اليوم : 24 أبريل , 2020

داود الظاهري (200 – 270 ه = 816 – 883 م)

داود الظاهري (200 – 270 ه = 816 – 883 م)

الحافظ، الفقيه، المجتهد، المحدث، مؤسس المذهب الظاهري.
اسمه ونسبه:
داود بن علي بن خلف الاصبهاني، أبو سليمان، الملقب بالظاهري: أحد الائمة المجتهدين في الاسلام. تنسب إليه الطائفة الظاهرية، وسمّيت بذلك لأخذها بظاهر الكتاب والسنّة وإعراضها عن التأويل والرأي والقياس. وكان داود هو أول من جهر بهذا القول. وهو اصفهاني الأصل، من أهل قاشان (بلدة قريبة من اصفهان) .

مولده ونشأته:
ولد بالكوفة سنة مائتين. ونشأ ببغداد، وانتهت إليه رياسة العلم فيها.

رحلاته:
رحل إلى نيسابور.

شيوخه:
سَمِع: سُليمان بن حَرب، وعَمرو بن مَرزُوق، والقَعْنَبِيّ، ومحمّد بن كَثِير العَبدِي، ومُسَدَّد بن مُسَرْهَد، وإسحاق بن راهوَيه، وأبا ثَور الكَلبِيّ، والقَوارِيرِي..

تلاميذه:
روى عنه ابنه محمّد، وزكرياء السّاجي، ويوسف بن يعقوب الداودي، وعبّاس بن أحمد المذكِّر، وغيرهم.

صفاته:
كان زاهداً متقلِّلاً كثير الورع.
قال الخطيب: “كان إماماً، عارفاً، ورعاً، ناسكاً، زاهداً”.
وقال السيوطي: “كان بصيراً بالحديث صحيحه وسقيمه، إماماً ورعاً ناسكاً زاهداً. كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان”.
قال أبو عبد الله المحاملي: “رأيتُ داود يُصلّي، فما رأيتُ مصليًا يشبهه فى حسن تواضعه”.
وروى الخطيب، عن أبي عمرو المُستملي، قال: رأيتُ داود الظاهرى يَرُدُّ على إسحاق بن راهوية، وما رأيت أحدًا قبله ولا بعده يردّ عليه هيبة له.
وكان داود رحمه الله معجبا جدا بالإمام الشافعي رحمه الله حتى صنّف كتابين في فضله. قال عُمر بن محمَّد بن بُجَيْر الحافظ: سمعتُ داوُد بن عليّ، يقول:
دخلتُ علَى إسحاق وهو يَحتَجِم، فجَلَستُ، فرَأَيتُ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ، فأَخَذتُ أَنظُرُ، فصاحَ بي إِسحاق: أَيْش تَنْظُر؟ فقلتُ: {مَعَاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ}
قال: فجَعَلَ يَضحَكُ، أَو يَبتسِم.

زهده:
قال أبو عبد الله المحاملي:”صليتُ صلاة العيد يوم فطر في جامع المدينة، فلمّا انصرفتُ قلتُ في نفسي: أدخل إلى داود بن علي فأهنّيه، وكان ينزل قطيعة الربيع؛ قال: فجئتُه، وإذا بين يديه طبق فيه أوراق “هندبا ” و”عصارة فيها نخالة” وهو يأكل، فهنأته وتعجّبتُ مِن حاله، ورأيتُ أنّ جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيء، فخرجتُ مِن عنده ودخلتُ على رجل مِن مُحبّي الصنيعة يقال له: الجُرجاني، فلمّا علِم بمجيئي خرج إليّ حاسرَ الرأس حافي القدَمين، وقال لي: ما عني القاضي أيده الله.
قلتُ: مهم.
قال: وما هو؟!
قلتُ: في جوارك داود بن علي، ومكانه من العلم ما تعلمه، وأنت فكثير البر والرغبة في الخير تفغل عنه، وحدثته بما رأيت منه.
فقال لي: داود شرس الخلق، أعلم القاضي أنّني وجهتُ إليه البارحة ألف درهم مع غلام ليستعين بها في بعض أموره
فردّها مع الغلام وقال للغلام: قل له: بأي عين رأيتني وما الذي بلغَك مِن حاجَتي وخلّتي حتّى وجهتَ إليّ بهذا؟
قال: فتعجبتُ مِن ذلك وقلتُ له: هات الدراهم فإنّي أحملها إليه، فدفعها إليّ ثمّ قال: يا غلام، الكِيس الآخر، فجاءه بكيس فوَزَن ألفاً أخرى، وقال: تلك لنا وهذه لموضع القاضي وعنايته.
قال: فخرجتُ وجئتُ إليه، فقرعتُ الباب فخرج وكلّمني مِن وراء الباب وقال: ما ردّ القاضي ؟
قلتُ: حاجة أكلّمك فيها، فدخلتُ وجلستُ ساعة، ثمّ أخرجتُ الدراهم وجعلتُها بين يديه.
فقال: هذا جزاء من ائتمنك على سرّه [أنا بأمانة العلم أدخلتك إلي] ، ارجع فلا حاجة لي فيما معك.
قال المحاملي: فرجعتُ وقد صغرت الدنيا في عينيّ ودخلتُ على الجرجاني فأخبرتُه بما كان، فقال: أما أنا فقد أخرجت هذه الدراهم لله تعالى، لا أرجع في شيء منها، فليتولّ القاضي إخراجها في أهل الستر والعفاف على ما يراه القاضي”.

بينه وبين الشريطي:
قال داود: حضر مجلسي يوماً أبو يعقوب الشريطي، وكان من أهل البصرة، وعليه خرقتان، فتصدّر لنفسه مِن غير أن يرفعه أحد وجلس إلى جانبي وقال لي: سل يا فتى عما بدا لك، فكأنّي غضبتُ منه، فقلتُ له مستهزئاً: أسألك عن الحجامة، فبرك أبو يعقوب ثمّ روى طريق ” أفطر الحاجم والمحجوم ” ومَن أرسله ومَن أسنده ومَن وقفه ومَن ذهب إليه مِن الفقهاء، وروى اختلاف طريق احتجام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعطاء الحجام أجره، ولو كان حراماً لم يعطه، ثم روى طرق أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم ” احتجم بقرن ” . وذكر أحاديث صحيحة في الحجامة، ثم ذكر الأحاديث المتوسطة مثل ” ما مررتُ بملأ من الملائكة “. ومثل ” شفاء أمّتي في ثلاث “. وما أشبه ذلك، وذكر الأحاديث الضعيفة مثل قوله عليه السلام ” لا تحتجموا يوم كذا ولا ساعة كذا “. ثمّ ذكر ما ذهب إليه أهل الطب من الحجامة في كلّ زمان ، وما ذكروه فيها.
ثمّ ختم كلامه بأن قال: وأوّل ما خرجت الحجامة من أصبهان. فقلتُ له: والله لا حقرتُ بعدك أحداً أبداً.

مصنفاته:
من تصانيفه: كتابان في فضائل الشافعي.
وله تصانيف أورد ابن النديم أسماءها في زهاء صفحتين.
قال محمّد بن إسحاق النَّدِيم: لِداوُد مِن الكُتُب: كتاب (الإفصاح). كتاب (الأُصُول). كتاب (الدَّعَاوى). كتاب كَبِير فِي الفِقه. كتاب (الذَّبِّ عَنِ السُّنَّةِ والأخبار) أربَع مُجَلَّدَات. كتاب (الرَّدِّ عَلَى أَهلِ الإِفك). كتاب (صِفَة أَخلاق النَّبِي). كتاب (الإجماع). كتاب (إبطال القِيَاس). كتاب (خبَرِ الوَاحِدِ وَبَعضُهُ مُوجِبٌ لِلعِلم). كتاب (الإِيضَاحِ) خَمسَةَ عَشَر مُجَلَّداً. كتاب (المُتعَة). كتاب (إبطالِ التَّقلِيد). كتاب (المَعرِفَة). كتاب (العُمُوم والخُصُوص)…

ثناء العلماء عليه:
وكان داود من عقلاء الناس، قال أبو العباس ثعلب في حقه: كان عقل داود أكثر من علمه.
قال الإمام الذهبي: داوُد بن عليّ بن خَلَف البَغدادِيُّ الظَّاهِرِيّ
الإِمام، البَحرُ، الحافِظ، العلاَّمَة، عالِم الوَقتِ … مولَى أمِيرِ المُؤمنين المَهدِي، رَئِيس أَهلِ الظَّاهِر.
ثمّ نقل الإمام الذهبي أقوال العلماء في إعتبار قول داود في الإجماع ونقد عليه في بعض المسائل الفقهية ، ثمّ قال:
وفي الجُملَة، فدَاوُد بن عليّ بَصِيرٌ بالفِقه، عالِمٌ بالقُرآن، حافظٌ للأَثَر، رأْسٌ في مَعرِفَةِ الخِلاَفِ، مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ، لَهُ ذكَاءٌ خَارِقٌ، وَفِيْهِ دِيْنٌ مَتِينٌ.
وكَذَلِكَ في فُقَهاءِ الظَّاهِرِيَّة جَماعَةٌ لَهم عِلمٌ بَاهِرٌ، وذكاءٌ قَويّ، فالكَمالُ عَزيزٌ، واللهُ المُوَفِّق.
قال أبو بكر الخَطِيب: صَنَّفَ الكُتُبَ، وكان إماماً وَرِعاً ناسِكاً زاهِداً، وفي كُتُبِه حديثٌ كثيرٌ، لكِنَّ الرِّوَاية عنه عزِيزةٌ جدّاً.
وقال الإمام النووي: فضائل داود وزهده وورعه ومتابعته للسنة مشهورة.

وفاته:
توفّي ببغداد سنة سبعين ومائتين في ذي القعدة، ، ودفن بالشونيزية، وقيل: في منزله. رحمه الله وأدخله فسيح جناته. وقال ولده أبو بكر محمد بن داود: رأيتُ أبي داود في النوم فقلتُ له: ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: غفر لي وسامحني. فقلتُ: غفر لك، فبم سامحك؟ فقال : يا بنيّ، الأمر عظيم، والويل كلّ الويل لمَن لم يسامح.

**********************************

المصادر:
وفيات الأعيان / ابن خلكان
سير أعلام النبلاء/إمام الذهبي
معجم المؤلفين / عمر كحالة
طبقات الحفاظ / السيوطي
الأعلام للزركلي / الزركلي
الوافي بالوفيات / الصفدي
تهذيب الأسماء / النووي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات