اليوم : 23 مايو , 2018

ظلم منع الصلاة في المساجد (تفسير آيتي 114 و115 من سورة البقرة)

ظلم منع الصلاة في المساجد (تفسير آيتي 114 و115 من سورة البقرة)

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّـهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١١٤﴾ وَلِلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿١١٥﴾ ﲒ

التفسير المختصر
{ومن أظلم ممن منع مساجد الله} يشمل المسجد الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس وجميع المساجد، {أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} أي لم يكن لهم أن يدخلوها إلا وهم في خشية وخضوع وأدب، وحينما لا يسمح لهم بالدخول إلا بمراعاة الأدب، فأنّى يُسمح لهم بهتك أعراضها وتعطيلها، فعبّر الله سبحانه عن هذا بالظلم، {أولئك لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} اعترض اليهود على تحويل القبلة، وقالوا: {ما ولّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها}، فردّ الله عليهم بقوله:
{ولله المشرق والمغرب} أي جميع الجهات، ولا يختص به مكان دون آخر، فإذا كانت له الأرض كلها يختار للقبلة أي جهة شاء؛ لأنّ الحكمة من تعيين القبلة مثلاً هوجمع البال وموافقة هيئات العابدين، وهذه الحكمة تحصل في كل جهة فبأي جهة أمر سبحانه فهى القبلة، نعم لوكانت جلالته سبحانه منحصرة في جهة -العياذ بالله- لكانت العبادة جديرة بتلك الجهة، وإذ ليس كذلك {فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع} لجميع الجهات والأشياء كما يليق بشأنه ومع كونه محيطاً غير متناه عيّن جهة العبادة لأنّه {عليم} بتدبير خلقه ومصالحهم، يأمرهم ما يصلح لهم.

لطائف التفسير:
قال الإمام حكيم الأمة مولانا الشيخ أشرفعلي التهانوي رحمه‌ الله ‌تعالى في تفسيره بيان القرآن:
1ـ الذين سعوا في خراب المساجد عاقبهم الله في الدنيا بالخذلان بحيث أصبحوا يعطون الجزية والجباية للحكومة الإسلامية، ولهم العذاب في الآخرة بكفرهم، ويشتدّ العذاب عليهم بسبب سعيهم لخراب المساجد، وقد مرّ سابقاً أنّ اليهود والنصارى والمشركين كلّهم كانوا يدعون أنّهم على الحق فثبت كذبهم بهذه القصة، وقيل لهم كيف تدعون أنّكم على الحق وأنتم تسعون لخراب المسجد ولا تستحيون؟
2ـ بيّن الله تعالى حكمة الإتجاه إلى الكعبة فاندفعت شبهة الذين يقولون أنّ المسلمين يعبدون الكعبة.
وخلاصة الإجابة عن تلك الشبهة أنّ العبودية لله تعالى ولا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، ولكنّ الإنسان بحاجة إلى طمأنينة القلب عند العبادة، وأنّ للهيئة الإجتماعية تأثيراً على تحصيل الخشوع وجمع الخاطر، وقد ثبت بالتجربة والمشاهدة أنّ تعيين الجهة تعين على ذلك كله.
وإن ادعى مدع أنّه لا يقصد بعبادة الأصنام إلا نفس الهدف الذي يريده المصلى بالإتجاه إلى القبلة، قلنا ليس كذلك لأنّ الواقع يكذب ذلك. وإن سلمنا دعواهم فعليهم أن يأتوا ببرهان على عملهم من الشرائع التي لم تنسخ، أما المسلمون فلم يتوجهوا إلى الكعبة إلا بأمر ربّهم وحكم شريعتهم، والحِكمُ في اتجاه القبلة كثيرة لا تحصى، وإن علم بعضها.
3ـ وما قال الله سبحانه وتعالى {فأينما تولوا فثمّ وجه الله} هذه الآية والآيات مثلها لاينبغي التعمق وزيادة الخوض فيها، لأنّ الإنسان كما لا يستطيع أن يدرك كنه الذات كذلك لا يقدر على فهم حقيقة الصفات وإنّما يجب على المرء الإيمان بالجميع ولا يكلف الله عبداً إلا وسعه.
عنقا شكار كس نشود دام باز چين كانجا هميشه باد بدست است دام را
أنّ العنقا لا يمكن اصطياده، وههنا تطير الشبكة في الهواء.

فقه الحياة أو الأحكام
ذكرت في هاتين الآيتين مسئلتان هامتان: أما الآية الأولى فسبب نزولها أنّ اليهود لمّا قتلوا سيّدنا يحيى بن زكريا عليهما السلام، أراد نصارى الروم لينتقموا منهم فتعاهدوا مع ملك المجوس وهجموا بقيادة ملكهم طيطوس على بني إسرائيل في الشام وقاتلوهم وقتلوهم وأحرقوا التوراة، وقذفوا النجاسة والخنزير في بيت المقدس، وهدموا عمارة المسجد الأقصى، وكسروا شوكة بني إسرائيل، ولم يزل المسجد الأقصى على هذه الحال حتى زمن النبي صلى ‌الله ‌‌عليه ‌وسلّم، ولمّا فتحت الشام والعراق في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بُني المسجد الأقصى من جديد بأمره، وعاد الشام والأقصى إلى المسلمين ودخلا تحت حكمهم إلى مدة طويلة، ثمّ خرج بيت المقدس من أيدى المسلمين وصار تحت حكم النصارى إلى مائة سنة حتى جاء صلاح الدين الأيوبي في القرن السادس عشر من الهجرة وفتحه.
وقد نزلت هذه الآية بشأن ما فعله النصارى من إحراق التوراة، وهدم بيت المقدس وإهانته، وهذا قول ابن عباس رضي‌ الله ‌عنهما، وقال ابن زيد وغيره من المفسّرين أنّ الآية المذكورة نزلت حينما منع أهل مكة النبي صلّى‌ الله ‌‌عليه ‌وسلّم من دخول المسجد الحرام والطواف به عند صلح الحديبية، وقد رجّح ابن جرير الرواية الأولى ورجّح ابن كثير الرواية الثانية.(أنظر تفسير الطبري: 1/637، ط: دارالفكر. تفسير ابن كثير: 1/507، ط: دارالفتح، الشارقة.)
وعلى أيّة حال نزلت الآية بشأن إحدى الوقعتين ولكنها تبين ضابطة عامّة تشمل الجميع ولا تختصّ بالنصارى أو المشركين، ولأجل هذا لم يذكر اسم بيت المقدس بل قال مساجد الله حتى يدخل فيه جميع المساجد، فالمفهوم أنّ الذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه أو يسعى لهدم المساجد فهوظالم كبير.
وتقتضي عظمة المساجد أنّ الذي أراد الدخول فيها، أن يدخلها خاشعاً متواضعاً، يشعر بالهيبة والوقار كأنّه سيدخل بيتاً لأعظم ملوك.

أحكام واستنباطات
1ـ المساجد كلها تستوي في الحرمة ومراعاة الآداب، فيجب تعظيمها ولا يجوز إهانتها بأيّة حال، لكنّ المساجد الثلاثة لها فضل ومزية ليس لغيرها، فصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره، وصلاة في المسجد النبوي وبيت المقدس تعدل خمسين ألف صلاة في غيره.(شعب الإيمان للبيهقي، دارالكتب العلمية ـ بيروت ـ الطبعة الأولي.)
ويؤجر المسلم بشدّ الرحال إلى هذه المساجد الثلاثة من أيّ مكان، وقد نهى رسول الله صلّى‌ الله ‌‌عليه ‌وسلّم من شدّ الرحال إلاّ إلى هذه المساجد الثلاثة.(سنن أبي داود، دارالكتب العربي ـ بيروت.)

المسألة الثانية:
علم مما ذكر أنّ منع الناس من الذكر والصلاة في المساجد منهي عنه بجميع صوره، منها ما هوصريح كمنع الصلاة والتلاوة جهاراً، ومنها ما يسبب المنع مثل إثارة الشغب والضوضاء وممارسة التغني والموسيقى حول المساجد فإنّها تمنع الناس من العبادة فيها أو تحدث خللاً واضطراباً في عبادة العابدين وصلاة المصلين.
وكذلك لم يجوز الفقهاء رفع الصوت بالتلاوة والذكر في المسجد، لأنّ ذلك يحدث خللاً في عبادة الآخرين فيدخل تحت المنع، إلا إذا خلا المسجد من المصلين وكان الرجل وحده فيجوز له رفع الصوت بالذكر والتلاوة عند ذلك.
وعلم أيضاً أنّ السؤال في المسجد أو ترغيب المصلين في المساعدات المالية في الأمور الدينية لا يجوز حينما يشتغل الناس بالذكر والصلاة.

المسألة الثالثة:
ويستنبط أيضاً أنّ السعي في خراب المساجد في جميع الصور محرم شرعاً، ومن صور الخراب أن تخلو المساجد من المصلين أو يقلّ عدد المصلين، فلا تجوز ممارسة أعمال تفضي إلى هذه الصور من الخراب، ولا يخفى على أحد أنّ عمارة المساجد لا تكون بالتشييد ونقش الزخارف، بل تكون بممارسة الأعمال الصالحة وذكر الله فيها، كما قال الله تعالى:
{إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله}
وقال النبي صلّى‌ الله ‌‌عليه ‌وسلّم:
«سيأتي على أمتي زمان يتباهون في المساجد ولا يعمرونها إلا قليلاً»
(تفسير فخر رازي: 1/569، دارإحياء التراث العربي. شرح السنة للبغوي)
وعن علي رضي ‌الله ‌عنه قال: «ست من المروءة: ثلاث في الحضر وثلاث في السفر، فأما اللاتي في الحضر فتلاوة كتاب الله، وعمارة مساجد الله وإتخاذ الإخوان في الله، وأما اللاتي في السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في غير معاصي الله.»
(تفسير حدائق الروح والريحان: 1/214. تفسير روح البيان للحلواني: 1/166، ط: دارالإحياء تراث العربي.)
ومعنى قول سيدنا علي رضى‌ الله ‌عنه : إنّ عمارة المساجد أن يحضر المسلمون فيها بخشوع وأدب ويشتغلوا بذكر الله وتلاوة القرآن، وخرابها أن لا يحضروا فيها، ولا يصلوا، ولا يذكروا الله، أو يقلّ المصلون، أو تتخذ أسباب تخلّ بالخشوع والسكينة، فإذا قررنا أنّ سبب نزول هذه الآية قصّة عام الحديبية ومنع الكفار المسلمين من دخول المسجد الحرام، فيثبت من ذلك أن خراب المساجد لا ينحصر في هدم البناء والجدران، وإنّما خرابها عدم الصلاة والذكر فيها؛ أو قلة المصلين والذاكرين، وذلك لأنّ المشركين لم يهدموا المسجد الحرام، وإنّما منعوا المصلين من الدخول فيها، والله أعلم.
{ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجه الله إن الله واسع عليم (115)}
ولمّا هاجر النبي صلّى ‌الله ‌‌عليه ‌وسلّم إلى المدينة، وأقام بها، توجه في الصلاة إلى بيت المقدس نحوستة عشر شهراً وكان يشق ذلك عليه، وكان يتمنى الاتجاه إلى الكعبة، فنزلت هذه الآية تسلية للنبي صلّى‌ الله ‌‌عليه ‌وسلّم وكأنّه قيل لا تحزنوا لأنّكم ما خسرتم باتجاهكم نحوبيت المقدس؛ لأنّ الجهات كلها لله، وإنّما تخصيص قبلة معينة هو توجيه من عند الله فيه طاعة، وليس معنى ذلك أنّ وجه الله سبحانه في جهة دون جهة، فالمقصود هوطاعة أمر الله سبحانه، فإذا أطعتم الله فقد حصل المقصود سواء كانت الكعبة قبلة أم بيت المقدس، ولا شك أنّ في تخصيص قبلة معينة دون أخرى حكم ومصالح كثيرة؛ لأنّ الله سبحانه لو لم يخصص قبلة معينه لتفرق الناس، واختار كل فئة جهة على حدة، وهذا ينافي الوحدة المطلوبة بين الأمة، فاقتضت الوحدة المطلوبة وحكم كثيرة أخرى أن تكون قبلة العالمين واحدة سواء كانت الكعبة أو غيرها من الأمكنة المباركة، واقتضت حكمة الله أن يكون الاتجاه إلى بيت المقدس مدة من الزمن فلمّا تمنى النبي صلّى‌ الله ‌‌عليه ‌وسلّم أو أصحابه تغيير القبلة إلى الكعبة حقق الله سبحانه أمنيتهم، وجعل الكعبة قبلة للعالمين، وإليه الإشارة في الآية المنزلة:

{قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبله ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره}
تبيّن من هذه الآية أنّ المقصود من إستقبال القبلة ليس عبادة الكعبة، ولا بيت المقدس، ولا نعتقد بالاستقبال أنّ الله يخصه مكانٌ دون آخر، بل هو المحيط بكل الكون، وبكل الجهات، وإنّ في استقبال القبلة حكماً أخرى يعلمها الله تعالى.
ولعل الله سبحانه وتعالى أراد أن يلقي هذه الحقيقة أي {فأينما تولوا فثمّ وجه الله} في قلب النبي صلّى‌ الله ‌‌عليه‌ وسلّم وأصحابه الكرام فأمرهم أن يستقبلوا بيت المقدس بضعة عشر شهراً، ثمّ أمرهم بالتوجه إلى الكعبة المشرفة، حتى يفهموا جميعاً أنّ الله تعالى قبل وجه المصلى في الصلاة في كل حال سواء كان العبد متوجهاً إلى الكعبة أو بيت المقدس، ومن ثم نرى أن الشرع لم يكلف العبد بالتوجه إلى القبلة حينما يتنقل على الدابة فتجوز صلاته إلى أي جهة توجهت إليها الدابة (انظر: التفسير الكبير للفخر رازي: 1/19) أو السيارة.
وقال طائفة من المفسرين: أنّ قوله تعالى {فأينما تولوا فثمّ وجه الله} يبين حكم الصلاة على الدابة حينما يشق على المصلي التوجه إلى القبلة، وحيث لا يشق عليه يجب أن يتوجه إلى القبلة مثلما كان يركب على القطار أو الطائرة أو السفينة. وإذا بدأ الصلاة متوجهاً إلى القبلة ثم توجهت السيارة إلى جهة أخرى، ولم يقدر المصلي أن يتوجه إلى القبلة فتجوز صلاته.
مسئلة: إذا صلى أحد ولم يدر جهة القبلة ولم يجد من يدله على القبلة فعليه أن يجتهد ويتحرى ويتوجه إلى جهة يعتقد أنّها هي القبلة، ثم إذا ظهر أنّه أخطأ جازت صلاته، ولا حاجة إلى الإعادة.(كذا في التفسير المنير: 1/238، ط: دارالفكر)،وقال الإمام الشافعي لا تجوز صلاة الفرض.
وقد اتضح لنا الحكم الشرعي لإستقبال القبلة بالآية وتعامل النبي صلّى‌ الله ‌‌عليه ‌وسلّم والتفاصيل المذكورة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات