الشريف الرضي إلى البرعي، فلما قرأت كتابك وجدتها، وجدتها في نثر هو الشهر إلا أنه بغير نظام”.
فكيف سلك مسلمو الهند “الطريق إلى المدينة” بأشواقهم وأشعارهم وخدمة سنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم؟
يذكر الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه الجميل “الطريق إلى المدينة” أنه أحب السيرة النبوية وصاحبها منذ الطفولة عن طريق “كتاب لا ينسى فضله” عليه، وهو كتاب “سيرة رحمة للعالمين” لمؤلفه القاضي محمد سليمان المنصور فوري، وهو كتاب للشيخ الندوي معه قصة عجيبة ترجع إلى فضل شقيقه الأكبر الذي تولى تربيته، وكان موفقا كل التوفيق في اختيار الكتب التي نشأ عليها أبو الحسن وبفضلها وصل إلى ما وصل إليه من العلم والأدب والدعوة والإصلاح ونقاء السيرة والسريرة.
ومما حبب إليه في الصغر مطالعة كتب السيرة النبوية ومعايشة أحداثها “أنه كان يعلم أنها المؤثر الأكبر في تكوين السيرة والخلق وغرس الإيمان والعقيدة”، فكان أن وقع بصر الطفل أبي الحسن -وهو المتتبع لإعلانات الكتب- على إعلان عن كتاب عنوانه “رحمة للعالمين”، فأرسل طلبا له ولما جاءه الكتاب في البريد عجزت أمه -وهو اليتيم- عن شراء الكتاب واعتذرت لساعي البريد، فلجأ الطفل إلى سلاح الدموع، فاستجابت الأم مكرهة وبدأت رحلة الشيخ أبي الحسن مع المحبة والتأثر الواعي بالسيرة النبوية وقصص أبطالها الأفذاذ.
بكى أبو الحسن الندوي وضحك وطرب من أحداث السيرة وتأثر واقتدى، لكن الحسنة التي لا ينسى للكتاب وصاحبه هي إثارته كامن الحب في قلبه، ذلك الحب “الذي لا لذة للحياة بغيره، ولا قيمة لها بغيره” مستذكرا قول الشاعر الفارسي البارع الأمير خسرو “قاتل لله ذلك اليوم الذي مضى ولم أذق فيه لذة الحب، ولا بارك الله في الساعة التي تمضي ولم تهب فيها نفحة من نفحات الحب، وسحقا للحياة إذا قضيتها كلها في تحكيم للعقل والخضوع للمنطق”.
والحب عند الندوي هو الذي “امتاز به من امتاز من الأبطال ونوابغ الرجال والعباقرة بين أقرانهم وأمثالهم، وعاش به من عاش من الضعفاء وأوساط الناس، وخلف آثارا عجز عنها أقوى الرجال وأغناهم، وملكه الرجال فقهروا الأمم، وملكته الأمة فقهرت العالم”.
إن الحب الذي صنعت الأمة به المعجزات تدفع اليوم ضريبة تضييعه والتفريط فيه تخلفا وقهرا، فالإمام الذي صنف “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟” يرى “أن مصيبة هذه الأمة البائسة أنها قطعت صلتها عن القلب وحرمت لذة الحب، ولقد صدق شاعر الإسلام إقبال إذ قال إن كارثة المسلمين اليوم أنهم يحملون القلوب ولا يعرفون المحبوب، إنهم يملكون مادة الحب ولا يعرفون من يشغلونها به ويوجهونها إليه”.
ومحمد إقبال نفسه رطّب فلسفته بنفحة الحب النبوي، فهو كما يقول الندوي “عاش مدة حياته في حب النبي -صلى الله عليه وسلم- والأشواق إلى مدينته، وتغنى بهما في شعره الخالد، وقد طفحت الكأس في آخر حياته، فكان كلما ذكرت المدينة فاضت عينه وانهمرت بالدموع”، وهو وإن لم يقدر له الحج وزيارة مدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لضعف جسمه فقد “رحل إلى الحجاز بخياله القوي وشعره الخصب العذب وقلبه الولوع الحنون، وحلق في أجواء الحجاز، وتحدث إلى الرسول الأعظم بما شاء قلبه وحبه وإخلاصه ووفاؤه، وتحدث إليه عن نفسه وعن عصره وعن أمته وعن مجتمعه”.
لم يكن محمد إقبال وحده من شعراء العجم المتعلقين بالنبي العربي صلى الله عليه وسلم، فقبله من شعرائهم من قال “إن محمدا العربي هو الذي يتشرف به كل أحد في الدنيا والآخرة، فمن أبى أن يكون تراب عتبته تربت يداه ورغم أنفيه”، فالشعر الفارسي من أبلغ الشعر وأحسنه في المدح النبوي ومثله شعر الأوردو “فما قيل في إيران والهند في هذا الموضوع يمتاز عن غيره قوة وتأثيرا ورقة وعذوبة، قد تجلت فيه العاطفة أقوى وأروع منها في غيره، وقد ابتكر هؤلاء الشعراء معاني وأخيلة، وجاؤوا بتعبيرات لم يسبقوا إليها، ولا يزال السر في ذلك موضوع تفكير الباحثين وعلماء الأدب”.
وأنشد الندوي دليلا على هذا قول الشاعر سعدي “إن اليتيم الذي نشأ أميا وعاش أميا ولم يقرأ القرآن في كتاب استطاع أن ينسخ مكتبات شعوب كثيرة فتفقد قيمتها وحيويتها، وينشئ مكتبة جديدة كانت مصدر العلم والعرفان ومنهل كل رائد وظمآن”.
أما شاعر الهند الأمير خسرو (توفي عام 627 هجري) -الذي حمل راية الشعر الفارسي في الهند مطلع القرن السابع- فقد قال في بديع شعره عن نبينا صلى الله عليه وسلم “إن أنفاسه وأخلاقه قد نفخت الحياة في العرب الذين كانوا في الاحتضار، وأطفأت في وقت واحد شعلة أبي الوهاجة التي كادت تأتي على الأخضر واليابس، إنه وصل في خطوتين من هذا العالم إلى ذلك العالم، وفي جولة من العالم المادي إلى العالم الروحي”.
ومثله في نصاعة التعبير والخيال المتوثب مولانا عبد الرحمن الجامي (توفي عام 878 هجري) “الذي يعتبر من أكبر شعراء المديح النبوي في التاريخ الإسلامي، وقد تغنى بشعره أهل القلوب والعلماء والأدباء في جميع البلاد التي تفهم اللغة الفارسية”، ويضاف إلى هذه القائمة المؤمنة الشاعر الفارسي عرفي (توفي عام 999 هجري) والقدسي (توفي عام 1096 هجري).
وفي شعراء الهند مسعود علي المحوي الذي يقول في المديح النبوي “إنه سيد استطاع من غير جيش ولا كتائب أن يجعل التائهين في البادية ملوكا يحكمون العالم وأساتذة يعلّمون الأمم”.
ولئن كان أغلب هؤلاء الشعراء المحبين للنبي -صلى الله عليه وسلم- كتبوا مديحهم باللغة الفارسية لغة العلم السائدة حينها في ربوع الهند وإيران فإن الأوردو بنت الفارسية أيضا كان عدد شعرائها كبيرا “فكان التغني بمدح الرسول والتحنن إلى بلده ومسجده موضوع شعراء الهند المفضل وحديثهم الأثير الحبيب، وقد ردد صداهم الشعب الهندي المسلم في حماس وطرب، وتسلى به في أحزانه، واستمد القوة الروحية والاعتزاز بحب النبي العربي -صلى الله عليه وسلم- في مقاومة تيارات القومية الهندية المتطرفة أو الوطنية الملحدة حتى اتهمهم الغلاة من دعاة القومية والوطنية بتفضيل الوطن الروحي على الوطن الجسدي، ووكر الروح على وكر البدن”.
تلك نماذج مختصرة من تعلق شعراء العجم بسيد العرب والعجم صلى الله عليه وسلم، تغنوا فيها بشمائله الكريمة بلغاتهم الأصلية، وشعوب الإسلام بلغاتها الكثيرة تردد شمائله وسيرته آناء الليل وأطراف النهار وترجو شفاعته في الأخرى.
إن ظاهرة المديح النبوي باللغات الإسلامية واللهجات المحلية تستحق الاعتناء والتدوين لما لها من ترسيخ لعالمية الإسلام وخلوده، أما مدح شعراء العجم للنبي العربي باللغة العربية الفصحى فهو مظهر آخر من قوة هذا الدين وتأثيره وفضله على البشرية، وللشعراء الهنود قوافٍ عربية جميلة في المديح النبوي ذكرها المؤرخ العظيم الشيخ عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي الحسني الطالبي (توفي عام 1341 هجري) في سفره الضخم “الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام” المسمى “نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر”، كما ذكر كثيرا من أولئك الشعراء الدكتور معراج أحمد معراج الندوي في بحثه القيم “تطور المديح النبوي في الهند باللغة العربية”.
إن إشارة الندوي إلى أن مسلمي الهند كانوا يقاومون التطرف الهندوسي بالمديح النبوي لتحتم اليوم على المسلمين في أنحاء العالم -خاصة في القارة الهندية- أن يعودوا للسيرة المطهرة التي حرر صاحبها المكرم العالم من حرائق أبي لهب ونزوات أبي جهل وطغيان الأكاسرة والقياصرة، فيوقفوا مودي والتطرف الهندوسي عند حده حتى لا تكون الهند أندلسا أخرى، فللهند في رقاب المسلمين ديون لا يمكن قضاؤها وليس أقلها قول الشيخ محمد رشيد رضا “ولولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر لقضي عليها بالزوال من أمصار الشرق، فقد ضعفت في مصر والشام والعراق والحجاز منذ القرن العاشر للهجرة حتى بلغت منتهى الضعف في أوائل هذا القرن الـ14”.

المصدر: الجزيرة.نت

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات