اليوم : 3 مارس , 2009

الإمام عبدالقادر الجيلاني (471 – 561 ه = 1078 – 1166 م)

الإمام عبدالقادر الجيلاني (471 – 561 ه = 1078 – 1166 م)

Image
الشيخ عبد القادر ونحوه من أعظم مشائخ زمانهم أمراً بالتزام الشرع ، والأمر والنهي ، وتقديمه على الذوق والقدر ، ومن أعظم المشائخ أمراً بترك الهوى والإرادة النفسية. فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف : مثل الفضيل بن عياض ، وإبراهيم بن أدهم ، وأبي سليمان الداراني ، ومعروف الكرخي ، والسري السقطي ، والجنيد بن محمد ، وغيرهم من المتقدمين ومثل الشيخ عبد القادر ، والشيخ حماد ، والشيخ أبي البيان وغيرهم من المتأخرين ، فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهوى أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين بل عليه أن يفعل المأمور ، ويدع المحظور إلى أن يموت ، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف ، وهذا كثير في كلامهم .

 

**************************************

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، أما بعد:

 من هو الشيخ عبدالقادر الجيلاني؟!
الشَّيخ عبد القادر أَبو مُحمَّد بنُ عبدِ اللهِ الجِيلِيُّ .
الشيخ، الإِمام، العالم، الزاهد، العارف، القدوة، شيخُ الإِسلام، عَلَمُ الأَولياءِ، مُحيي الدِّين، أَبو محمد عبد القادر ابن أَبي صالح عبد الله بن جنكي دوست الجِيلِيُّ، الحَنبَليُّ، شيخ بغداد.

نبذة عن مسقط رأسه (گیلان):
تقع محافظة جيلان ( گیلان) في الشمال الإيراني حيث الطبيعة الخلابة والمناظر الرائعة …
جبال خضراء .. وبساط أخضر ساحر .. وأنهار وبحار .. وغابات كثيفة ..
 وهي نقطة الاتصال بروسيا وأوربا منذ القدم …
ويبلغ عدد سكانها مليوني نسمة .. وتبعد عن طهران 380 كم.
ومركزها مدينة رشت، وتبلغ مساحة المحافظة 14711 كيلومتر مربع.
وتوجد في جنوب المحافظة أجزاء من سلسلة جبال ألبرز تفصل المحافظة عن محافظة قزوين. ويحد هذه المحافظة من الشمال بحر قزوين و جمهورية أذربيجان و من الغرب محافظة أردبيل ومن الجنوب محافظتي قزوين و زنجان.

مدن محافظة گيلان:
رشت ، آستارا ، آستانه اشرفيه ، أملش ، بندرأنزلي ، رضوانشهر ، رودبار ، رودسر ، سياهكل ، شفت ، صومعه سرا ، طوالش ، فومن ،لاهيجان ، لنگرود ، ماسال .

من النصوص القديمة:
في معجم البلدان لياقوت الحموي:
جيلاَنُ: اسم لبلاد كثيرة من وراءِ بلاد طبرستان، وليس في جيلان مدينة كبيرة إنما هي قرى في مروج بين جبال.
ينسب إليها جيلاني وجيليٌ, والعجم يقولون كيلان.
وقد نسب إليها من لايُحصى من أهل العلم في كل فن وعلى الخصوص في الفقه.
وجيلان مدينة قديمة جدا , نجد ذكرها في أشعار شعراء قبل الإسلام. قال امرؤالقيس:

أطافت به جَيلانُ عند قطافه … وردت عليه الماءَ حتى تحيرا

وهو يشير إلى قوم من أبناءِ فارس نزلوا بطرف من البحرين وأقاموا هناك فنزل عليهم قوم من بني عِجل فدخلها فيهم.
فُتِحَ جيلان بعد معركة نهاوند بقيادة حذيفة بن اليمان رضي الله عنه .
وأعاد فتحها سعيد بن العاص, فقد ذكر البلاذري أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كانا في جيش سعيد بن العاص عندما غزا طبرستان وجيلان .
وانساح المسلمون في بلاد الفرس, واستشهد كثير منهم أيضا, وتزوج كثير منهم من نساء الفرس, وكان هذا من أسباب دخول الفرس في دين الإسلام زرافات ووحدانا, وامتزج العرب بالفرس وانتشرت اللغة العربية في البلاد المفتوحة, ولا تزال قبور بعض الأعلام شاهدة حتى الآن على دخول العرب في تلك البلاد وتحريرها من السلطة الغاشمة (دولة آل ساسان) . ولعل أبرزها قبر قثم بن عباس , وحذيفة بن اليمان , وسلمان الفارسي رضي الله عنهم, وغيرهم كثير.
فسكن الصحابة فيها وتوفوا فيها, ليس في إيران وحدها بل وفي باكستان والهند وأفغانستان وغيرها من البلاد التي فتحها المسلمون. لذلك لا ينبغي لنا أن نستغرب وجود عائلات في تلك البلاد , أصولها عربية , وإن كانوا الآن يتكلمون البلوشية أو الفارسية …. ولا يعرفون من اللغة العربية شيئا.

مولده:
ولد الشيخ عبدالقادر رحمه الله في مدينة صغيرة اسمها نيف في إقليم جيلان , ويبدو أن الشيخ عبدالقادر رحمه الله تعالى كان آخر أولاد أبويه , لأنه عاش يتيما, فقد توفي أبوه بعد ولادته بقليل لذلك عاش في كنف جده لأمه السيد عبدالله الصومعي الزاهد العابد.
كانت أمه صالحة تقية سليلة أئمة أطهار , وتربّى في كنف أمّه التقية, فنشأ عابدا صالحا تقيا, زاهدا في الدنيا , مقبلا على الأخرى, طموحا إلى معرفة أصول الشريعة وفروعها.

رحلاته: 
وانتقل إلى بغداد حاضرة الدنيا في ذلك الزمان, سنة 488 ه ق.
ودّعت الأم الحنون ابنها الشاب للسفر, وهي تعلم علم اليقين أنّه فراق الأبد, ولكن هذه إرادة ابنها فليكن ما يريد , ومن فوقها إرادة الله سبحانه وتعالى ولا رادّ لمشيئته, ولعل في ذلك حكمة ستظهر بعد حين .
وكان مع أم الشيخ ثمانون دينارا خلّفها أبوه , هي كلّ ما تملك من حطام الدنيا فأرادت أن تعطيها جميعها للشيخ الشاب ليستعين بها في سفره وغربته في بغداد, ولكنه أبى أن يأخذ إلا نصفها أي أربعين دينارا, فوضعتها أمّه في كيس صغير و ثبّتت الكيس في فتحة كمّه من ناحية إبطه ليكون بعيدا عن أعين اللصوص والنشالين . وأوصتْه أمّه حينما ودَّعته: يا بنيَّ إياك أن تكذب فإن المؤمن لا يكذب , يا بنيّ كن صادقا أبدا…
وفي الطريق فوجئت القافلة بعصابة من اللصوص على خيولهم السريعة أحاطوا بالقافلة من جميع الجهات, و بدأ اللصوص يفتّشون أفراد القافلة فردا فردا, وجلس الشيخ ينتظر دوره في التفتيش , ومرّ عليه أحد اللصوص فرآه فتى, هيئته متواضعة يرتدي ثيابا بسيطة لا تدلّ على ثروة أو جاه , فأراد أن يمرّ به مرّ الكرام ويتجاوزه إلى غيره, ولكنَّه ألقى عليه السؤال الذي كان يلقيه على الآخرين , وهو يسير إلى غيره , قال: هل معك شيء ؟
أجابه الشيخ: نعم معي أربعون دينارا.
تحيَّر اللّص ولم يصدق أذنيه, فأعاد السؤال فأتاه الجواب نفسه: نعم معي أربعون دينارا, فتعجب من ذلك وساقه إلى رئيس العصابة .
سأله الرئيس عن ذلك فقال الشيخ عبدالقادر : إن معي أربعون دينارا.
فقال : أين هي؟
فأخرجها من تحت إبطه وسلّمها إليه.
فتعجّب الرجل , وعدّها فوجدها أربعين دينارا, فقال للشيخ:
ما الذي دفعك إلى الاعتراف بها وهي مخبأة ؟
قال: إنّ أمّي أوصتني أن أصدق دائما وأن لا أكذب أبدا.
فتأثرالرجل تأثرا كبيرا بما سمع ودمعت عيناه, وهو الذي لم يعرف البكاء في حياته, فالتفت إليه وقال:
أنت توصيك أمّك فتحتفظ  وصيَّتها ولو كان في ذلك ذهاب كل ما تملك , ونحن مضى علينا كذا وكذا سنة نقطع الطريق وننهب الأموال… اشهد يا بني إنّي قد تبتُ من الآن عن كل ذلك. وتاب معه جميع اللصوص وردّوا الأموال إلى أهلها, وسارت القافلة بعد ذلك آمنة مطمئنّة بحمايتهم إلى أن وصلت بغداد.
وهذه من أعظم كرامات الشيخ إذ فتح قلوبا غلفا وأحيا نفوسا ميتة, ورفع البلاء عن أمة الإسلام ومكّن للإيمان في قلوب بعض أبنائها, والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن تكون لك حمر النعم".

شيوخه وأساتذته:

قرأ العلوم السائدة  في عصره على أساتذتها والمبرزين فيها , وأتقنها ومهر فيها , ومن شيوخه: أبوالوفاء ابن عقيل, ومحمد بن الحسن الباقلانيّ ، وأَحمد بن المظفَر بن سوس، وأَبو القاسم بن بيان، وجعفر بن أَحمدَ السَّرَّاجِ، وأَبو سَعدٍ بن خُشَيشٍ، وأَبو طالبٍ اليوسُفيِّ، والقاضي أبو سعد المبارك بن علي المخرميّ, وطائفة.

تلاميذه:
درّس الشيخ 33سنة وتخرج على يديه نحو مائة ألف تلميذ.
أشهرهم : عمر بن عليٍ القُرَشِيُّ، والحافظ عبد الغنيِ، والشيخ موفَّقُ الدِّين بن قُدَامَةَ، والسَّمعانيُّ، وعبد الرزَاق ، والشيخ علي بن إِدريس، وأَحمد بن مطيع الباجِسرَائِيُّ، وأَكمَلُ بن مسعود الهاشميُّ، وأَبو طالب عبد اللطيف بن محمد بن القُبَّيْطِيِّ…
وروى عنه بالإجازة : الرشيد أَحمدُ بن مَسلَمةَ.
وكان يحضر مجالسه في بعض الأحيان الخليفة والملوك والوزراء فيجلسون متأدبين . أما العلماء والفقهاء فلا يأتي عليهم حصر.

ابتلاءه في بغداد:
سأل رجل الإمام الشافعي فقال: يا أبا عبدالله , أيّما أفضل للرجل , أن يمكَّن له , أو يُبتلى؟
فقال الشافعي رحمه الله: لا يمكّن للرجل حتى يبتلى…
دخل الشيخ عبدالقادر رحمه الله بغداد سنة 488. ومعه أربعون دينارا, وماذا يفعل بهذه الدنانير في بغداد؟! وبغداد كانت حاضرة الدنيا في ذلك الزمان , وهذا يعني الغلاء وارتفاع الأسعار.

قال الشاعر:

بغداد دار مشرقة               تضيق  فيها   النفقة
قارون لو حل بها              جازت عليه الصدقة

 فسرعان ما نفدت الدنانير واضطرّ الشيخ أن يعمل ليعيش, فكان يأكل من عمل يده. وماذا يعمل وهو لا يحسن سوى الفلاحة والزراعة , وهي ليس لها سوق في بغداد, لذلك فليس أمامه سوى حمل الأثقال وخدمة الناس ليكسب قوت يومه, وذاق الجوع والحرمان, حتى كان يقتات أحيانا بخرنوب الشوك وورق الخس الذي ينبت بجانب النهر , وما كان يمدّ يده إلى أحد أو يسأل أحدا.
وهو يحكي قصة معاناته في بغداد:
بلغتْ بِي الضَّائِقَةُ في الغلاء إِلى أَن بقِيتُ أَيَّاماً لا آكلُ طعاماً، بل أَتَّبَّعُ المنبوذات، فخرجتُ يوماً إِلى الشَّط، فوجدتُ قد سبقني الفقراءُ، فضعُفتُ وعجزتُ عن التَّماسك، فدخلتُ مسجدا، وقعدتُ، وكدتُ أُصافحُ الموتَ، ودخل شابٌّ أَعجميٌّ ومعه خُبزٌ وشِوَاءٌ، وجلسَ يَأْكُلُ، فكُنتُ أَكادُ كُلَّما رفع لُقمةً أَن أَفتحَ فَمِي، فَالتَفَتَ فَرَآنِي، فقال: باسمِ الله.
فَأَبَيتُ، فَأَقسم عَليَّ، فَأَكلتُ مُقصِّراً، وأَخذ يَسأَلني: ما شُغلكَ؟ ومن أَينَ أَنتَ؟
فقلتُ: متفقّهٌ مِن جيلان.
قال: وأَنا من جيلان، فهل تعرف لي شابّاً جيلانيّاً اسمه عبد القادر، يُعرفُ بسبط أَبي عبد الله الصَّومعيِّ الزَّاهد؟
فقلْتُ: أَنا هو.
فاضطربَ لذلك، وتغيَّرَ وجهُهُ، وقال: والله يا أَخي! لقد وصلتُ إِلى بغداد، ومعي بقيَّةُ نَفَقَةٍ لي، فسأَلتُ عنك، فلم يُرشدنِي أَحدٌ إِلى أَن نفذت نفقتي، وبقيتُ بعدها ثلاثة أَيَّامٍ لا أَجد ثمن قوتي إِلاَّ من مالك، فلمَّا كان هذا اليوم الرَّابع، قلتُ: قد تجاوزتْني ثلاثُ أَيَّام، وحلَّتْ لي الميتةُ، فأَخذتُ مِن ودِيعَتِكَ ثمنَ هذا الخبزِ والشِّواءِ، فُكُلْ طَيِّباً، فَإِنَّما هو لك، وأَنا ضَيفُكَ الآن.
فقلتُ: وما ذاك؟
قال: أُمُّكَ وَجَّهَتْ معي ثمانية دنانيرَ، والله ما خنتُكَ فِيها إِلى اليوم.
فسكَّنْتُهُ، وطَيَّبْتُ نفسَهُ، ودفعتُ إِليهِ شَيئاً منها.
ولحِقَنِي الجُنُونُ مرَّةً، وحُمِلتُ إِلى المارستان، فطَرقَتْنِي الأَحوالُ حَتَّى حسِبُوا أَنِّي مُتُّ، وجاؤُوا بالكفن، وجعلوني على المغتَسَل، ثمَّ سُرِّيَ عنِّي، وقُمتُ، ثُمَّ وقع في نفسي أَن أَخرج من بغداد لكثرة الفتَن، فخرجتُ إِلى باب الحلَبةِ، فقال لي قائلٌ: إِلى أَين تَمشي؟
ودفعني دفعةً خررتُ منها، وقال: ارجِعْ، فَإِنَّ للنَّاس فيك منفعةً.
قلتُ: أُرِيدُ سلامة ديني.
قال: لك ذاكَ.
ولَم أَر شَخصَه، ثمَّ بعد ذلك طرقتْني الأَحوال، فكنتُ أَتمنَّى مَن يكشفُها لي، فاجتزتُ بِالظَّفريَّة، ففتح رجل دارَه، وقال: يا عبد القادر، أَيشٍ طلبتَ البَارحة؟
فنسيتُ، فسكتّ، فاغتاظَ، ودفع الباب في وجهي دفعةً عظيمةً، فلمّا مشيتُ ذكرتُ، فرجعتُ أَطلبُ الباب، فلم أَجده.
قال: وكان حمَّاداً الدَّبَّاسَ، ثُمّ عرفتُه بعد، وكشفَ لي جميع ما كان يُشكِلُ عليَّ، وكنتُ إِذا غبتُ عَنهُ لطلب العلمِ، وجِئتُ يقول: أَيشٍ جاء بك إِلينا؟ أَنت فقِيهٌ، مُرَّ إِلى الفقهاء، وأَنا أَسكتُ.
فلمّا كان يوم جُمُعةٍ، خَرجتُ مع الجماعةِ في شدَّة البرد، فدفعنِي أَلقَانِي فِي الماء، فقلتُ: غُسلُ الجُمُعَةِ، بِاسمِ اللهِ.
وكان عليَّ جُبَّةٌ صُوف، وفي كُمِّي أَجزاءٌ، فرفعتُ كُمِّي لِئَلاَّ تَهلِكَ الأَجزَاءُ، وخلَّونِي ومشوا، فعصَرتُ الجُبَّةَ وتبعتُهُم، وتأَذَّيتُ بالبرد كثيراً، وكان الشَّيخُ يُؤذيني ويضربُني، وإِذا جِئتُ يقول: جاءنا اليومَ الخُبزُ الكثير والفالوذج، وأَكلنا وما خَبَّأْنا لك وحشةً عليكَ.
فطمِعَ فِيَّ أَصحابُه، وقالوا: أَنتَ فقِيهٌ، أَيش تعمل معنا؟
فلمّا رآهم يُؤذونني، غار لي، وقال: يا كلابُ! لمَ تُؤْذونهُ؟ والله ما فيكم مثله، وإِنّما أُوذيه لأَمتحنه فأَراه جبلاً لا يتحرَّك.

صفَتُه و خلقه :

كان نحيف البدن , ربع القامة يميل إلى الطول , تبدوا عليه أمارات النبل والاستقامة, عريضة الجبهة , أسمر, ذا صوت جهوري..
أما صفاته الخُلُقية: فكان رحمه الله مجاب الدعوة , سريع الدمعة , دائم الذكر, كثير الفكر, رقيق القلب, دائم البشر, كريم النفس , سخيّ اليد, غزير العلم, شريف الأخلاق…
متَّصفا بالصدق والكرم والإيثار, والصبر, والحِلم, بالإضافة إلى التقوى والورع…
قال الشاعر الأديب سعدي الشيرازي : رأيتُ عبدالقادر الكيلاني قدّس سره في حرم الكعبة , واضعا رأسه على الحصا وهو يقول: إلهي , اعف عني , وإن كنتُ مستوجبا العقوبة فاحشرني يومَ القيامة أعمَى حتى لا أذوبَ خجلا من رؤية وجوه الصالحين.

ثم قال الشاعر:
أعفر   وجهي   كلّما   هبّت   الصبا
على الترب كي ترضى لعجزي وتقصيري
فيا  شاغلا  قلبي  بذكراك  يا  ترى
أعندك   لي   ذكرى   تديم   سروري

قال صاحب (مِرآة الزَّمان): كان سكوت الشَّيخ عَبد القادر أَكثَرَ مِن كلامه، وكان يَتَكَلَّم عَلَى الخوَاطر، وَظهر لَهُ صيت عَظِيم وقبول تامّ، وما كان يَخرُج مِن مدرسته إِلاَّ يومَ الجُمُعَةِ أَو إِلَى الرباط ، وتاب على يَده مُعظَم أَهل بغداد، وأَسلَم خلق، وكان يصدع بِالحقِّ على المنبرِ، وكان لهُ كرامات ظاهرة.

عقيدته:
عقيدة الشيخ عبدالقادر رحمه الله تعالى هي الاتباع بدون ابتداع, والتقيد بالكتاب والسنة في كل حال.
وكان يقول لأصحابه: اتبعوا ولا تبتدعوا, وأطيعوا ولا تخالفوا , واصبروا ولا تجزعوا, وانتظروا ولا تيأسوا.
ويقول: يا غلام , صحبتك للأشرار توقعك في سوء الظن بالأخيار, امش تحت كلّ كتاب الله عزّوجل وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم وقد أفلحت.
كان الشيخ موحّدا مخلصا في أقواله وأفعاله كلها,وكان يقول : وحّدوا الحق عزوجل وعن بابه فلا تبرحوا, سلوه ولا تسألوا غيره, توكّلوا عليه ولا تتوكلوا على غيره.
وقال لولده عند مرضِ موته:
" لا تخف أحداً ولا ترجه ، وأوكل الحوائج كلها إلى الله ، واطلبها منه ، ولا تثق بأحدٍ سوى الله عز وجل ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه ، التوحيد ، وجماع الكل التوحيد"
وكان رحمه الله يفتي على مذهب الإمامين الجليلين الشافعي وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى.

كراماته:
الكرامة هي كلّ أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوَّة يظهره الله تعالى على أيدي أوليائه.
والكرامة فعل الله تعالى ، وليست فعلاً لمن وقعت لهُ ، ومن أحسنِ مناقبِ عبدالقادر أن إبليس تراءى لهُ في غمامة فقال: أنا ربك وقد أبحت لك المحارم،فقال لهُ: اخسأ أنت إبليس ، إن الله لا يأمر بالفحشــاء .
يقول الشَّيخ عبد العزِيز بن عبد السَّلاَم الفَقِيه الشَّافِعِيّ: ما نُقِلَت إِلَينا كراماتُ أَحدٍ بالتَّواتر إِلاَّ الشَّيخ عبد القادر.

يقول أَبو محمّد بن الخَشَّاب النَّحويّ:
كُنتُ وأَنا شابّ أَقرأُ النَّحو، وأَسمع النَّاس يصفون حسن كلام الشَّيخ عبد القادر، فكنت أُريد أَن أَسمعه ولا يَتَّسع وقتي، فاتَّفق أَنِّي حضرت يَوماً مجلسه، فلمَّا تكلَّم لم أَستحسن كلامه، ولم أَفهمه، وقلتُ في نفسي: ضاع اليوم منِّي.
فَالتفتَ إِلى ناحيتي، وقال: ويلك! تُفضِّلُ النَّحو على مجالس الذكر، وتختارُ ذلك؟! اصحَبْنَا نُصَيِّركَ سِيبَوَيه.
قال أَبُو البَقَاء العُكبَرِيُّ: سَمِعتُ يحيى بنَ نَجاحٍ الأَدِيبَ يقول:
قلتُ في نفسي: أُريدُ أن أُحصيَ كم يقصُّ الشَّيخ عبد القادر شعرَ تَائبٍ؟
فحضرتُ المجلس ومعي خَيطٌ، فلمّا قصَّ شعراً، عقدتُ عُقدةً تحت ثيابي من الخيطِ، وأَنا في آخر النَّاس ، وإِذا بهِ يقول: أَنا أَحلُّ وأَنتَ تَعقدُ؟!
قال ابنُ النَّجَّارِ: سمِعتُ شيخَ الصُّوفيَّة عمر بنَ مُحمّدٍ السُّهْرَوَرْدِيَّ يقول:
كنتُ أَتفقَّهُ في صِبَاي، فخطر لي أَن أَقرأَ شيئاً مِن علمِ الكلامِ، وعزمتُ على ذلك من غير أَن أَتكلَّمَ به، فصَلَّيتُ مع عمِّي أَبِي النَّجِيب، فحضر عنده الشَّيخ عَبد القادر مسلِّماً، فسأَله عمِّي الدُّعاء لي، وذكر له أَنِّي مُشتغِلٌ بالفقه، وقُمتُ فقبَّلتُ يده، فأَخذ يدي، فقال: تُبْ ممَّا عزمتَ عليه من الاشتغال به، فإِنَّك تفلح.
ثُمَّ سكتَ، ولم يتَغَيَّر عزمي عَن الاشتغال بالكلام حتَّى شُوِّشَتْ عليَّ جميع أَحوالي، وتكدَّر وقتي، فعلمتُ أَنَّ ذلك بمخالفة الشَّيخِ.
قال أَحمد بنُ ظفر بن هُبَيْرَةَ: سأَلت جدِّي أَن أَزور الشَّيخ عبد القادر، فأَعطاني مبلغاً من الذَّهَبِ لأُعطيه، فلمَّا نزل على المِنبَرِ، سلمت عليه، وتحرجتُ من دفع الذَّهَب إِليه في ذلك الجمع، فقال: هَات ما معك ولا عليك من النَّاس، وسلِّم على الوزِير.

يقول الشيخ أَبو بكر العماد -رحمه الله-:
كنت قرأْتُ في أُصول الدِّين، فأَوقع عندي شكّاً، فقلتُ: حتّى أَمضي إلى مجلس الشيخِ عبد القادر، فقد ذُكِرَ أَنه يتكلّم على الخواطر.
فمضيتُ وهو يتكلم، فقال: اعتقادنا اعتقاد السَّلَفِ الصَّالح والصحابة.
فقلتُ في نفسي: هذا قاله اتِّفاقاً.
فتكلَّم، ثم التفت إِلى ناحيتي فأعاده، فقلتُ: الواعظ قد يلتفتُ.
فالتفت إِليَّ ثالثة، وقال: يا أَبا بكر، فأعاد القول، ثمَّ قال: قُم قد جاء أَبوك.
وكان غائباً، فقمتُ مبادراً، وإِذا أَبي قد جاء.
يقول شهاب الدِّين السُّهرورديّ:
عزمتُ على الاشتغال بأُصول الدِّين، فقلتُ في نفسي: أَستشيرُ الشّيخ عبد القادر.
فأتيتُه، فقال قبل أَن أَنطقَ: يا عمر، ما هو من عُدَّةِ القَبرِ، يا عمر، ما هو من عُدَّةِ القَبر.
قال الإمام الذهبي رحمه الله : ليس في كِبَار المشايخ مَن له أَحوالٌ وكراماتٌ أَكثر من الشَّيخ عبد القادر، لكن كثيراً مِنها لا يصحُّ، وفي بعض ذلك أَشياءُ مُستحيلة.

علومه:
قال ابنُ النَّجَّار في (تاريخه): دخلَ الشَّيخ عبد القادر بغداد في سنةِ ثمانٍ وثمانينَ وأَربعِ مائَةٍ، فَتفقَّه على: ابن عقِيلٍ، وأَبي الخطَّاب، والمُخَرِّمِيِّ، وأَبي الحُسين بن الفرَّاء، حتَّى أَحكَم الأُصُولَ والفروع والخلاف، وسمِع الحَدِيث، وقرأَ الأَدبَ على أَبي زكريَّا التِّبريزيِّ، واشتغلَ بالوعظ إِلى أَن برَّزَ فيه، ثمَّ لازم الخلوة والرِّياضة والمجاهدة والسِّياحة والمقام في الخراب والصَّحراء، وصَحِبَ الدَّبَّاسَ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ أَظَهرَهُ لِلخلق، وأَوقع له القبولَ العَظِيمَ، فَعَقَدَ مَجلِسَ الوعظِ فِي سنةِ إِحدَى وعشرِين، وأَظهرَ اللهُ الحِكْمَةَ عَلَى لِسَانِهِ، ثُمَّ دَرَّسَ، وَأَفتَى….

من أقواله:
قال: فَتَّشتُ الأَعمالَ كُلَّهَا، فما وجدتُ فِيها أَفضل من إِطعام الطّعام، أَودُّ لو أَنَّ الدُّنيا بِيَدي فَأُطعمها الجياع، كفّي مثقوبةٌ لا تضبط شيئاً، لو جاءني أَلفُ دينار لم أُبَيِّتها.
وقال : أَتَمَنَّى أَن أَكُونَ في الصَّحَارَى والبَرَاري كما كنتُ في الأَوّل، لا أَرى الخَلق ولا يروني.
ثُمَّ قال: أَرادَ اللهُ منِّي منفعة الخلقِ، فَقد أَسلم على يديَّ أَكثر من خمس مائَةٍ، وتاب على يديَّ أَكثرُ من مائَة أَلْفٍ، وهذا خير كثيرٌ، وتردُ عليَّ الأَثقال الَّتي لو وُضِعَتْ عَلى الجِبَال تفَسَّخَتْ، فَأَضعُ جنبي على الأَرض, وأَقُولُ: إِنَّ مَع العُسرِ يُسراً، إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسراً، ثُمَّ أَرفعُ رأْسي وقد انفرَجَتْ عنِّي.
وقال: إِذا وُلِدَ لِي ولدٌ أَخذتُهُ عَلى يدِي، وأَقُولُ هذا مَيِّتٌ، فأُخرِجُهُ مِن قَلبِي، فَإِذا مَات لم يُؤثِّر عندي موتُهُ شيئاً.
قال الجُبَّائِيّ: كان الشّيخ عبد القادر يقول: الخَلْقُ حِجَابُكَ عَنْ نَفْسِكَ، وَنَفْسُكَ حِجَابُكَ عَنْ رَبِّكَ.

من أشهر كتبه:
صنف الشيخ رضي الله عنة مصنفات كثيرة في الأصول والفروع منها:

    * إغاثة العارفين وغاية منى الواصلين :
    * آداب السلوك والتوصل إلى منازل السلوك :
    * تحفة المتقين وسبيل العارفين :
    * جلاء الخاطر في الباطن والظاهر :
    * الحزب الكبير :
    * دعاء البسملة :
    * الغُنية لطالبي طريق الحق : وهو من أشهر كتب الشيخ في الأخلاق والآداب الإسلامية وهو جزءان .
    * الفتح الرباني والفيض الرحماني: وهو من كتب الشيخ المشهورة وهو عبارة عن مجالس للشيوخ في الوعظ والإرشاد .
    * فتوح الغيب : وهو عبارة عن مقالات للشيخ في العقائد والإرشاد ويتألف 78مقالة.
    * معراج لطيف المعاني :
    * يواقيت الحكم :
    * سر الأسرار في التصوف : وهو كتاب معروف وتوجد نسخة منه في المكتبة القادرية ببغداد وفي مكتبة جامعة اسطنبول .
    * الطريق إلى الله.
    * رسائل الشيخ عبد القادر : 15 رسالة بالفارسية يوجد نسخة في مكتبة جامعة اسطنبول.
    * حزب عبد القادر الجيلاني : مخطوط توجد نسخة منه في مكتبة الأوقاف ببغداد.
    * تنبيه الغبي إلى رؤية النبي : نسخة مخطوطة بمكتبة الفاتيكان بروما .
    * الرد على الرافضة .
    * وصايا الشيخ عبد القادر.
    * بهجة الأسرار  .
    * تفسير القران الكريم .
    * الحجة البيضاء .
    * بشائر الخيرات .
    * ورد الشيخ عبد القادر الجيلاني .
    * كيمياء السعادة لمن أراد الحسنى وزيادة.
    * المختصر في علم الدين – نسخة مصورة بالفوتوغراف.
    * مجموعة خطب .

أقوال العلماء:
 شيخ الاسلام ابن تيمية:
الشيخ عبد القادر ونحوه من أعظم مشائخ زمانهم أمراً بالتزام الشرع ، والأمر والنهي ، وتقديمه على الذوق والقدر ، ومن أعظم المشائخ أمراً بترك الهوى والإرادة النفسية.
وقال أيضا: فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف : مثل الفضيل بن عياض ، وإبراهيم بن أدهم ، وأبي سليمان الداراني ، ومعروف الكرخي ، والسري السقطي ، والجنيد بن محمد ، وغيرهم من المتقدمين ومثل الشيخ عبد القادر ، والشيخ حماد ، والشيخ أبي البيان وغيرهم من المتأخرين ، فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهوى أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين بل عليه أن يفعل المأمور ، ويدع المحظور إلى أن يموت ، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف ، وهذا كثير في كلامهم .

وقال شيخ الإسلام أيضاً : والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ يوافق ما كان عليه السلف ، وهذا هو الذي كان يجب أن يذكر .

قال ابن السمعاني عنه: (إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح، ديِّن خيِّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة). وقال عنه الحافظ ابن كثير رحمه الله: كان له سمت حسن، وصمت عن غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان فيه زهد كثير، وله أحوال صالحة ومكاشفات، ولأتباعه وأصحابه فيه مقالات، ويذكرون عنه أقوالاً وأفعالاً، ومكاشفات أكثرها مغالاة، وقد كان صالحاً ورعاً، وقد صنف كتاب "الغنية"، و"فتوح الغيب"، وفيهما أشياء حسنة، وذكر فيهما أحاديث ضعيفة وموضوعة، وبالجملة كان من سادات المشايخ.

قال الإمام الذهبي:الشيخ، الإِمام، العالم، الزاهد، العارف، القدوة، شيخُ الإِسلام، عَلَمُ الأَولياءِ، مُحيي الدِّين، أَبو محمد عبد القادر ابن أَبي صالح عبد الله بن جنكي دوست الجِيلِيُّ، الحَنبَليُّ، شيخ بغداد.

قال الإمام الذهبي خاتماً ترجمة الشيخ عبد القادر بقوله : وفي الجملة الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه، واللهُ الموعد، وبعض ذلك مكذوب عليه.

وقال الإمام النووي: كان شيخ السادة الشافعية والسادة الحنابلة ببغداد , وانتهت إليه رياسة العلم في وقته … وكان جميل الصفات , شريف الأخلاق , كامل الأدب والمروءة , كثير التواضع… وبالجملة فلم يكن في زمنه مثله رضي الله عنه.

وقال أبوالحسن الندوي: ضيّعت الخلافة الإسلامية روح الخلافة وأمانة النبوة , وأصبحت ملكا وسياسة…  فقام في نواحي المملكة الإسلامية الواسعة خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم والربانيون… من أشهر هؤلاء الدعاة والمربين: الحسن البصري والفضيل بن عياض …
وانتهى الأمر إلى القرن السادس , وقد تباعد الزمان عن النبوة وآثارها وبركاتها , واتسعت الدنيا, وكثرت أسباب الغفلة واللهو , وطالت على المسلمين الأمد , فقست قلوبهم.
هنالك نهض في بغداد ـ دارالسلام وقلب عالم الإسلام ـ رجل قوي الشخصية , قوي الإيمان , قوي العلم , قوي الدعوة , قوي التأثير, فجدّد دعوة الإيمان والإسلام الحقيقي , والعبودية الخالصة … وحارب النفاق الذي اجتمع في المجتمع الإسلامي بقوة منقطعة النظير في تاريخ الإصلاح والتجديد.

 أولاده:
قال عبد الرّزاقِ ابنُ الشَّيخِ: وُلِدَ لأَبِي تِسْعَةٌ وَأَربعون وَلداً، سبعَة وعشرون ذكراً، والباقي إِناثٌ.

 وفاته:

عاش الشّيخ عبد القادر تسعين سنةً، وانتقلَ إِلى الله في عاشر ربيع الآخر، سَنة إِحدى وستين وخمس مائةٍ، وشيَّعه خلق لا يُحصَون، ودُفِنَ بمدرسته – رحمهُ اللهُ تَعَالى .

الكاتب: الشيخ عبدالحميد جمعة

********************************************

 المصادر والمراجع:
سير أعلام النبلاء / للحافظ شمس الدين الذهبي .
الأعلام للزركلي
"منتديات زفير"
معجم البلدان/ لياقوت الحموي
الشيخ عبدالقادر الجيلاني/الدكتور عبدالرزاق الكيلاني
رجال الفكر والدعوة/أبو الحسن الندوي
أبو عمر المنهجي – شبكة الدفاع عن السنة
 

تعليقات

تعليق واحد لـ : “الإمام عبدالقادر الجيلاني (471 – 561 ه = 1078 – 1166 م)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات