اليوم : 23 مايو , 2018

مسئلة النسخ في الأحكام الشرعية (تفسير آيات 106 إلى 108 من سورة البقرة)

مسئلة النسخ في الأحكام الشرعية (تفسير آيات 106 إلى 108 من سورة البقرة)

مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٠٦﴾ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿١٠٧﴾

التفسير المختصر
وعندما تحوّلت القبلة اعترض اليهود كما طعن المشركون في بعض الأحكام المنسوخة فردّ الله عليهم بقوله {ماننسخ من آية} وإن كانت تلك الآية باقية في القرآن أو راسخة في الأذهان، {أوننسها} من الأذهان، فلا مجال فيه للاعتراض لأنّ فيه مصلحة {نأت} مكان النسخ والنسيان بخير منها أومثلها. {ألم تعلم} أيها المعترض! أن الله على كل شيء قدير، وإذا كان هو القدير فكيف تعرض له مشكلة في مراعاة المصالح.
{ألم تعلم أنّ الله له ملك السموات والأرض} وإذا تقرّر أنّ أحداً لا يشاركه في القدرة والسلطة فلا يزاحمه أحد في مراعاة المصالح وأسرار الأحكام ونسخ حكم بحكم آخر، ولا يمنعه أحد في تقرير حكم ثان وتنفيذه.
{وما لكم من دون الله من وليّ ولانصير} وإذا كان هوالولي فيراعي المصلحة في إصدار الأحكام، وإذا كان هوالنصير يحفظكم من كيد الأعداء عند العمل بتلك الأحكام. وأما غلبة العدوّ في الظاهر في بعض الأحيان لأجل منفعة أخروية فهو شيء آخر.

فقه الحياة أو الأحكام
قوله تعالی:{ما ننسخ من آية أوننسها}، دلّت الآية على أنواع النسخ في القرآن الكريم، والنّسخ معناه في اللّغة؛ الإزالة، والكتابة. اتفق المفسّرون علی أنّ المراد بالنسخ في هذه الآية؛ أي إزالة حكم مّا. والنّسخ في اصطلاح القرآن والسنّة إزالة حكم مكان حكم آخر سواء نسخ الحكم الأوّل كلّياً، أواحتلّ مكانه حكم آخر.

حقيقة النسخ في أحكام الشرع:
كثيرا ما نرى في الدول والحكومات أنها تنسخ وتبطل حكما، وتضع مكانه حكماً آخر، وقد يكون سبب هذا النسخ والإبطال بسبب أنها كانت تجهل حقيقة عرفتها بعد ذلك، فغيّرت الحكم بناء على المعرفة الجديدة. وقد يكون سبب النسخ أنّ الحكم الأول كان ملائماً مع الظروف الأولى، والظروف الآتية لم تكن معلومة فلما تغيّرت الظروف والأحوال إقتضت حكماً جديداً، ولا شكّ أنّ هذين السببين لا يتأتّيان في نسخ الأحكام الشرعية، لكن ههنا صورة ثالثة تقتضي نسخ الحكم الأول وإحتلال الحكم الثاني مكانه، وتلك أنّ الحاكم كان يعلم من البداية أنّ الظروف والأحوال سوف تتغير في المستقبل فأعلن حكماً وهو يعلم إلى متى يصلح هذا الحكم فلمّا تغيّرت الأحوال غيّر الحكم الأول، ويمكن أن يوضّح ذلك بمثال طبيب وصف للمريض دواء وهو يعلم أنّه سوف يغيّر الوصفة بعد يومين فلمّا مضى يومان وصف دواء آخر، وقد كان بإمكان هذا الطبيب أن يكتب وصفتين في المرّة الأولى عند مراجعة المريض إلی عيادته، ولكنه إنما لم يفعل ذلك لئلا يستثقل المريض كلا الدوائين في وقت واحدٍ، وإنما تعوّد هذه الطريقة في وصف العلاج إلى حزم الطبيب وبُعد نظره وحكمته أوتجربته في العلاج، إذا علمت ذلك فاعلم أنّ النسخ في الأحكام الشرعية المنزّلة من الله إنّما كان بهذه الطريقه الثالثة، فكان الكتاب المنزّل من السماء ينسخ كثيرا من أحكام الشريعة السابقة، وقد يكون النسخ في أحكامِ شريعة واحدة، حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية، كما ورد في صحيح الإمام مسلم رحمه الله: “لم تكن نبوّة قطّ الا تناسخت”.

شبهات ناشئة عن الجهل:
قال طائفة من اليهود وقد قاسوا النسخ بالصورتين التين ذكرناهما في المثال: إنّ النسخ لا يكون في الأحكام الشرعية، وبناء علی ذلك اعترضوا علی النّبي ‌صلّی الله عليه وسلم ‌وطعنوا، فنزلت هذه الآيات جوابا عن طعنهم. ( ابن جرير، وابن كثير).
وقال طائفة من المعتزلة: إنّ النسخ لم يقع في القرآن، وإن كان العقل لا يستبعد إمكان وقوعه، فلا ناسخ في القرآن ولا منسوخ، ولعلّهم اضطروا إلى هذا القول فراراً ممّا قاله الطاعنون، ونسب هذا القول إلی أبي مسلم الإصفهاني، وقام أهل العلم بالردّ عليه. قال العلاّمة الآلوسي، في روح المعاني: واتفقت أهل الشرايع علی جواز النسخ ووقوعه، وخالفت اليهود غير العيسوية في جوازه وقالوا يمتنع عقلا، وأبومسلم الإصفهاني في وقوعه، فقال إنه وان جاز عقلاً لكنه لم يقع. وقال القرطبي في تفسيره: معرفة هذا الباب أكبر، وفائدته عظيمة لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء. (القرطبي، ج2، ص 62)
وذكر الإمام القرطبي رحمه الله بهذا الشأن قصة سيدنا علي رضي الله عنه:
روی البختري قال: دخل على رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يخوّف الناس فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكرّ الناس: فقال ليس هذا برجل يذكّر الناس لكنّه يقول: أنا فلان بن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا، قال: فاخرج من مسجدنا ولا تذكرّ.
وأمّا الأقوال والآثار الدالّة علی وقوع النسخ في الكتاب والسنة كثيرة جدّا، وقد ذكر المفسّرون الكبار مثل ابن جرير وابن كثير والسيوطي في تفاسيرهم الكثير منها بأسانيد صحيحة، أمّا الروایات الضعيفة التي تطرقت إليها فهي أكثر من أن تحصی.
وبناء علی ذلك أجمعت الأمّة علی وقوع النسخ ولم تعد ذلك عيباً ونقصاً، ولم ينكر النسخ أحد من الأمّة إلا أبو مسلم الإصفهاني ولفيف من المعتزله وقد بسط الرّد عليهم الإمام الرازي في التفسير الكبير.

اختلاف المتقدمين والمتأخرين في مفهوم النسخ اصطلاحا
ويطلق النسخ اصطلاحاً علی معنيين؛ أحدهما تغيير حكمٍ بالكلّية والإتيان بحكم آخر مكانه مثل تحويل القبلة من بيت المقدس إلی الكعبة المشرّفة، والمعنی الثاني للنّسخ إضافة صفة أوقيد أوشرط في الحكم السابق. وقد أطلق السلف النسخ على المعنيين كليهما، فنظراً إلى إطلاق السلف، يبلغ عدد الآيات المنسوخة إلی خمسمائة آية. ونظرا إلى اصطلاح المتأخرين الذين يرون النسخ تغيير حكم إلى حكم آخر بحيث لايمكن التوفيق بينهما يقلّ عدد الآيات المنسوخة جدا بهذا المعنى. ولأجل هذا يرى الإمام السيوطي أنّ عدد الآيات المنسوخة لايتجاوز العشرين، ثمّ جاء الإمام الشاه ولي الله الدهلوي وحاول التوفيق فيما عدّه السيوطي من المنسوخ، فبلغ عدد الآيات المنسوخة لديه إلى الخمس فقط، ولا شك أنّ هذا الاتجاه بشأن النسخ اتجاه قیّم لأنّ بقاء الحكم هو الأصل والنسخ خلافه. فأينما يمكن التوفيق بين الآيتين أو الحكمين لا ضرورة إلى القول بالنسخ، ولكن لا يعزبنّ عن البال أنّ المحاولة لتقليل النسخ ليس معناه أنّ النسخ كان عيباً في القرآن، فاستمرت المحاولة لإزالته طيلة القرون والأعصار حتی جاء الإمام ولي الله الدهلوي فحاول تقليله إلی خمس آيات، وإنّا ننتظر باحثا جديداً يوصله إلی الصفر؛ لأنّ هذا الموقف تجاه النسخ ليس لصالح الإسلام والقرآن، ولا يدفع شبهات الطاعنين بل يفتح الباب لشبهات جديدة أمام الملحدين فسيقولون انظروا إلى العلماء رجعوا عن موقف اختاروه طيلة القرون واعترفوا بكونه خطأ، ومن يضمن أنّ ما يختارونه اليوم لا يثبت خطأه غداً، وهكذا تزول الثقة عن تعاليم الكتاب والشريعة الإسلامية، ومما يجدر بالذكر أنّه وقع نظرنا إلى بحوث ودراسات لبعض العلماء المعاصرين أنّهم أنكروا النسخ بحجة أنّ قوله تعالی {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَونُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَومِثْلِهَا} يتضمّن معنی الشرط، وكأنه قضية فرضية وكقوله تعالی:{لو كان فيهما آلهة لفسدتا} أو كقوله تعالى {إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أول العابدين}.
وهذا هو الاستدلال الذي قام به أبومسلم الإصفهاني وأهل الاعتزال، ولا يخفى بطلانه لأنّ بين المتضمّن معنی الشرط وبين القضية الشرطية المصدّرة بكلمة “لو” فرق كبير.
ولم يذهب إلی هذا الاستدلال أحدٌ من الصحابة والتابعين وأهل العلم بعدهم، بل استدلّ الجميع بهذه الآية علی وقوع النسخ وذكروا قصصاً كثيرةً، بشأن الآية التي تدلّ علی وقوع النسخ ولم ينكر أحدٌ من الأمّة من المتقدمين أو المتأخرين وقوع النسخ مطلقاً، نعم! ويوجد من حاول التقليل علی طريق التوفيق مثل الإمام ولی الله الدهلوي. إنّ مشايخ ديوبند الكبار قالوا بالنسخ ومنهم من ألّف في الموضوع ولم ينكر أحدٌ منهم وقوع النسخ مطلقاً، والله سبحانه وتعالی أعلم.
قوله تعالی {ننسها} من الإنساء علی القراءة المشهورة، والمفهوم أنّ الإنساء صورة من النسخ حيث ينسی النبي صلی الله عليه وسلم وأصحابه آية، وقد وردت قصص تدلّ علی هذا النوع من النسخ، وللتفصيل يراجَع إلی كتب أصول الفقه الاسلامي.

****

أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿١٠٨﴾

التفسير المختصر
قال طائفة من اليهود للنبي صلی الله عليه وسلم: لماذا لم ينزل القرآن دفعة واحدة كما نزلت التوراة علی موسی عليه الصلاة والسلام، وانّما قالوا ذلك عناداً، فأنزل الله تعالی هذه الآية، وقال لهم هل تريدون أن تطلبوا من هذا النبي مثل ما طلبتموه من موسی من مطالب غير شرعية كطلب آباءكم رؤية الله جهرة، لأنّ مثل هذه المطالب ليست لمصلحتكم وانّما تنافي حكمة الله، ثمّ لم تقصدوا الإيمان بل أردتم إزعاج النبي بهذه المطالب الكفرية، فمن استبدل الكفر بما يفضي إليه الإيمان وما يقتضيه، فلا شكّ أنه انحرف عن جادة الحق وسقط في هوّة الهلاك.

فائدة:
وإنما حذرهم الله من هذا السؤال لأنّ الله تعالی هوأعلم بمصالح العباد، وعلی العباد أن يؤمنوا بما أنزل، ويتبعوه ويطبّقوه علی أنفسهم وينتهوا عمّا نهاهم عنه ولا يطلبوا منه غير ما جاءهم الرسول به.
وفي هذا يقول الشاعر:
زبان تازه كردن به اقرار تو نينگیختن علت از كارتو
واجب الإنسان أن يكون رطب اللسان بذكره ومقراً بألوهيته، ولا ينبغي لأحد أن يسأل عما يفعله الله تعالی.
قال العلامة الشيخ مولانا محمود الحسن الديوبندي إنّ الخطاب في هذه الآية للمسلمين، حتی لا يسألوا الرسول أسئلة غير مناسبة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات