اليوم : 23 مايو , 2020

أهل السنة في خراسان الرضوية (1)

أهل السنة في خراسان الرضوية (1)

يُقدّر عدد أهل السنّة بعشرين أو ثلاثين في المائة من مجموع سكّان خراسان الرضوية (المركزية).
ينتشر أهل السنة في مناطق مختلفة من المحافظة كمدينة “تايباد”، و”تربت جام”، و”خواف”، ومشهد (مركز المحافظة) و”درغز” إلّا أنّ ثقل أهل السنة يقع في مدينتي “تايباد” و”تربت جام”، ويتكلّمون بلهجاتهم التي هي فرع من لهجات خراسان الكبيرة ويتبعون في الفقه المذهب الحنفي.

1- مدينة “تربت جام”
تعدّ مدينة “تربت جام” من أهمّ وأكبر مدن خراسان الواسعة قديما، وهي مركز أهل السنة والجماعة فيها حديثا، ظهر فيها في وقت غابر من الزمن في عصور وقرون مختلفة جيل من العلماء والفقهاء والأدباء والأولياء والشعراء العارفين.

الموقع الجغرافي لـ «تربت جام»:
تقع مدينة تربت جام على مسافة 162 كم. جنوب شرقي مدينة “مشهد”، مركز محافظة خراسان الرضوية، و60 كم شمال تايباد، وتحدّها من الشرق حدود مع أفغانستان على بُعد 40 كم، ونظراً لكونها منطقة صحراوية، فإنّ أجواءها حارّة وجافّة في فصل الصيف، وباردة في الشتاء؛ وأما أهاليها فغالبيتهم يزاولون مهنة تربية المواشي والزراعة.

من تاريخ “تربت جام”:
وإذا تطلعنا إلى تاريخ البلاد والعباد فنجد أول إسم أطلق على هذه المدينة هو إسم “زام “، ومن الأسماء التي كثر إستعمالها في المستندات التاريخية “بوزجان” وهي كلمة معربة من الفارسية أصلها “بوژگان “، وهي تعني حسب ما قال البعض: الأرض التي يسكنها الأذكياء والعقلاء من الناس. وقال غيرهم: إن الكلمة مركبة من جزأين وهي تطلق في اللهجة المحلية على أرض تمر بها الأنهار أو تتواجد فيها المستنقعات، وإن مدينة “جام” لوجود نهر “جام رود” سمي بهذا الإسم. يقول الحموي في معجم البلدان: زَامُ: إحدى كُوَر نيسابور المشهورة وقصبتها البوزْجان وهو الذي يقال له “جام” بالجيم سميت بذلك لأنها خضراءُ مدورة شبهت بالجام الزجاج وهي تشتمل على مائة وثمانين قرية، ذكر ذلك أبو الحسن البيهقي، وقال السمعاني: “زام” قصبتان معروفتان يقال لهما “جام” و”باخَرز” فقيل زام والأول أصح لأن باخرز قصبة برأسها مشهورة لا عمل بينها وبين زام.
ومن الأسماء الأخرى لهذه المدينة في كتب التاريخ “ژام” التی تبدلت بعد الفتح الإسلامي وسيطرة العرب المسلمين الفاتحين لعدم قدرتهم على تلفظ حرف “ژ” إلى “زام” كما ذكره الحموي، وغيره من أصحاب البلدان أو إلى “جام “. وتطرق حمد الله المستوفي في كتابه “نزهة القلوب” إلى ذكر مجموعة أخرى من الأسماء التي أطلقت في القرون والأعصار المختلفة على هذه المدينة التي تترك القارئ وراء علامة الإستفهام لماذا هذه التغيرات في الأسماء أو لماذا هذه الأسماء الكثيرة؟ ولقد اختلفت آراء أصحاب البلدان في بيان أسباب هذه التغيرات، فقال السمعاني من علماء القرن السادس في كتابه المعروف “الأنساب” وإبن الأثير من علماء القرن السابع في كتابه “اللباب”: إن جام معربة من “زام”. وقد مرّ في الأعلى سبب إطلاق جام على زام في كلام الحموي وهو من علماء القرن السابع حيث قال: سميت بذلك لأنها خضراءُ مدورة شبهت بالجام الزجاج. وغیرها من الآراء والأقوال التي لا تسع هذه الوجيزة.
جدير بالذكر أن التاريخ المدون لهذه المدينة يشير إلى تواجد أقوام مختلفة في العهود الماضية التي ترجع إلى قبل الميلاد بآلاف سنين. ولعل ذلك من أهم أسباب التغير في الإسم، فإن المدن في التاريخ تتبدل أسماءها بسيطرة جماعة أو قوم مهاجم، وكم من مدن نعرفها بأسماء في ثنايا كتب التاريخ والبلدان ولا نجد لها أثرا في الخرائط، حيث أبيدت أثناء الحروب المدمرة بكاملها أو عاشت بغير اسمها، فهب مدينة جام واحدة منها.

من مشاهير” جام”:
شيخ الإسلام أحمد جام:
فريد عصره، لم تنجب بلاد خراسان مثله في عصره ولا بعده في الزهد والعرفان والتقوى والفضل، كان عالما شاعرا عارفا ولد في قرية “نامق” سنة 1048 م. ترعرع في “كاشمر” ثم انتقل إلى “جام”، وقد أسلم على يديه خلق كبير في بلاد خراسان. يرجع نسبه إلى جرير بن عبد الله البجلي اليماني، وله العديد من المؤلفات خاصة في الأخلاق والتزكية مثل: سراج السائرین في ثلاث مجلدات، انیس التائبین، الرساله‌ السمرقندیه، مفتاح النجاه، روضه‌ المذنبین، کنوز الحکمه، فتوح الروح، الاعتقادات، التذکیرات، الزهدیات، ودیوان أشعار له بالفارسیة. توفی الشيخ أحمد جام سنة 536 عن عمر جاوز التسعين في خدمة الخلق وتوجيههم وإرشادهم في هذه البلاد.

أبو الوفاء البوزجاني:
مهندس فلكي رياضي، أحد الكبار البارعين في معرفة الهندسة. ولد في بوزجان (بين هراة ونيسابور) وانتقل إلى العراق سنة 348، وتوفي ببغداد. قال البيهقي: بلغ المحل الأعلى في الرياضيات، وكان نقي الجيب من عثرات الدنيا قانعا بما عنده.
وقال الصفدي: له في الهندسة والحساب استخراجات غريبة لم يسبق لها.

نورالدین عبدالرحمن جامی:
هو أكبر شاعر ومؤلف وأديب عرف واشتهر في القرن التاسع الهجري في تاريخ إيران، لقد عاش جامي في أواخر حكم آل تيمور فقد أدرك من سلاطينهم “شاهرخ” و”أبوالقاسم بابري” و”أبوسعيد كوركان”. توفي عبد الرحمان جامي سنة 1487م في 91 من عمره.
إضافة إلى تصانيفه في الشعر الفارسي الذي حصل فيه مكانة عالية، لقد ترك آثارا أخرى في علوم أخرى، ومن أهمّ ما يعرف به شرحه الذي زين به كتاب الكافية لإبن الحاجب، سماه “الفوايد الضيائية في شرح الكافية”، كتاب جميل وشرح واف في علم النحو يعرفه الطلبة باسم شرح جامي.
أيضا من علماء هذه البلاد التي يشار إليه، “أبوذر البوزجاني” من عرفاء القرن الرابع الهجري الذي كان السلطان الغزنوي يشدّ الرحل إليه لأجل الإستفادة منه. و”أبو جعفر محمد زامي” الذي كان من أكبر الأدباء والشعراء في عهد السامانيين. سافر أوّلا إلى “نيشابور” ثم سافر ثانيا إلى “بخارا” في زمن سلطة أبي القاسم نور بن منصور الساماني، وكان يعد من أدباء تلك البلاد وله أيضا أشعار في اللغة الفارسية ما يدل على يده الطولى في اللغة العربية. و”عبد الله الهاتفي الخرجردي”، إبن أخت العلامة “عبد الرحمن الجامي” الذي قضى أيام شبابه طلبا للعلم في العراق وآذربيجان، ثم رجع إلى مسقط رأسه “خرجرد” واشتغل في قريته إلى الزراعة والعبادة في زاوية صغيرة بناها هناك بعد مجيئه، وله مصنفات عديدة بلغة أمه.

المدارس والمراكز الدينية في تربت جام:
ما ذكر كانت لقطة بسيطة من هذه المدينة السنية التي تشهر في هذه الأيام بإسم “تربت جام” من دون أن نلتفت إلى ذكر المشاهد والأثار التاريخية والجوامع العتيقة التي بقيت كتذكارات من ثقافة أسلاف هذه المدينة ودلالات على قوة إيمانهم وحدة مشاعرهم الطيبة الزكية.
فهي اليوم أيضا بوقوعها الجغرافي في خراسان الواقعة في إيران تعتبر مركز السنة فيها، فإنها أكبر مدينة في هذه المحافظة سكّانا لأهل السنّة، ولا زالت “تربت جام” بعد مرور قرون محتفظة بأصالتها في كل شيء وخاصة في الدين والمذهب، حيث تنتمي غالبية سكانها إلى أهل السنة والجماعة، ولم تنخفض في أي جزء من حضارتها وثقافتها كالأمس، وهي اليوم أيضا مركز لروّاد العلم من أرجاء البلاد بوجود مساجدها وبمدارسها.

أبرز مساجد تربت جام:
في تربت جامع مساجد كثيرة وكبيرة، من أبرزها الجامع المعروف بجامع “مزار شيخ الإسلام أحمد الجامي” الذي يعود تاريخ بنائه إلى مئات السنين، ومسجد قبا، والمسجد المحمدي، ومسجد أمير حمزه، ومسجد نصر، ومسجد الحنفية، ومسجد التوحيد الذي يعدّ مركز جماعة التدعوة والتبليغ في هذه المدينة، ومسجد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وغيرها من المساجد.

أبرز المدارس والمعاهد الدينية في تربت جام:
1- المدرسة الأحمدية:
تعتبر المدرسة الأحمدية من أقدم المدارس الدينية لأهل السنة في محافظة خراسان، وقد أقيمت هذه المدرسة بجانب ضريح الشيخ أحمد الجامي، العارف الزاهد في القرن الخامس الهجري، وفي عصر السلاجقة.
2- المدرسة الصديقية:
رغم أنها مدرسة حديثة البناء، لكنها من أكثر المدارس شعبية بين الناس، وأكثرها نجاحا في التعليم، يتولّى إدارة هذه المدرسة الشيخ “علي خيري” أحد خرّيجي جامعة دار العلوم زاهدان.
3- فخرالمدارس:
يعود بنائها إلى أواخر الدولة القاجارية وأوائل البهلوية.
4- المدرسة الأعظمیه:
مدرسة تركز على تعليم القرآن الكريم وتحفيظه، أسسها الأستاذ مصطفى أربابي، أحد الكتّاب المشهورين والمترجمين لأهل السنّة في إيران، ويتولّى إدارتها حاليّا.

2- مدينة “تايباد”
مدينة ” تايباد” من أهمّ مدن خراسان الواسعة قديمًا، وهي ثاني أكبر مدينة لأهل السنة والجماعة في محافظة “خراسان الرضوية” حديثا، ظهر فيها في وقت غابر من الزمن في عصور وقرون مختلفة، جيل من العلماء والأدباء والأولياء والزهاد، وهي من المدن التي شهدت تقلبات وتطورات في قلب التاريخ الإسلامي، تسرّ القارئ مرّة وتحزنه أخرى، فمن المناسب أن نعرف قدرًا بسيطا من هذه المدينة العريقة في العلم والثقافة الإسلامية، والتي هي من معاقل أهل السنة والجماعة.

الموقع الجغرافي لمدينة “تايباد”:
مدينة “تايباد” تنتهي من شمالها إلى مدينة “تربت جام”، مركز أهل السنة في خراسان، ومن الجنوب تجاور مدينة “خواف”، من المدن السنّية الأخرى في خراسان، ومن الشرق تجاورها الحدود الأفغانية.

من تاريخ “تايباد”:
إنّ مدينة “تايباد”عريقة في التاريخ ورائدة في الفن المعماري الإيراني، وغنية بالجمال التاريخي الأصيل، ولا زالت بعد مئات السنين تحمل عطر الماضي وعراقة التاريخ، والذي ينظر إلى الواقع المعاصر لمدينة “تايباد” يبدو أمامه المخطط المعماري التاريخي القديم للمدينة، فضلاً عن وجود آثار كثيرة لنشاطات واسعة وعامة في الفنون المعمارية التي كانت منتشرة في هذه المدينة وهي مختلطة مع الظروف الإقليمية التي كانت سائدة عبر التاريخ، والممزوجة مع الفنون التقليدية والمصالح الخاصة لهذه المنطقة.
وكذلك تزخر المدينة بالعشرات من المساجد القديمة والمدارس الدينية والحدائق الفخمة والخلابة والهضبات المرتفعة والقلاع المنيعة التي هي نماذج من جمال هذه المدينة التاريخية التي شيدت قبل عدة قرون.
ولكن العهد الذهبي الزاهر لتايباد يعود إلى القرن الرابع حتى السابع الهجري. وبالنسبة إلى العهد الصفوي فلا توجد لهذه المدينة آثار تاريخية تذكر إلا قلاع مبنية من الطين.
بناء على ما ورد في الكتب التاريخية، أول من سكن هذه المدينة كانت قبائل مبعثرة من المغول واشتهرت بـ”مغول آباد”، ثم هاجر المغول بسبب شيوع الطاعون فيهم من هذه المدينة إلى النواحي الجنوبية من إيران، وبقيت “تايباد” متروكة مخروبة، إلى أن هجّر حسام السلطنة في هجومه على “هراة”، الإيرانيين الموجودين فيها إلى هذه المدينة. ولما كانت هذه المدينة مركزا للحكام المحليين لمدة طويلة، أقبل جمع كبير من العلماء والصالحين والزهاد من الضواحي والنواحي الأخرى إليها.

سكان “تايباد”:
لقد مرت مدينة “تايباد” بمراحل مختلفة وشهدت تطوّرات وتقلّبات عديدة في تاريخها، وتعرضت لهجوم من جانب أقوام مختلفة، منها هجوم التتار والإسكندر والأتراك، لذلك تتواجد في أنحاء هذه المدينة تركيبة من العرقيات والقبائل المتنوعة مثل “تيموري” و”جلالي” و”يحيايي” و”رسولي”.
يبلغ عدد سكان “تايباد” إلى مائة وخمسين ألف نسمة، يشكّل أهل السنة والجماعة غالبية ساحقة من هذا العدد، ويتكلمون الفارسية بلهجتهم الخاصة، ويمتازون بالتزامهم بالتعاليم الدينية والتدين، وتوجد عدة مدارس دينية تقوم بنشر الثقافة الإسلامية وبث الدعوة الدينية في أهل “تايباد”.

خصائص أهل “تايباد”:
يُعرف سكان “تايباد” بطيب النفس والتثقف والتدين والسخاء وسعة الصدر وكثرة العمل، ولقد تربّى رجال كثيرون وبارزون في هذه المدينة قدّموا جهودا كبيرة لشعبهم، أمثال علي حسن البازري الذي كان وزيرا للملوك السلاجقة، وشيخ المشايخ سيف الدين، وإسماعيل بن أحمد بن إسماعيل الجوذقاني الباخرزي؛ كان رجلا صالحا وكان مولده سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، ومنصور بن محمد بن أبي نصر منصور الهلالي الباخرزي الماليني، وأبو نصر سكن مالين، وكان شيخاً فقيهاً صالحاً ورعاً، كثير العبادة، مكثراً من الحديث؛ سمع أبا بكر أحمد بن علي الشيرازي، وموسى بن عمران الأنصاري، وأبا نزار عبد الباقي بن يوسف المراغي. كانت ولادته سنة 466 بمالين باخرز، وقتل بنيسابور في الحادي عشر من شوال سنة 546. وغيرهم من العلماء والزهاد الذين كانوا منارات العلم والهدى في هذه المدينة.

المعاهد والمراكز الدينية:
كما ذكرنا سالفا، فإن الغالبية الساحقة من سكان هذه المدينة وضواحيها، هم أهل السنة، وملتزمون بتعاليم الشريعة الإسلامية والمعتقدات المذهبية، وكانت للمدارس الدينية والمراكز العلمية دور كبير رشيد عبر التاريخ في توعية الشعب الدينية وتربيتهم الإسلامية.
أهم وأبرز المدراس الدينية في “تايباد” كالتالي:
1- معهد مظهر التوحيد مالك الملك، الذي تمّ تأسيسه سنة 1386 من الهجرة النبوية.
2- معهد أحناف تايباد، يرجع تأسيسه إلى الثمانينات.
3- مهعد زين الدين أبي بكر التايبادي، الذي أسس قبل الثورة.
4- معهد أنوار العلوم خيرآباد، الذي أسس بعد الثورة في قرية كبيرة من قرى “تايباد” الواقعة على طريق تايباد – باخرز.
هناك مدارس دينية أخرى في بعض القرى المحيطة بتايباد كقرية “كاريز”، و”ريزه” وغيرها.

يتواصل…

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات