اليوم : 17 ديسمبر , 2019

ارتفاع أسعار الوقود واعتقال عالم سني

ارتفاع أسعار الوقود واعتقال عالم سني

شهدت بلاد إيران خلال الشهر المنصرم مسيرات واحتجاجات واسعة إثر ارتفاع أسعار البنزين. فمنذ بداية الثورة بدأت الزعزعة الاقتصادية في إيران حيث انخفضت قيمة العملة انخفاضا غير مسبوق وارتفعت الأسعار في جميع المجالات، في المواد الاستهلاكية إلى غيرها.
وكان يقال في تعليل كل ذلك إن الحرب العراقية-الإيرانية المفروضة هي التي سببت انهيار الأوضاع الاقتصادية، ولما توقفت الحرب التي دامت ثماني سنوات تنفس الناس الصعداء آملين صلاح الأوضاع وعودة الحالة الطبيعية إلى البلاد ولكن دون جدوى. فلم يتحقق حلم الشعب بشأن تحسّن الأوضاع الاقتصادية.
فابتليت البلاد بفرض العقوبات الاقتصادية من قبل أمريكا وحلفائها بحجة أنها تحاول لإنشاء الأسلحة النووية فازدادت الأزمة الاقتصادية فقام رجال الدولة بمفاوضات مدّعين أن محاولات إيران بشأن النشاطات النووية لا تهدف إلا أهدافا سلمية، لابدّ منها للبلاد في مجالات الصحة والصناعة وغيرها، ولكن الجهود المبذولة والمفاوضات المفعولة في هذا المجال باءت بالفشل فيئس الشعب إلى حد كبير، ولم تنته المشكلات بعدُ حتى شاهد العالم تدخلات إيران في الدول المجاورة كـ أفغانستان، والعراق وسوريا واليمن، فأنفِقت أموال باهظة وذهبت نفوس كثيرة ضحية هذه التدخلات سيما الشعب الإيراني كان ولا يزال يعاني من مشكلات عديدة من فقر وتضخّم وغلاء، جراء العقوبات الاقتصادية الجائرة التي فرضت على البلاد من قبل أمريكا وكان من المرجوّ أن تجد الدولة الحالية التي يرأسها روحاني حلا جديدا للمشكلات السياسية والاقتصادية، وتسعى لإيجاد بيئة للحوار والنقد البناء وتدعو الخبراء والعلماء ليقترحوا حلولا ناجعة تساعد على الخروج من المآزق الراهنة التي تورطت فيها البلاد -حكومة وشعبا- ولكن الذي حدث أخيرا لم يزد الطين إلا بلة ولم يزد المشكلة إلا تعقدا فكما رأينا وشاهدنا إن الشعب الإيراني لما هبّوا من سباتهم وأصبحوا فإذا تعلن الإذاعات بارتفاع سعر البنزين ضعفَي ما كان من قبل، فاستولى اليأس على الجميع ففقدوا صوابهم ولم يفكروا في المرجع والمآب فتوجهوا نحو الشوارع صارخين مستصرخين ونعم ما قال السعدي:
إذا يئس الإنسانُ طال لسانُه / كسنّور مغلوب يصولُ على الكلب.
فحدث ما حدث من مآسي ومهازل يتندى الجبين حياء من ذكرها. فقتل وجرح مئات من الشعب بأيدي أبنائه ووقعت خسائر فادحة في الأرواح والأموال. وأسر آلاف من المواطنين بما فيهم الشبان والشيوخ ممّا سبب استهزاء الأجانب بنا دولا وشعوبا.
ههنا نهض طائفة من أهل العلم وحملة الأقلام وخبراء السياسة ووجهوا انتقادات إلى رجال الدولة وقاموا بالتعليق والتحليل للأوضاع، أو الإدانة لما وقع، ومنهم العالم الرباني فضيلة الشيخ فضل الرحمن الكوهي، ولكن السلطات والمعنيين بالأمر لم يطيقوا نقد الشيخ اللاذع فاعتقلوه وزجوا به في السجن، ولعل منا من لا يوافق الشيخ في جميع آرائه ومواقفه ولكن نرى أن اعتقال علماء السنة والزجّ بهم في السجون ليس بحل ناجع لقضايا المنطقة والبلاد. سيما اعتقال عالم ما علمنا عليه من سوء، هكذا نحسبه ولانزكي على الله أحدا، وله مكانة وشعبية، ولم يحثّ أحدا على ممارسة المظاهرة والشغب ضد النظام ولم يتصل بفئة شرّيرة هدامة، ولم يسئ إلى أحد وله في مجال التعليم والتربية والنصيحة خدمات طيبة؛ وإننا نرى أن اعتقال مثله ليس لصالح الوحدة التي نسعى وراءها وتعقد لأجلها مؤتمرات وندوات، ولعل ذلك يخل بالأمن ويسبب إساءة الظنون ويورث الضغائن في الصدور ولا يستفيد من ذلك إلا الأجانب والأشرار.
وإن الحل الناجع لاحتواء هذه المشكلة وأخواتها المفاوضة والحوار، وقبول الاقتراحات والاعتراف بالواقع واستفتاء الرأي العام، ورحابة الصدور، فهذا هو الذي يحكيه لنا تاريخ الخلفاء الراشدين والسلف الصالح، والحكومات الناجحة طيلة القرون والأعصار، ومن ناحية أخرى أثبتت التجارب أن سياسة القمع والضغط لم تخدم لا شعبا ولا حكومة، سيما في عصر التواصل والإذاعات والإعلام، كما شاهدنا ونشاهد في كثير من البلدان.
والله من وراء القصد وهو يقول الحق ويهدي السبيل.
حسبنا الله ونعم الوكيل.

[فاتحة مجلة “الصحوة الإسلامية” العدد (١٣٣) الصادرة شهريا عن جامعة دار العلوم زاهدان-إيران]

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات