اليوم : 7 أغسطس , 2021

الانتخابات الرئاسية في إيران.. تحديات الحُكم، ومخاوف أهل السنُة

الانتخابات الرئاسية في إيران.. تحديات الحُكم، ومخاوف أهل السنُة

أجريت الانتخابات الرئاسية لعام 1400] هجري شمسي[ في السنة الثالثة والأربعين من عمر الجمهورية الإسلامية، لانتخاب رئيس الدولة الثالثة عشرة، في 7 ذو القعدة 1442، وظهرت النتيجة أيضا. بالطبع، لا يمكن التنبؤ كيف ستكون الدولة القادمة، وليس من الواضح مدى نجاح الدولة الثالثة عشرة في تحسين أوضاع البلاد والشعب في السنوات الأربع المقبلة، نظرا إلى المشكلات القائمة والتحديات العالقة.
في الأنظمة الجمهورية وفي البلدان التي تُقام فيها انتخابات حرة نسبيًا بمشاركة أحزاب وتوجهات مختلفة وبمشاركة أفراد الشعب، يحدث تداول السلطة إلى حد ما آمالا في أذهان الشعب لتحسين الوضع الراهن والتحرك نحو ظروف أفضل وأكثر ملاءمة؛ ولا شك أن هذا الأمر يجد حاضنة وإمكانية أكثر ملاءمة عندما تكون لهيكل النظام السياسي ومجمل الحكم في ذلك البلد أيضا القدرات اللازمة للتغيير والتحول نحو اتجاه إيجابي ويخضع لمتطلباته أيضا.
لقد كانت تجربة الانتخابات الرئاسية الماضية في بلدنا مع الأمل والخوف من بعض الجهات، وفي بعض الأحيان خلقت عقلية بين الناس بأن عليهم الاختيار من بين عدد قليل من الخيارات المحدودة التي يمثل جميعها بطريقة ما جزءًا من السلطة والهيكل السياسي الراهن، وليس لديهم الخيار الكافي ولا القدرة اللازمة لإصلاح وتغيير طريقة الحكم، وحل التحديات القائمة في البلاد، والاستجابة لمخاوف الناس، فكان عليهم الاختيار والتصويت، ثم العودة إلى حياتهم الطبيعية، والانتظار لنحو أربع أو ثماني سنوات حسب العادة يشاهدون تصرفات مجموعة من رجال الدولة، صحيحة كانت أو خاطئة.
لقد أطلق رئيس الدولة الحادية عشرة والثانية عشرة السيد روحاني، قبل ثماني سنوات عشية انتخابه عام 1434، وعودا للشعب بحل المشكلات وحل المآزق والتحديات، والاستجابة للمطالب في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وكان من المقرر أن يذهب إلى المشكلات والموانع بمفتاح الحكمة والأمل، ويفك العُقد بحكمة وخطة مدروسة. في السنوات الأربع الأولى من دولته تم اتخاذ إجراءات إيجابية ومعقولة في بعض المجالات، وكانت الآمال أكثر مما كانت عليه في الفترة السابقة؛ لكن في السنوات الأربع الثانية، وعلى الرغم من المشاركة الأكبر والأكثر حماسة للشعب في الدورة الثانية من الانتخابات عام 1436 وزيادة شعارات ووعود السيد روحاني خلال الانتخابات، فإن دولته الثانية لم تظهر بالشكل الذي كان يتوقع، ولم تتخذ التغيير الإداري اللازم، والمبادرة المطلوبة، وابتليت بالسلبية والانفعال في بعض النواحي، كما فشلت في التغلب على بعض الحواجز الداخلية والضغوط والعقوبات الخارجية، كما أن شيوع كوفيد 19 أيضا زاد الطين بلة في هذه الفترة.
والآن في نهاية عمل هذه الدولة، فإن ضمير الشعب المستيقظ، هو الذي سيحكم كم من التوقعات من الدولة الحالية والسيادة السياسية للبلاد في هذه المرحلة من حياة النظام الجمهوري الإسلامي تحققت في العالم الحقيقي؟ فهل انخفض حجم المشكلات أو أصبحت المشكلات أكثر وأشد تعقيدًا؟ بعد 42 عامًا من قيام الجمهورية الإسلامية، أصبح من الواضح أن بعض المشكلات في البلاد لها جذور في هيكل الحكم تحتاج إلى إعادة النظر في بعض السياسات في الحكم والإدارة العامة والتغيير وإصلاح الحكم في مختلف مجالات السياسة الداخلية والخارجية.
في الأنظمة الشعبية والديمقراطية، عادة ما تتم محاسبة أداء الدول والنظام السياسي الحاكم لكل بلد من قبل المعارضة والأحزاب، والفصائل المتنافسة، والخبراء والشخصيات المحايدة، ووسائل الإعلام المستقلة، ومثل هذا الهدف لا يتحقق بشكل أكثر وضوحا إلا إذا احتُرم المستشارون والنقاد، وشعروا بالحرية والأمان، فكلما توفر المزيد من الحرية والبيئة الأكثر ملاءمة، كانت الحقائق أوضح، وأصبح إبداء الرأي والحكم أسهل.
قال المفكر البارز في القرن العشرين، العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله في مكان ما، إن في الدول الغربية – على الرغم من بعض المشكلات و مواطن الضعف الأساسية- يوجد شيء حسن، بأن الشعب يرون أنفسهم مكلفين أن يحاسبوا القادة ورجال الحكم، وانتقاد قادتهم علانية، وليس هناك مانع في هذا الصدد. من الواضح أنه في مثل هذه الحالة، تصبح الحقائق أكثر وضوحا، ولا يخطئ الناس في تحديد أسباب وعوامل المشكلات، ولا يفكرون في أي منصب على أنه أسمى من النقد، لكن في بلاد الشرق حتى أولئك الذين يزعمون أنهم جمهوريون وديمقراطيون، غالبًا ما يرون في النقد الصريح والاحتجاج أمرا مدمرًا ومخربا، ويرون النقاد والمتظاهرين مخربين ومدمرين.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي إن الحكام يعاملون الجميع معاملة حسب مبدأ «من ليس معنا، فهو ضدنا»، فمن لا يوافقنا فهو ضدنا، فتجب إدانته ورفضه أو إبعاده.
ربما السبب في ذلك أن الوعي السياسي والعقلانية والتجربة الأفضل للحكم في تطور في تلك البلاد، وحسب تعبير السياسيين لقد وصلت الجمهورية إلى مرحلة الحلم والنضج في تلك البلدان؛ لكنها لا تزال في مهدها وعهدها الطفولي في هذه البلدان.
فلا شك في مثل هذه الحالة تقل فرص حل المشكلات، وتبقى الأسباب والعوامل الرئيسية للمشكلات إما مخفية، أو عادةً ما توجه الأعباء نحو من هم أكثر ضعفاً وليست لديهم حصانة وصيانة، وفي مثل هذه الحالة يكون هناك إحباط ويأس لدى أبناء الشعب، ولن تحلّ الدعايات والتبريرات غير المعقولة والتحليلات غير الواقعية المشكلات ولا تطمئن أحداً، وقد يؤدي تراكم المشكلات والصعوبات إلى الاستياء العام والسخط الشعبي للقادة والحكام، في مثل هذه الحالة، ليس من المستبعد أن يتوجه الغضب والسخط من العالم الأعلى نحو هؤلاء القادة، وتظهر نتائجه وعواقبه في شكل أزمات غير متوقعة وشديدة يصعب السيطرة عليها.
ومن التحديات والمآسي الأخرى التي يعاني منها المسؤولون ورجال الدولة في هذه المجتمعات الشرقية، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي، وجود مجموعات وأفراد يعتبرون في كل الأحوال المديح والإطراء والتقديس من واجبهم أو جزءا من حياتهم.
من المؤسف أن عمل هذه المجموعة أدى دائمًا إلى سوء الفهم وسوء التفسير عن الأوضاع والأحوال، وفي النهاية إلى إضعاف وفشل الحكام ورجال الدولة، وألحقوا أضرارًا بالدول والحكومات لا يمكن إصلاحها.
هناك نقطة أخرى يجب ذكرها في هذه المقالة، وهي أن أهل السنة في إيران الذين يشكلون ثاني أكبر أغلبية سكانية ودينية في البلاد، وكانوا دائمًا ناشطين في الساحتين الوطنية والاجتماعية، لقد شاركوا بحماس في فترات مختلفة من الانتخابات، من أجل تعزيز التضامن الوطني والكرامة، وبلورة إرادة ناصحي هذه البلاد، لكن لقد وصلوا أخيرا إلى هذه الحقيقة بأنهم مع الأسف الشديد لم ينالوا استجابة ومكافأة معقولة ومرغوبة، بل يشعرون بالإحباط وخيبة الأمل في بعض المجالات.
السؤال الذي يطرح هنا، هو إذا كان الدستور لا يسمح للشخصيات السنية بالترشح لمنصب الرئاسة – وهو أصل من الدستور يحتاج إلى إعادة النظر – هل هناك حظر قانوني على توظيف الشخصيات السنية في مجالات مثل نائب الرئيس، والوزارات، والإدارات المحلية؟ هل ما ينسب إلى السنة في الهيكل السياسي والإداري للبلاد حتى الآن يتناسب مع عددهم وقدراتهم ومستوى مشاركتهم السياسية وحقوقهم المدنية ومواطنتهم؟
لماذا لا يزال هناك اعتقاد وشعور بأن بعض المواطنين يتعرضون للتمييز بسبب الاختلافات الدينية، ويتم توجيه بعض الحرمان والقيود والضغوط عليهم من هذا المنطلق في بلد إسلامي مع نظام سياسي جمهوري؟
في نظام يؤمن بمبدأ العدالة ويعتبر تطبيقه ضروريا، لا يمكن تبرير وجود هذا النوع من التمييز. قال تعالى: }اعدلوا هو أقرب للتقوى{. (المائدة: 8)
والقرآن يدين الظلم والجور بحق الجميع ولم يأذن بذلك في حق غير المسلمين، فضلا عن المسلمين. قال تعالى: }وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{. (مائده: 8)
صدقوا أن الفرص تمرّ بسرعة وتتغير الظروف، لكن سيبقى سجل الأعمال عند الرب وفي أذهان الناس، ويسجل تاريخه، وسيحكم عليه المعاصرون والأجيال القادمة.
على كل حال، والآن بعد أن اقتربنا من تشكيل حكومة جديدة، يرجى أن يبادر كبار المسؤولين في النظام والمؤسسات الحكومية والمسؤولين الحكوميين، بالاستفادة من التجارب والدروس السابقة، لتعديل الطرق والأساليب غير الصحيحة وغير النافعة في إدارة البلاد، ولإعادة الأمل والثقة إلى قلوب الشعب، وتحقيق العدل، ولئلا تتكرر أخطاء الماضي، ويمكن تدارك ما فات، وليحيى الأمل بالتنمية والمشاركة بشكل أكثر فاعلية في أذهان الشعب الإيراني وقلوبهم.
نحن أهل السنة كسائر أبناء الشعب الإيراني، نريد لبلدنا مكانة أفضل وأكثر جدارة في مختلف الساحات الوطنية والدولية، وأن يتخذ الشعب الإيراني خطوات أعلى نحو التقدم والتنمية، وأن يصبح نموذجًا يحتذى بهم في مختلف المجالات في المنطقة و العالم.
إن الجهود المستمرة والمخططة للوصول إلى هذه الغاية يمكن اعتبارها أفضل خدمة لإيران والإسلام، وستؤدي إلى مرضاة الخالق والناس أجمعين. “والله يقول الحق وهو يهدي السبيل”.

المصدر: مجلة “نداي اسلام” (العدد 80)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات