اليوم : 16 أغسطس , 2008

عبدالقاهر الجرجاني (400 – 471هـ، 1010 – 1078م)

عبدالقاهر الجرجاني (400 – 471هـ، 1010 – 1078م)

Image
يُعد عبدالقاهر واحدًا من الذين تفخر بهم الحضارة الإسلامية في مجال الدرس اللغوي والبلاغي، إذ تقف مؤلفاته شامخة حتى اليوم أمام أحدث الدراسات اللغوية، ويُعد كتابه دلائل الإعجاز قمة تلك المؤلفات؛ حيث توصل فيه إلى نظريته الشهيرة التي عُرفت باسم نظرية التعليق أو نظرية النظم، التي سبق بها عصره، ومازالت تبهر الباحثين المعاصرين، وتقف نداً قويًا لنظريات اللغويين الغربيين في العصر الحديث.

يلاحظ المشتغلون بعلم اللغة أن عبدالقاهر قد سبق في دلائل الإعجاز الكثيرين من الباحثين الغربيين بعدّة قرون في عديد من الأفكار؛ فقد سبق الفيلسوف الإنجليزي جون لوك في الإشارة إلى عملية الاتصال اللغوي، وسبق العالمين دي سوسير وأنطوان مييه في كثير من أصول التحليل اللغوي، وسبق العالم الألماني فنت في أصول مدرسته الرمزية، وسبق العالم الأمريكي تشومسكي في الكثير من أصول مدرسته التحويلية التوليدية.

اسمه وكنيته:

هو أبوبكر, عبدالقاهر بن عبدالرحمن الجرجاني, أمير المؤمنين في علم البيان, و صاحب المقام السامي و الذروة العليا في علومه. فارسي الأصل، جرجاني الدار، شيخ العربية, ومؤسس البلاغة العربية.

مولده:

ولد بمدينة جرجان, في مطلع القرن الخامس للهجرة.

 

جرجان:

مدينة عريقة مشهورة في شمال ايران.

من النصوص القديمة:

قال ياقوت في كتابه الشهير"معجم البلدان":

جرجان، مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان وخراسان.

وقد خرج منها خلق من الأدباءِ والعلماء والفقهاء والمحدثين. ولها تاريخ ألفه حمزة بن يزيد السهمي.

قال الإصطخري: أما جرجان فإنها أكبر مدينة بنواحيها وهي أقل ندىً ومطراً من طبرستان وأهلها أحسن وقاراً وأكثر مروءة ويساراً من كبرائهم, وهي قطعتان إحداهما المدينة والآخرى بكراباذ وبينهما نهر كبير يجري يحتمل أن تجري فيه السفُنُ ويرتفع منها من الابريسم وثياب الابريسم ما يحمل إلى جميع الآفاق. ولجرجان مياه كثيرة وضياع عريضة وليس بالمشرق بعد أن تجاوز العراق مدينة أجمع ولا أظهر حسناَ من جرجان وأهلها يأخذون أنفسهم بالتأني والأخلاق المحمودة. ولأبي الغمر في وصف جرجان:

هي جنةُالدُنيا التي هي سَجسجٌ …. يرضى بها المحروروالمقرورُ

سهلية  جبلية  بحرية …………………. يحتلُ  فيها  مُنجد  و مُغير

و إذا غدا القناص راح بما اشتهى ……….. طباخُه  فملهج  و قديرُ

وقال أبو منصور النيسابوري يذكر اختلاف الهواء بها في يوم واحد:

ألا رب يوم لي بجرجان  أرعن ……………. ظللتُ له من حرقه أتعجب

وأخشى على نفسي اختلاف هوائها … وما لامرىءِ عما قضى الله مهرب

افتتح بلد جرجان سعيد بن عثمان في ولاية معاوية،رضي الله عنه, ثم ارتد أهلها عن الإسلام، حتى افتتحها يزيد بن المهلب في ولاية سليمان بن عبد الملك بن مروان.

وممن ينسب إليها من الأئمة أبو نُعَيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني الأستراباذي الفقيه أحد الأئمة.

ومنها أبو أحمد عبدالله بن عدي بن عبدالله بن محمد بن المبارك الجرجاني الحافظ المعروف بابن القطان أحد أئمة الحديث والمكثرين منه والجامعين له والرَحالين فيه ومنها حمزة بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم بن محمد ، وغير هؤلاء كثير.

 

نبذة عنه:

كان منذ صغره محبًّا للعلم، مكبا على التعلّم, فأقبل على الكتب والدرس، خاصة كتب النحو والأدب والفقه، ولما كان فقيرًا لم يخرج لطلب العلم نظرًا لفقره، بل تعلم في جرجان وقرأ كل ما وصلت إليه يده من كتب، فقرأ للكثيرين ممن اشتهروا باللغة والنحو والبلاغة والأدب، كـسيبويه والجاحظ والمبرِّد وابن دُرَيْد وغيرهم.

أساتذته:

أَخذ النَّحو بجُرْجَان عن أَبي الحسينِ محمَّدِ بن حسنِ ابن أُخْت الأُستاذ أَبي عليٍّ الفارسيّ.

وأخذ العلم عن خاله الشيخ أبي علي الفارسي. كما أخذ الأدب على يد القاضي الجرجاني وقرأ كتابه “الوساطة بين المتنبي وخصومه”. والى ذلك يشير ياقوت فيقول: “وكان الشيخ عبدالقاهر الجرجاني قد قرأ عليه، واغترف من بحره، وكان اذا ذكره في كتبه تبخبخ به، وشمخ بأنفه بالانتماء اليه” (معجم الأدباء: 14/16).

 وتتلمذ عبدالقاهر على آثار الشيوخ والعلماء الذين انجبتهم العربية، فنحن نراه في كتبه ينقل عن سيبويه والجاحظ وأبي علي الفارسي وابن قتيبة وقدامة بن جعفر والآمدي والقاضي الجرجاني وأبي هلال العسكري وأبي أحمد العسكري و عبدالرحمن بن عيسى الهمداني والمرزباني والزجاج.

وقد ترك عبدالقاهر الجرجاني آثاراً مهمة في الشعر والأدب والنحو وعلوم القرآن.

 

تلاميذه:

تصدر عبدالقاهر مجالس جرجان يفيد الراحلين إليه والوافدين عليه. وقصده طلاب العلم من كُلِّ صوب، ومن تلامذته المشهورين الواردين إلى العراق والمتصدرين ببغداد على بن زيد الفصيحي، وأبوزكريا التبريزي، والإمام أبوعامر الفضل بن إسماعيل التميمي الجرجاني وأبو النصر أحمد بن محمد الشجري.

 

من ملامح شخصيته:

ولد عبدالقاهر في أسرة رقيقة الحال، ولهذا ايضا، لم يجد فضلة من مال تمكنه من أخذ العلم خارج مدينته جرجان،على الرغم من ظهور ولعه المبكر بالعلم والنحو والأدب. وقد عوضه الله عن ذلك بعاملين كبيرين كانا يعيشان في جرجان هما: أبو الحسين بن الحسن بن عبدالوارث الفارسي النحوي، نزيل جرجان، وأبو الحسن القاضي علي بن عبدالعزيز الجرجاني، قاضي جرجان من قبل الصاحب بن عبّاد.

وكان عبد القاهر يعتز بنفسه كثيرًا ويكره النفاق، ولا يذل نفسه من أجل المال.

علمه:

حذق عبدالقاهر الثقافة العربية الإسلامية التي كانت سائدة في عصره، مثل علوم القرآن الكريم وما دارت حوله من مباحث ودراسات. وأتقن الفقه الشافعي. وألم بالدراسات المنطقية على نحو ما تكشف عن ذلك تقسيماته ودراساته في أسرار البلاغة ومجادلاته في دلائل الإعجاز.

 وقد كان عبدالقاهر على معرفة تامة بلغات متعددة غير العربية؛ فقد عرف الفارسية والتركية والهندية، وبرع في اللغة الهندية إلى الحد الذي جعله يكتشف استفادة بعض شعراء العرب من لغة الهنود وأفكارهم.

إنجازات له:

هو يعتبر مؤسس علم البلاغة، أو أحد المؤسسين لهذا العلم، ويعد كتاباه: (دلائل الإعجاز) و(أسرار البلاغة) من أهم الكتب التي أُلفت في هذا المجال، وقد ألفها الجرجاني لبيان إعجاز القرآن الكريم وفضله على النصوص الأخرى من شعر ونثر.

ورعه:

كان ورعًا, قانعًا، عالـمًا، ذا نسك ودين.

قَال السلَفيّ: كان ورِعاً قَانعاً، دخلَ عليه لصّ، فأَخذ ما وجد، وهو ينظر، وهو في الصَّلاةِ فما قَطَعَها.

 

شهرته:

وتهيأت له الفرصة ليتعلم النحو، على يد واحد من كبار الأيام ليصبح عبد القاهر عالمًا وأستاذًا، واشتهر شهرة كبيرة، وذاع صيته، فجاء إليه طلاب العلم من جميع البلاد يقرءون عليه كتبه ويأخذونها عنه.

 ووصل عبد القاهر الجرجاني لمنزلة عالية من العلم، ولكنه لم يُقَدَّر التقدير الذي يستحقه.

وقضى عبد القاهر حياته بين كتبه، يقرأ ويؤلف، فكتب في النحو عدة كتب؛ منها: (المغني) و(المقتصد) و(التكملة) و(الجمل) وفي الشعر كتب؛ منها: (المختار من دواوين المتنبي والبحتري وأبو تمام) وترجع شهرة عبد القاهر إلى كتاباته في

البلاغة، فهو يعتبر مؤسس علم البلاغة.

مذهبه:

قال الإمام الذهبي:

كان شافعيّاً، عالماً، أَشعريّاً، ذا نسُكٍ ودين.

 

الناقد الأديب:

عبد القاهر الجرجاني شخصية فذة من الشخصيات التي وقفت على أسرار البيان العربي ودقائقه، وبخاصة فيما يتصل منها بالأدب والنقد وأسرار النظم ودقائق المعاني. وقد تأثر في كتبه بآراء ومذاهب من سبقوه من رجال النقد والبيان، كالجاحظ والجرجاني والآمدي والعسكري.

 ويحكم عبد القاهر في الأسرار والدلائل على كثير من الأدباء والشعراء أحكاماً صادقة تدل على عدالة نقده. ويستدل بالكثير من أشعار المحدثين، ويعقد-في الكثير-بينها موازنات تدل على وقوفه على دقائق البيان.

وهو يستدل بكلمة للآمدي في الأسرار، ثم بعد أن ينعم النظر يخطئه في دلائل الإعجاز.

نظرية النظم عند عبدالقاهر:

و من فتوحات الشيخ العلمية العظيمة نظرية النظم, و مفادها أن ترتيب الكلمات و الجمل يحمل في طياته قيما ً تزيد كلما كان الكلام أكثر إتقانا ً و تعبيرا ً عما في نفس القائل.

 ومجمل نظريته أنه لا اعتداد بمعاني الكلمات المفردة إن لم تنتظم في سياق تركيبي، وهو ما يعرف بالنحو، فهو يرى أن الدلالة المعجمية معروفة لمعظم أهل اللغة, ولكن دلالة اللفظة التي تكتسبها خلال نظمها في سياق تركيبي هي التي يسعى إليها مستخدم اللغة، لاختلاف دلالة اللفظة تبعًا للتركيب النحوي الذي تنتظم فيه، والمواضع المختلفة التي تحتلها في السياقات الناتجة عن أصل سياقي واحد.

 

مؤلفاته:

له مؤلفات جليلة عظيمة منها ما هو إمام في العلم و أهمها:

دلائل الإعجاز:,  ويعتبر الكتاب الأول فيما يتعلق بالإعجاز البلاغي للقرآن الكريم, إذ أنه رحمه الله أخرج علما ً كان مكنوزا ً في القرآن الكريم و جعله يبصر النور بعد أن كان مكنونا ً بين آياته. و لم يسبقه إلى ذلك أحد.

و قد يقول أحدكم: ألا يُعتبر هذا علما ً مقطوع النسب؟ و كيف يأتي بعلم لم تعرفه العرب من قبل؟

فنقول: إن ما فعله الشيخ الجليل رحمه الله هو أن نظر في كتاب الله ثم أظهر الأسباب التي كانت العرب حين تسمع القرآن تشهد بأن " له لحلاوة, و أن عليه لطلاوة ", و قنن ذلك و وضعه على شكل علم, و هو ما لم يسبقه إليه أحد, رحمه الله تعالى.

أراد عبدالقاهر بكتابه دلائل الإعجاز أن يرد على من كانوا يرجعون إعجاز القرآن إلى الألفاظ، ورفض أن يكون الإعجاز راجعًا إلى المفردات أو حتى معانيها؛ أو جريانها وسهولتها وعذوبتها وعدم ثقلها على الألسنة. كما رفض أن يكون الإعجاز راجعًا إلى الاستعارات أو المجازات أو الفواصل أو الإيجاز، وإنما رد إعجاز القرآن إلى حسن النظم.

أسرار البلاغة: و يُعتبر أساس علم البلاغة, إذ قد وضع فيه هذا العالم الجليل الأصناف المعروفة للتراكيب اللغوية البلاغية ( كالاستعارة و التشبيه و المجاز و غيرها ), وهو ما لم يسبقه إليه أحد أيضا ً.

المغني في شرح الإيضاح:, و قد ذكر الزركليُّ في أعلامه, والذهبي في السير, أنه يقع في ثلاثين مجلدا.

تفسير فاتحة الكتاب:  و يقع في مجلد, حسب ما ذكر الباباني في هدية العارفين.

و قد ذكر له المؤرخون مؤلفات أخرى " كالجـُمل ", و " العمدة في تصريف الأفعال ", و " العوامل المائة ", و " درج الدرر في تفسير الآي و السور ", و غيرها.

 

وفاته:

وتوفي شيخ البلاغيين (عبد القاهر الجرجاني) سنة 471هـ، في جرجان.

 لكن علمه مازال باقيًا، يغترف منه كل ظمآن إلى المعرفة ويهدي إلى السبيل الصحيح في بيان إعجاز القرآن الكريم. رحمه الله تعالى و أحسن إليه.

 

الكاتب: الشيخ عبدالحميد جمعة

*******************************

سير أعلام النبلاء – (ج 35 / ص 404)

معجم البلدان – (ج 1 / ص 481)

موقع النيل والفرات

(موقع حنونة)

http://ar.wikipedia.org/

CDالمكتبة الشاملة نقلا عن

الموسوعة العربية العالمية Global Arabic Encyclopedia

http://www.mawsoah.net

 

تعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات