اليوم : 9 أكتوبر , 2016

والي الخليفة يقترض!!

والي الخليفة يقترض!!

ذكر ابن الأثير وغيره من المؤرخين أن خلافا حدث بين سعد بن أبي وقاص وبين عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، وكان ابن مسعود على بيت المال في الكوفة، فاقترض منه سعد -وهو والي الكوفة- شيئا من الأموال إلى أجل، فجاء الأجل ولم يكن عند سعد رضي الله عنه ما يسدّ به ذلك القرض، فجاءه ابن مسعود يطالبه بتسديد ذلك القرض فاشتدّا في الكلام…
فلم تشفع لدى أمين بيت المال عبد الله بن مسعود مكانةُ سعد ذلك الصحابي المبشّر بالجنة الذي كان يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: "هذا خالي، فليرني امرؤ خاله"، والذي دعا له النبي قائلا: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك"، والذي قيل فيه لم يجمع رسول الله أباه وأمّه لأحد غير سعد بن أبي وقاص حيث قال يوم أحد: "ارم يا سعد فداك أبي وأمي".
ثم قرر الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه عزل سعد وإبقاء ابن مسعود بعد هذا الخلاف، فكانت عقوبة سعد العزل وعقوبة ابن مسعود الإقرار في العمل كما يقول الطبري.. والله أعلم.
المؤرخون الذين ذكروا القصة، ذكروا أيضا أنه لم يتيسر لسعد تسديد الدين، ولم يذكروا أنه امتنع من التسديد أو أنكر ذلك، والقرض في حياة الولاة والحكّام شهادة على ورعهم في الأموال العامّة، وليس طعنا ولا قدحا.
إنّ هذه القصة من أولها إلى آخرها وعزل سعد بن أبي وقاص شهادة أخرى على عدالة الصحابة وتورعهم في الأموال العامّة، وعلى اهتمام الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه بولاته ومحاسبتهم، خلافا لما يتهم بأنه لم يكن يهتم بأعمال ولاته..
إن اقتراض سعد، والي الخليفة الراشد لحاجته، وإصرار عبد الله بن مسعود واجتهاده في استرداد القرض، يدلّ على تورّع كلا الصحابيين الجليلين في الأموال العامّة.
يبدو أنّ هذا التورع في الأموال العامّة كان خاصا بذلك المجتمع المثالي الذي شُهد لهم بالعدالة والتقوى في كتاب الله وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمّا نحن في عصرنا فنشهد رؤساء ووزراء لا يقترضون من بيت المال لحاجاتهم، بل يبتلعون بيت المال، وأموال الطبقة الضعيفة من المجتمع معه بغير حساب ولا كتاب، هم وأولادهم وأحفادهم وعشيرتهم، من غير أن يشتدّ عليهم أحد، ومن غير أن يحاسبهم أحد…
رضي الله عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان.

تعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات