اليوم : 23 مايو , 2018

بناء البيت الحرام ودعاء إبراهيم عليه السلام (تفسير آيات 126 إلى 129 من سورة البقرة)

بناء البيت الحرام ودعاء إبراهيم عليه السلام (تفسير آيات 126 إلى 129 من سورة البقرة)

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿١٢٦﴾ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٢٧﴾ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١٢٨﴾

التفسير المختصر
{وإذ قال إبراهيم} في دعائه {رب اجعل هذا} المكان {بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} أما غير المؤمنين فأنت أعلم بهم {قال ومن كفر فأمتعه قليلا} لما أن الرزق ليس خاصا سأرزق الكافر {ثم أضطره إلى عذاب النار} لأن النجاة في الآخرة خاصة بأهل الإيمان {وبئس المصير}.
{وإذ} وأيضا جدير بالذكر ذلك الوقت الذي كان {يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع} تسمع أدعيتنا {العليم} تعلم نياتنا.
{ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا} مناسك الحج وغيره {وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم}.

فقه الحياة أو الأحكام
لقد ضحّى إبراهيم الخليل في سبيل الله تضحية كبيرة، فضحّى بماله وأهله، وسارع في طاعة الله وأسلم له، وقدّم من الأعمال ما ليس له نظير في التاريخ، وبما أنّ حبّ الأهل والشفقة بهم مما فُطر الإنسان عليه، دعا لأهله وذريته، وسأل الله لهم من نعم الدنيا والآخرة.

دعوات الخليل عليه ‌السلام:
بدأ الخليل عليه‌ السلام دعاءه بكلمة «ربّ» وهذه كلمة تثير كرم الله ولطفه وحنانه، فأول ما سأل ربّه هو أن يجعل هذه البقعة بلداً آمناً تسهل الحياة فيه، ولا يستوحش أحدٌ من السكنى فيه. إنّ هذا الدعاء ورد في سورتين؛ في سورة البقرة، ثم في سورة إبراهيم، لكن البلد ذكر نكرة في سورة البقرة، ومعرفة في سورة إبراهيم، ولعلّ السبب في ذلك أنّ الدعاء الأول الذي دعا به إبراهيم حينما لم تكن مكة بلداً ولم تظهر فيها آثار المدنية، أما الدعاء الثاني حيث قال: {رب اجعل هذا البلد آمنا} إنّما دعا به حينما صارت مكة بلداً وظهرت فيها آثار المدنية، والقرينة التي تدلّ على ما نفهم أنّ الدعاء الثاني الذي ورد في سورة إبراهيم إنما كان بعد أن ولد إسحق ومن المعلوم أنّه أصغر سناً من إسماعيل بثلاث عشرة سنة، ولأجل هذا قال في آخر الدعاء: “الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء”.
(ابن كثير: 1/166).
الدعاء الثاني لسيدنا إبراهيم أن يجعل هذا البلد في أمن وطمأنينة، فلا يتسلط عليه الجبارون ولا يعكر صفوه المجرمون الآثمون، ويصان من الآفات والرزايا، فاستجاب الله سبحانه وتعالى دعوة خليله، فجعل مكة بلداً آمناً مثابة للناس يعتبر المسلمون الوصول إليه مفخرة كبيرة لهم، والتاريخ يشهد أنّ الجبابرة لم يجترؤوا أن يهجموا على مكة طيلة القرون والأعصار، فأمّا أصحاب الفيل، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، ودمرهم تدميراً وجعلهم عبرة لأولى الأبصار، وقد عصم الله مكة من القتال والنهب، وكان أهل الجاهلية على كفرهم وشركهم يعظمون مكة تعظيماً بالغاً ويراعون حرمته، بحيث إذا وجد أحدهم ألدّ عدوه لا يقتصّ منه، ولا ينتقم وكان جميع العرب يحترمون سكان الحرم، ومن أجل هذا، كانت قوافل أهل مكّة غادية رائحة إلى الشام واليمن ولا يتعرض لها أحد من العرب، وتتمتع بالأمن في حدود الحرم الحيوانات، فلا يجوز اصطيادها وإيذاءها وهي تشعر بالأمن إذا دخلت الحرم. كلّ هذا بدعوة سيدنا إبراهيم عليه ‌السلام، وما حدث بأيدي حجاج بن يوسف، ثم بأيدي القرامطة من قتال وخلل في الأمن فهو أولاً قليل نادر ثم لم يكن من أيدي الأجانب والكفار بل من عند أنفس المسلمين أوالمنتسبين إلى الإسلام، وهذا مثل الذي يهدم أو يحرق بيته بنفسه فلا ذنب على أحدٍ؛ وعلى كل جعل الله مكة حرماً آمناً فلا يجوز القتال فيها ولا يجوز اصطياد الحيوانات منها ولا يدخلها المسيح الدجال؛ أمّا الشيء الثالث الذي سأل إبراهيم ربّه أن يرزق أهله وذريته من الثمرات لعلهم يشكرون، وكان البيت بواد غير ذي ذرع ولكن استجاب الله دعوة خليله فجعل الطائف منطقة خصبة عامرة، وجعل فيها أشجارا وبساتين مثمرة، وكان يأتي أهلها بالثمرات المختلفة إلى مكة يبيعونها، وقد ورد في الإسرائيليات أنّ الطائف كانت جزءاً من الشام فأتى بها جبرئيل إلى مكانها الحالي بأمر من الله. والله أعلم.

الحكمة الإبراهيمية:
لم يسأل سيّدنا إبراهيم عليه‌ السلام ربّه أن يجعل مكة وما حولها صالحة للزراعة ويجعل أرضها خصبة عامرة، بل دعا أن يرزق أهلها وذريته من الثمرات من أين أتت، ولعل الحكمة في ذلك أنّه لم يرد أن يشتغل ذريته بالفلاحة وعمارة الأرض بأنفسهم لأنّه ما أسكنهم في الوادي إلا ليقيموا الصلاة ويرضوا ربهم ويخدموا بيت الله الحرام ويشتغلوا بأمور الدين ولا يشتغلوا بالدنيا الفانية، ولوسأل ربه أن يجعل أرض مكة خصبة خضراء لصارت مكة اليوم كذلك ولغبطتها بلاد الشام.

والرزق يشمل جميع النعم وما يحتاج إليه الإنسان في حياته:
قال سيدنا إبراهيم عليه السلام في دعائه: {وارزق أهله من الثمرات} فاستجاب الله سبحانه دعوة سيدنا إبراهيم، ودلّ قوله تعالى في سورة القصص {يجبى إليه ثمرات كل شيء} (القصص: 57) على أنّ الثمرات تؤتى بها إلى مكة المكرمة، ثمّ لم يقل ثمرات كل شجر بل قال ثمرات كل شيء، وفي هذا إشارة إلى أنّ الثمرات عامة تشمل ثمرات الأشجار ونتائج الأعمال والكفاح التي يمارسها الناس مثل الإنتاجات التي تتولد من المصانع أوالصنائع اليدوية والواقع يشهد أنّ كل ما يحتاج إليه الإنسان في الحياة الدنيا يتوفر في مكة المكرمة ولا يستطيع أي بلد صناعي أن ينافس مكة المكرمة في هذا الشأن.

حزم الخليل عليه ‌السلام واحتياطه:
لما دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأهل مكة أن يُرزقوا من الثمرات، شملت هذه الآية المؤمن والكافر جميعا، لكن لما جمع قبل هذا ذريته من المؤمنين والكافرين في دعاء له، قيل له من جانب الله تعالى لاينال عهدي الظالمين. ذلك الدعاء كان في الإمامة. و تذكر سيدنا إبراهيم الخليل الذي كان قد امتلأ بخشية الله تعالى وحصل على منصب الخلة، هنا تلك النقطة، فقيّد بها دعاءه بأنه يريد هذا الرغد في الرزق والعيش لأهل الإيمان. وجرى تكريم هذه الخشية من جانب الله تعالى حيث قال: {ومن كفر..} ومعنى ذلك أن الله تعالى سيعطي أهل مكة من هذا الرزق المادي وإن كانوا ظالمين وكافرين. لكن المؤمنين كما يرزقون في الدنيا كذلك يتمتعون في الآخرة، أما الكافر فنصيبه في الآخرة لايكون سوى العذاب.

تعليم عدم التوكل على الحسنات والاقتناع بها:
قوله: {ربنا تقبّل منّا}
إن سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام سار بأهله من بلده الجميل إلى واد غير ذي زرع في مكة المكرمة امتثالا بحكم الله تعالى، ولقد بذل كافة قواه في بناء بيت الله، في مثل هذه المواضع قد ينشأ في نفس الإنسان نوع من العجب، ويزعم أنّ عمله جدير بالإشادة والتنويه. لكن خليل الله عليه الصلاة والسلام يعرف عظمة الرب تبارك وتعالى وجلاله وعزته، ويعلم أنه لايمكن لإنسان مهما بلغت عبادته وطاعته أن يؤدي حق الله تعالى. فكل يعمل حسب قوته وطاقته؛ لأجل هذا من الضروري أن لايباهي بأعماله وإن كانت عظيمة. بل يدعو متضرعا، ويسأل الله قبول عمله. كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث دعا أثناء بناء بيت الله بهذا الدعاء {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}.
قوله: {ربنا واجعلنا مسلمين لك}
هذا الدعاء أيضا ناتج عن المعرفة والخشية التي حصل عليها سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام. حيث دعا بعد خروجه الفائز من الإطاعة والامتثال، يطلب من الله تعالى أن يجعله وابنه مسلمَين ومطيعين، والسبب في ذلك أنه كلما تزداد المعرفة بالله تعالى، يزداد الشعور أيضا بأننا لم نؤد حق الوفاء وحق الإطاعة.
قوله: {ومن ذريتنا}
في هذا الدعاء ذكر معه ذريته أيضا، ويتبيّن من هذا مدى محبّة أولياء الله الذين يضحّون بأنفسهم وبأولادهم لذريتهم! لكنهم يلبّون المطالب المشروعة في هذه المحبة تلبية ليست في وسع عامّة الناس. فالعامّة يعرفون فقط الراحة الجسمية وعافيتها لأولادهم. وكل شفقتهم ومحبتهم تدوران حول هذا. لكن عباد الله المقربين يفكرون في الراحة الروحية لأولادهم أكثر من الراحة الجسمية، ويفكرون في الراحة الأخروية أكثر من الدنيوية.
لأجل هذا دعا أن يجعل من أولاده جماعة مسلمين مطيعين. وثبت أيضا بالتجرية أن في صلاح نسل الصالحين نفعا كثيرا لمتبعهم، إذ يكونون سببا لصلاح من وراءهم.( البحر المحيط)
واستجيب هذا الدعاء لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام
فلم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا، ولم تزل الرسل عليهم الصلاة والسلام من ذريتهما، وكان في الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة الإيادي. ويقال: عبد المطلب بن هاشم، جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن الظرب، كانا على دين الإسلام. ( البحر المحيط)
قوله: أرنا مناسكنا
المناسك جمع المنسك، وهي تطلق على أعمال الحج، و المناسك تطلق أيضا على المواقف التي تقام فيها شرائع الحج مثل عرفة ومنى ومزدلفة، ويمكن أن يراد بهما في هذه الآية.
وخلاصة الدعاء: علمنا أعمال الحج وشعائره كاملة. واستعمل لفظ {أرنا} ومعناها بصّرنا، ويمكن أن يراد به الرؤية بالبصر، وكذلك الرؤية بالقلب. فقد أرى جبرئيل مواقف الحج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلّمه أعماله إياه بالتفصيل.

****

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١٢٩﴾

التفسير المختصر
{ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} (من أنفسهم) يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم (يطهّرهم بهذه التلاوة والتعليم عن الأفكار الجاهلية) إنك أنت العزيز الحكيم.

شرح المفردات:
قوله تعالى “يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ”:
تلا يتلو تلاوة: تبعه متابعة، فإنّ التلاوة هي الاتباع على سبيل الاقتداء؛ وأمّا في مصطلح الكتاب والسنة، تطلق التلاوة على قراءة كلام الله سبحانه من القرآن أو الكتب السماوية الأخرى، وذلك لأنّ التالي يجب عليه اتباع اللفظ كاملا كما نزل، وليس له أن يغيّر شيئا من حروفه ولا من حركاته من عنده. ولا تُطلق التلاوة في العرف على قراءة كتاب سوى كلام الله.
قال الإمام الراغب الأصبهاني في “المفردات”: والتلاوة تختصّ باتّباع كتب الله المنزّلة، تارة بالقراءة، وتارة بالارتسام لما فيها من أمر ونهي، وترغيب وترهيب. (المفردات في غريب القرآن، راغب الأصفهانى،
دار القلم)
قوله تعالى “وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ”:
المراد بالكتاب هو كتاب الله. والحكمة في اللّغة تطلق على معان: “إصابة الحق بالعلم والعقل، والعَدل، والعِلم الصحيح، والحِلم، وفعل الخيرات، وغيرها” كذا في المفردات.(ص249)

قال الإمام الراغب الأصبهاني في “المفردات”: فالحكمة من الله تعالى: معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات.(ص249)
المراد من الحكمة:
اختلفت تعابير المفسّرين من الصحابة والتابعين بشأن الحكمة في هذه الآية، ولكنّهم اتفقوا نهائياً أنّ المراد بالحكمة هي سنة الرسول صلّى ‌الله ‌‌عليه ‌وسلّم.
من العلماء من قال: المراد بالحكمة تفسير القرآن الكريم، ومنهم من قال: المراد بالحكمة هي التفقه في الدين، ومنهم من قال المراد بها الأحكام الشرعية، ومنهم من قال: الحكمة عبارة عن الأحكام الشرعية التي حصل علمها عن طريق السنّة النبوية، ولا شكّ أن هذه الأقوال كلّها عن الحكمة متقاربة تصدق على الحديث والسنّة.
وقوله تعالى: “يزكيهم”
التزكية مشتقة من الزكاة، ومعناها الطهارة، وتشمل الطهارة الظاهرة والباطنة.

فقه الحياة أو الأحكام
عُلم من الآيات السابقة أنّ سيّدنا إبراهيم عليه ‌السلام دعا ربّه أن يبعث رسولاً في ذريته يتلو عليهم آياته ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويطهّرهم من الأرجاس المعنوية والحسّية، وإنّما سأل ربّه أن يجعل الرسول من ذريته لأنّ ذلك سيكون شرفا وعزّا لهم من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا كان الرسول من أنفسهم، فالكلّ يعرفونه ولا ينخدعون في معرفته ولا يُخطئون، ولقد ورد في الحديث الشريف “أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي آمنة التي رأت” ( المستدرك على الصحيحين)

خصائص المولد النبوي الشريف
روى الإمام أحمد في مسنده عن عرباض بن سارية، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنّي عبد الله، لخاتم النبيين، وإنّ آدم عليه السلام لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأوّل ذلك دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمّي التي رأت”.
والمراد من بشارة عيسى عليه السَّلام، ما قَامَ في بني إِسرائيلَ خَطِيبًا، وَقَال:{إِنِّي رسُول الله إِلَيْكُمْ مصَدِّقًا لما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}[الصَّفِّ: 6]
ورؤية الأمّ ما رواه الحاكم, أنه صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: “رأت أمّي حين حملت بي، أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام”، إسناده صحيح، صححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وقد ورد ذكر مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم في موضعين من القرآن مقرونا بهذه الصفات التي دعا بها إبراهيم عليه السلام.
الأوّل في سورة آل عمران: {لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياته ويُزكِّيهم ويعلِّمهم الكِتَابَ والحكمةَ وإِن كانوا من قَبل لفي ضلال مُبِين} والثاني في سورة الجمعة :{هو الَّذي بعثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويُعلّمهم الكتَاب والحكمةَ وإِن كانوا من قَبْل لفي ضلَال مُبِينٍ}.
فهذا يشير إلى أنّ النبي الذي دعا إبراهيم عليه السلام لبعثته هو هذا الرسول الأمي محمد صلى الله عليه وسلم.

المقاصد الثلاثة من بعثة الرسول الكريم
ذكرت ثلاثة مقاصد لبعثة الرسول الكريم، أو ثلاثة وظائف للنبوة والرسالة في هذه الآية من سورة البقرة، وكذلك في سورتي آل عمران والجمعة بألفاظ واحدة، وهي كما يلي:
1- يتلو عليهم آياته, 2- يعلّمهم الكتاب والحكمة، 3- يزكّيهم.
المقصد الأوّل من البعثة
ممّا يجدر ذكره أنّ التلاوة تتعلّق بالكلمات والتعليم يتعلّق بالمعاني، فالمعاني مقصودة بالذات كما أنّ الكلمات والعبارات أيضاً مقصودة بالذات؛ فتلاوة الكلمات وحفظها من أهمّ العبادات. هنا سؤال يستحقّ العناية ويدعو إلى التدبّر، وذلك أنّ المخاطبين الأوّلين كانت لغتهم عربية، وكانوا بلغاء العربية، فكانت تكفيهم تلاوة الآيات عليهم، ولم يكونوا بحاجة إلى بيان المعاني والتفسير، فلماذا جُعل تعليم الكتاب، أي تبيينه وتفسيره من أهداف البعثة المحمدية؟
ويُجاب عنه بأنّ القرآن الكريم ليس كسائر الكتب التي تُقصد بها المعاني فقط، والكلمات والعبارات فيها مقصودة بالدرجة الثانية، بحيث إذا تغيّرت لا تحدث مشكلة ولا يقع حرج، بل لا اعتبار للكلمات فيها بدون فهم المعاني، وأنّ القرآن الكريم يختلف عن سائر الكتب لاعتبار الكلمات والمعاني فيه معا؛ وهناك أحكامٌ شرعية تتعلّق بالكلمات خاصّة من دون المعاني، ومن ثَمَّ قال الأصوليون في تعريف القرآن: “هو النظم والمعنى جميعاً”.
ويُعلم من هذا أيضا أنّ معاني القرآن لو كتبت بألفاظ أخرى، أو بلغة أخرى، لا يُطلق عليها القرآن ولو كانت خالية عن الإشكال، بحيث لو قرأها أحد في الصلاة بدل الألفاظ الواردة في القرآن لا تصحّ صلاته، كما لا يتعلّق بها سائر الأحكام التي تتعلّق بالقرآن. وليس حكم المعاني وحدها كحكم القرآن، فما ورد في فضل التلاوة لا يحصل بقراءة المعاني وحدها. لذلك نهى الفقهاء عن كتابة المعاني والترجمة وحدها بدون الكلمات وتسميتها بالقرآن، ونهوا أيضا عن كتابة المعاني وطباعتها باسم القرآن؛ لأنّ المكتوب والمطبوع باللغة الفارسية أو الإنجليزية لا يجوز أن يسمّى قرآنا.
خلاصة الكلام أنّ تلاوة الآيات من أهداف ومقاصد البعثة النبوية، وهي مقصودة بالذات. فكما يجب حفظ المعاني، كذلك يجب حفظ الكلمات؛ لأجل هذا جُعل كلّ من التلاوة والتعليم وظيفتين مهمتّين مستقلّتين من وظائف النبوّة.
ولا يعزب عن البال أنّ الغاية الأساسية من نزول الكتاب تطبيقه في حياتنا وفهم تعاليمه والعمل بها، فالذين يكتفون بقراءته ولا يعملون بمفاهيمه، فأولئك غافلون عن حقيقة هذا الكتاب، وجاهلون بمكانته وعظمته.

قراءة القرآن من غير فهم المعاني أيضا من الأعمال الصالحة:
إنّ قراءة القرآن بدون فهم المعاني من الأعمال الصالحة التي يثاب المرء عليها. لقد أخطأ الذين يقولون إنّ تلاوة القرآن الكريم بدون فهم المعاني لا فائدة منها. من المؤسف أنّ أناساً في هذا الزمان يقيسون القرآن الكريم على الكتب الأخرى. وهل يقاس القرآن بغيره من الكتب وهو يُطلق على النظم والمعنى جميعاً!؟ فكما أنّ فهم المعاني والعمل بها عمل صالح وعبادة يثاب المرء عليه، فكذلك تلاوة الكلمات عبادة مستقلّة يحصل بها أجر كبير.

المقصد الثاني من البعثة النبوية
المقصد الثاني من البعثة المحمدية هو تعليم الكتاب، لأجل هذا نرى أنّ النبي صلّى‌ الله ‌‌عليه ‌وسلّم وأصحابه لم يكتفوا بفهم معاني القرآن والعمل به، بينما كانت تكفيهم قراءته مرّة واحدة لفهمه والعمل به، لكنّهم اهتمّوا بتلاوته حقّ الاهتمام طول حياتهم، فمنهم من كان يختم القرآن كلّ يوم، ومنهم من كان يختمه في يومين، وأكثرهم كانوا يختمونه في ثلاثة أيام، وجرى دأب عامّة الأمّة ختمه في كلّ أسبوع، ولأجل هذا قسموه إلى سبعة منازل.
يدلّ عمل النبي صلّى ‌الله ‌‌عليه ‌وسلّم وأصحابه على أنّ تلاوة القرآن عمل مستقلٌ ومقصود بالذات مثل فهمه والعمل به، ولا ريب أنّ التلاوة سبب للحصول على النور والبركة والسعادة والنجاة، فلا ينبغي للمسلمين الذين لا يفهمون معاني القرآن أن يحرموا أنفسهم من التلاوة زعماً منهم أنّه لا فائدة من التلاوة بدون فهم المعنى.
لا شك أنه ينبغي لكل مسلم أن يسعى لفهم المعاني حتى يشاهد النور والبركة مباشرة، ويتحقق الهدف الأسمى من نزول القرآن، ولا يكون كالذين لا يستفيدون من آيات القرآن إلاّ في الرقية للمرضى، ونعم ما قال الشاعر محمد اقبال:
“جاء القرآن لتحيى به وتنظم حياتك في ضوءه، ولكنك أيها المسلم إنّما تقرأ منه سورة يس لتموت بسهولة”.
قصارى الكلام، أنّ هناك أمرين مستقلين: الأول تلاوة الآيات، والثاني تعليم الكتاب. ثمّ عُلم من قوله تعالى “ويعلمهم الكتاب”، أنّ فهم الكتاب لا يتحقق بمعرفة اللغة العربية وحدها، بل لابدّ من تعليم الرسول صلّى ‌الله ‌‌عليه ‌وسلّم في ذلك. وهذه حقيقة مجربة أنّ تعلّمَ كلّ فنّ وعلم لا يمكن بدون مربّ وأستاذ بارع، ولا تكفي المهارة في اللغة وحدها لتعلّمها، فلا يمكن أن يصبح شخص متخصصا في علم الطب بإتقانه اللّغة الإنجليزية وقراءة كتب الطبّ المؤلفة بهذه اللغة، ولا يمكن أن يكون أحدٌ مهندساً بقراءة كتب الهندسة ما لم يتعلّم الفنّ تحت إشراف المهندسين البارعين. دع عنك هذه الفنون الكبيرة التي تطلب جهداً وذكاء وخبرة ومهارة، بل الصناعات العامّة كالخياطة والحدادة ألّفت فيها مئات من الكتب، فهل يصير أحد خياطاً أو طاهياً، أو صنّاعاً بقراءة كتب هذه الفنون العادية وحدها؟ كلا؛ إنّ ذلك لا يكون إلاّ بتعليم الأساتذة. فلو كانت معرفة اللغة كافية لكان النصارى واليهود الذين يتقنون اللغة العربية ويجيدونها مفسّرين وعلماء كباراً. ولو كانت معرفة اللغة وحدها كافية، لصار أبوجهل وأبولهب عالمين ومفسرين كبيرين.
إنّ الله سبحانه وتعالى جعل تلاوة الآيات واجباً مستقلاً على الرسول، وجعل تعليم الكتاب واجباً آخر عليه، وهذا يدلّ على أنّ معرفة اللّغة وحدها لا تكفي في فهم الكتاب بدون تعليم الرسول صلّى‌ الله ‌‌عليه ‌وسلّم، وأنّ الذي يدّعي فهم الكتاب بمعرفة اللغة وحدها مستغنياً عن تبيين الرسول، فهو يخدع نفسه، ولو كان ذلك ممكناً لما أُرسل الرسول. فالله العليم الحكيم المنزل للقرآن الكريم يعلم أنّ الناس لا يدركون معاني القرآن ولا يمكنهم ذلك من دون تبيين الرسول إياها، فلو كان ذلك ممكناً، لأُبلغ القرآن إليهم بأي وجه كان، ولما احتيج إلى إرسال الرسول. إنما أرسل الله الرسول صلّى‌الله ‌‌عليه ‌وسلّم ليوضّح ما أنزل الله تعالى، كما قال عزّ من قائل: {لتبيّن للناس ما نزّل إليهم}.
من وظائف الرسول بجانب تعليم الكتاب، تعليم الحكمة؛ وقد بينّا سابقاً أنّ الحكمة وإن كانت تُطلق على معاني عديدة، ولكن في هذه الآية وما شابهها أُطلقت على السنّة النبوية؛ هكذا فسّرها الصحابة والتابعون. فالآداب النبوية والطرق التربوية الطيبة التي كان يختارها النبي صلّى‌ الله ‌‌عليه ‌وسلّم ـ المسمّى بالسنة ـ كلها من الحكمة التي بعث النبي صلّى ‌الله ‌‌عليه ‌وسلّم ليعلمها أمته، وقد قال النبي صلّى‌ الله ‌‌عليه ‌وسلّم: “إنما بعثت معلماً” فإذا كان النبي صلّى‌ الله ‌‌عليه‌ وسلّم معلماً، ينبغي أن تكون أمته طلبة للعلم، بل يجب على كل مسلم، رجلاً كان أو امرأة أن يسعى لطلب العلم، ويحاول الحصول على تعاليم الرسول صلّى‌ الله ‌‌عليه ‌وسلّم، فإن لم يستطع التخصص في العلم فليحصل على قدر الحاجة.

المقصد الثالث من البعثة النبوية
إنّ المقصد الثالث من البعثة المحمّدية هي التزكية، ومعناها التطهير من الأرجاس الظاهرة والباطنة. أمّا الظاهرة فمعلومة لدى الجميع، وأمّا الباطنة فهي الكفر والشرك والتوكّل على غير الله تعالى وسوء الاعتقاد والكبر والحسد وحبّ المال والجاه وغير ذلك.
ممّا يجدر بالتدبّر أنّ تفاصيل هذه الأدواء الخلقية وإن وردت في الكتاب والسنة، لكنّ الإنسان لا يستطيع بنفسه أن يجتنبها كلّ الاجتناب ما لم يزكّه مزكٍ، ففي جعل التزكية وظيفةً مستقلة ومهمّة أخرى من وظائف الرسول صلّى ‌الله‌‌عليه ‌وسلّم، إشارةٌ إلى أنّ البلوغ إلى مراتب الكمال في التزكية والإصلاح الخلقي لا يمكن من غير التدريب في صُحبة مزكٍّ كامل وبدون تربيةِ مربِّ ماهر. لأجل هذا أرسل الله نبيه صلّى ‌الله‌ ‌عليه ‌وسلّم ليعلّم العباد ويزكّيهم. ومن هو الذي لا يعرف أنّ المعرفة وحدها لا تكفي في الإصلاح؟ وهذا هو دور الشيخ المربّي في السلوك، حيث يدرّب السالكين ويعوّدهم على صالح الأعمال ومحاسن الأخلاق المطلوبة والتي وردت علومُها في القرآن والسنّة. خلاصة الكلام أنّ الشيخ المربّي يجعل العلم والنظر عملاً محققا.
إذن لا بدّ من العلاقة بالمربين الكاملين الذين يزكّون النفوس ويربّون الرجال في ضوء تعاليم الكتاب والسنة نيابة عن الأنبياء عليهم ‌السلام.

سلسلتان للهداية والإصلاح؛ الكتب والرجال
جرت سنة الله سبحانه وتعالى أن يبعث لهداية البشر وإصلاحهم رجالاً ويُنزل كتباً، فلم يكتف بإنزال الكتب وحدها، كما لم يكتف بإرسال الرسل وحدهم، وذلك لأنّ الإنسان يحتاج إلى مربّ يُربّيه ويقوّم خلقه ويعوّده على الخير، فيعلم من هذا، أنّ التعليم الصحيح والتربية الرشيدة للإنسان بحاجة إلى شيئين هامّين؛ الأول إلى أصول إلهية وهدايات ربّانية هي كتاب الله أو القرآن الكريم، والثاني؛ معلّم ومربّ من نوع الإنسان يوجه الإنسان بهديه وعمله نحو مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.
أمّا الكتاب وحده فلا يكون مربياً ومعلماً وإنّما يساعد على التربية والتعليم، ولأجل هذا بدأ الإسلام بالكتاب والرسول، وكلّ منهما أدّى دوره في تكوين المجتمع المثالي، ثمّ جرت سنة الله سبحانه وتعالى بعد ذلك أن يُظهر في كل عصر رجالاً صالحين بجانب الشريعة الغرّاء، ليكونوا قدوة للناس في كلّ زمان، والقرآن الكريم أرشدنا إلى هذا في مواضع عديدة. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}. وقال في مقام آخر: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون}.
إنّ سورة الفاتحة هي خلاصة القرآن الكريم، وخلاصة الفاتحة هي الاهتداء بالصراط المستقيم، والصراط المستقيم هو صراط الذين أنعم الله عليهم، فلم يقل ربنا سبحانه وتعالى صراط القرآن أو صراط السنة، بل قال {صراط الذين أنعمت عليهم}، فدلّت الآية على رجال يُقتدى بهم ويُستفاد من هديهم، ثمّ أوضح الله تعالى في آية أخرى الرجال الذين أنعم عليهم، فقال عزّ من قائل: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا}.
وقد أوصى النبي صلّى ‌الله ‌‌عليه ‌وسلّم الأمّة بعده باقتداء رجال هداهم الله تعالى. أخرج الترمذي في سننه عن جابر بن عبد الله، قال: رأَيتُ رسولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي.
وقد أخرج الترمذي في مناقب أبي بكر، وعمر، وعبدالله بن مسعود، والإمامُ أحمد في مسنده: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ”.
وأخرج أبوداود في باب لزوم السنة والإمام أحمد في مسنده والترمذي في باب الأخذ بالسنة: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين”.
فجملة القول أنّ القرآن والسنة يسلّطان الضوء على هذه الحقيقة، بأنّه لا بّد في تربية الشعوب وإصلاحهم في جميع القرون والأعصار من أمرين؛ أحدهما عناية رجال الله الكاملين وتربيتهم، وثانيهما تعاليم الكتب السماوية، وإذا أمعنّا النظر في شأن العلوم الأخرى، وجدنا أنّ هذا لا يختص بالدين، بل لا بدّ للحصول على المهارة في أي فنّ من الفنون من رجال ماهرين، ومن كتب نافعة مفيدة؛ والذين لا يعترفون بهذه الحقيقة هم الذين يقعون في الإفراط والتفريط، فيفسدون بدل أن يصلحوا، ويخسرون بدل أن يربحوا، وهناك أناس يبتعدون عن كتاب الله ويتخذون العلماء والمشايخ أرباباً من دون الله، فيتبعون أهوائهم ولا يتبينون هل هولاء المشايخ يسيرون على درب الشريعة الغراء أم يقولون على الله ما لا يعلمون؟ وهذا هو كان داء اليهود والنصارى، حيث يقول عزّ من قائل: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}، وهو باب من أبواب الكفر والشرك، وقد هلك كثيرون سلكوا هذه السبيل، ويهلك آخرون يسلكون مسلكهم الباطل، ويتبعون منهجهم الفاسد، وهناك آخرون يقولون لا حاجة في إدراك الشريعة إلى العلماء والمشايخ والمربين، ولا شك أنّ هذا نوع آخر من الضلال يفضي إلى إتباع الهوى؛ لأنّ الحصول على أي علم وفنّ لا يمكن بدون المعلّم والأستاذ، وهذه هي الضلالات الّتي قد تخرج بالمرء من الدين المبين وتجعله ألعوبة الأهواء والشياطين. إذن يجب الاهتمام بالرجال اهتماما يليق بشأنهم كما يجب أن يهتمّ بالكتب من غير إفراط ولا تفريط في حق كل واحد منهما. والحق الذي لا مراء فيه أنّ الحكم ليس إلا لله الحق، والرسول أيضاً مكلّف بذلك وإليه يأمر ويهدي، وإنما يُطاع الرسول ويُتبع لأنّ الله أمر بإطاعته واتباعه، فإطاعة الرسول هي إطاعة الله وحده، وأمّا الرجال إنما يُستعان بهم في فهم الكتاب والسنة، ويُراجع إليهم لحلّ المشكلات العلمية والعملية، ويُستفاد من أقوالهم وأفعالهم، وهم هُداة إلى طريق السعادة والنجاة.

حجّية الحديث والسنة
يدلّ قوله تعالى {ويعلّمهم الكتاب والحكمة} على أنّ تعليم الرسول حجّة في فهم القرآن إذ لا يُمكن فهم القرآن الكريم والعمل به دون هذا التعليم النبوي. وإذا كان كذلك فلا بدّ من أن يكون تعليم الرسول محفوظاً إلى يوم القيامة كالقرآن الكريم الذي وعد الله بحفظه وبقاءه إلى الأبد إلّا أنّ مرتبة الحديث تأتي بعد القرآن في الحفظ والبقاء، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.
وتدلّ الآية على أنّ القرآن لا يزال محفوظاً ولا يستطيع أحد أن يبدّل كلمة أو حرفاً منه، أمّا السنّة وإن لم يُضمن حفظها إلى هذا الحدّ، لكنّ الله سبحانه وتعالى لقد قيّض رجالاً حفظوا السنة من الضياع، ودوّنوها في الكتب، وخلّصوها من الشوائب؛ قال النبي صلّى‌الله ‌‌عليه ‌وسلّم: {يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين}،
ولا شكّ أنّه لا يمكن فهم القرآن الكريم والعمل به من دون السنة، ولمّا كان القرآن موعوداً بصيانته من التحريف إلى يوم القيامة، يجب أن تكون السنة التي لابدّ منها للعمل على كتاب الله محفوظة مصونة أيضا، فالكتاب والسنة إذن كلاهما محفوظان إلى يوم القيامة.
وصرّح القرآن الكريم بحفظهما وصيانتهما، واهتمّ صحابة النبي صلّى ‌الله ‌‌عليه ‌وسلّم وأهل العلم في كلّ عصر بحفظ السنة على صاحبها الصلاة والسلام.
في ضوء ما قلنا يبطُل ما زعمه أهل الإلحاد والزندقة بأنّ السنة غير محفوظة، ومصادرها الموجودة غير موثوق بها؛ لأنّ في صورة عدم الثقة بمصادر السنّة لا يبقى مجال للثقة بالقرآن الكريم أيضا.

ضرورة التربية الأخلاقية بجانب التعليم:
جُعلت التزكية في الآيات المذكورة الوظيفة الثالثة من وظائف النبوة ومقاصد البعثة.
معنى التزكية هو التطهير من النّجاسات الظاهرة والأدناس الباطنه كالشرك والكفر والعقائد السيئة، والخصال السيئة مثل الكبر والحرص والطمع والبغضاء والحسد وحبّ المال والجاه وغيرها.
التعليم وحده لا يكفي للإصلاح، بل لابدّ من التربية العملية، وقوله تعالى: {ويزكيهم} إنما أفرد التزكية بالذكر وجعلها واجباً مستقلاً ووظيفة هامّة للنبي صلّى الله ‌‌عليه ‌وسلّم، ليؤكّد على أهمية التزكية، ويدلّ هذا التأكيد على أنّ التعليم وحده لا يكفي لإصلاح الخلق ما لم يكن بجانبه التربية العملية الصحيحة؛ وذلك لأنّ التعليم يدلّ على الطريق المستقيم وعلى الصراط السوي، ولكن معلوم لدى الجميع أنّ العلم بالطريق لا يكفي للوصول إلى الغاية والمقصد، ما لم يتحرّك المرء بهمّته وما لم يَسِر نحو الغاية.
لا ريب أنّ الهمّة والتوفيق والإرادة لا تحصل إلا بمصاحبة أهلها ومجالستهم واتباعهم، وإلا قد يكون المرء تضعف همته مع العلم بالطريق المستقيم. ونِعمَ ما قال الشاعر باللغة الأردية:
(جانتا هون ثواب طاعت و زهد **** پهر طبيعت ادهر نهين آتي).
إنّي أعلم باليقين أجر الطاعة والزهد، لكنّ الطبع لا يميل إليهما، ولا يتحرك نحوهما.
لقد ثبت بالتجربة أنّ التوفيق والهمّة لا ينشأن من قراءة كتاب أو فهمه، وإنّما السبيل إليهما مجالسة الصالحين ومصاحبتهم والتعلّم منهم والاستفادة من تزكيتهم وتربيتهم، وقد جعل القرآن الكريم التزكية من أهداف النبوة المستقلة، ولا شك أنّها من خصائص التربية الإسلامية.
إنّ جميع الشعوب والمذاهب الأخرى تهتمّ بالتعليم إلى حدّ كبير وتُلزم به أبنائها، أمّا الدين الإسلامي بالإضافة إلى التعليم الشامل لجميع شُعب الحياة، يؤكّد على تزكية النفوس وتطهير القلوب، بينما الشعوب الأخرى أهملت هذا الجانب الهامّ، واهتمّت بشهادات التخريج من الجامعات الراقية والمراكز التعليمية، وجعلها معيار الشخصية والكفاءة، فانتقصت أهمية القيم الخلقية، فخسر الإنسان المثل العليا وفقد القيمة والوزن، ولأجل هذا جعل الإسلام التزكية من أهمّ مقوّمات التربية الإسلامية بل والهدف الأسمى للتعليم؛ فالسعداء الذين ترعرعوا في ظل التعليم النبوي، تزكّت نفوسهم وحسُن خلقهم، والصحابة الذين ربّاهم النبي صلى الله عليه وسلم صاروا جامعين بين العلم والعمل، فوصلوا إلى قمّة العلم والحكمة، بحيث فاقوا الفلاسفة والعقلاء، كما وصلوا إلى أعلى درجات الإيمان بالله والتوكّل عليه وطهارة النفوس، وقد أثنى عليهم ربّهم في كتابه الكريم، فقال عزّ من قائل:
{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا}.
ومن ثَمّ تراهم حيثما توجهوا استقبلهم النصر والفتح، وكان الله معهم في كلّ موقف، وإنّ أعمالهم وانتصاراتهم حيّرت العقول ولم يسمع بها شعب إلا وأعجب بها وتأثّر بها، وكل ذلك كانت ثمرة طيبة للتعليم والتزكية. ومما يؤسف أنّ كثيراً ممّن يتولّون أمر التعليم في زماننا، يبذلون قصارى جهودهم في وضع المناهج والمقررات الدراسية وتعديلها ولا يلتفتون إلى هذا الجانب الهامّ الذي هو روح التعليم، ألا وهي التزكية، فلا يهتمّون بإختيار المعلمين الذين صلحت أخلاقهم وتزكت نفوسهم، فلا ترى هذه المناهج الراهنة ناجحة في تكوين الرجال وتربية الأبناء. فالحق الذي لا مراء فيه أنّ التلميذ صورة صادقة وتمثال كامل لمعلّمه، يستنّ به في سلوكه وأعماله وأفكاره، وينظر بمنظاره إلى الحياة؛ ومما لا ريب فيه أنّ أخلاق الأساتذة والمعلمين وسلوكهم تؤثر في تلاميذهم أكثر من المناهج، إذن يجب أن نهتمّ في اختيار الرجال المربين أكثر من اهتمامنا بالمناهج والكتب.
لقد سلّطنا الضوء على وظائف النبي الثلاثة، فالآن يجدر بنا أن ننظر ‌إلى أي مدى وُفّق النبي صلى الله عليه وسلم لإنجاز ما فُوّض إليه وأُلقى على كاهله؛ فإذا عمّقنا النظر إلى البيئة التي كوّنها النبي صلى الله عليه وسلم، رأينا آلاف حافظ لكتاب الله في الجزيرة العربية قد تعلموا القرآن وحفظوه وأكثروا من تلاوته، فكانوا يختمونه إمّا في كل يوم وإمّا في ثلاثة أيام في مجال التلاوة، أمّا في مجال تعليم الكتاب والحكمة، فكانت حاله مصداق هذا الشعر الفارسي:
يتيمي كه ناكرده قرآن درست كتب‌خانة چند ملت بشست
[ترجمة الشعر]
اليتيم الأمّي حين نزل الوحي به نسخ كلّ دين وكل ما سطر في كتابه
(بوستان لشاعر الإنسانية).
لقد تضاءلت العلوم والفلسفات أمام القرآن الكريم وحقائقه العملية، وصارت الصحائف المحرّفة كالأساطير، وأقبلت الناس على القرآن وحِكَمه وأصوله، وجعلوه معيار الشرف والعز. وأمّا بالنسبة إلى التزكية فقد قام بها النبي صلى الله عليه وسلم أحسن قيام حيث أصبح الذين زكّاهم النبي صلى الله عليه وسلم، معلّمي الناس؛ فكأنّ المرضى تحسّنوا وصاروا أطباء الآخرين، وكأنّ قطّاع الطرق أصبحوا هداة للناس، وعبّاد الأوثان صاروا قادة للشعوب، وحلّ الإيثار محلّ الأثرة، والرفق مكان العنف، والحلم مكان الغضب، والسلم مكان الحرب، وأصبح الذين ينهبون أموال الناس حرّاساً لها، وهكذا استجاب الله دعوة خليله، فبعث في دينه رسولاً يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فنجح في أداء مهمّته، ثم خلفه أصحابه بعده، وانتشروا في البلاد يبلغون رسالات الله نيابة عن نبيهم، فهدى الله بهم العباد والبلاد، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه بعدد من صلّى‌ وصام وقعد وقام.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات