اليوم : 23 مايو , 2018

نقض اليهود للمواثيق (تفسير آيات 83 إلى 86 من سورة البقرة)

نقض اليهود للمواثيق (تفسير آيات 83 إلى 86 من سورة البقرة)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّـهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ﴿٨٣﴾

التفسيرالمختصر:
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} في التوراة، {لَا تَعْبُدُونَ} أحدا، {إِلَّا الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}بالأخلاق الطيبة، {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} بعد الميثاق والعهد، {إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ}.

فائدة:
فالذین عملوا بالمیثاق ولم یتولوا، أولئك هم الذین طبّقوا التوراة فی حیاتهم. ولمّا نسخت التوراة، آمنوا بشریعة محمد صلی الله علیه وسلم واتبعوا الرسول.

مسئلة:
علم من الآیة أنّ الأحكام التي أمر بها بنو إسرائیل وأخذ منهم المیثاق عليها، كالتوحید والإحسان بالوالدین وذوي القربی والأیتام والمساكین والخلق الحسن والصلاة والزكاة، كلها مشتركة بین الشرائع السابقة والإسلام.

أهمية القول الحسن في الدعوة:
ممّا أوصي به بنو إسرائیل {قولوا للناس حسنا}، ومعناه إذا خاطبتم الناس، فقولوا لهم قولاً لیّناً، وبوجه طلق، سواء كان المخاطب صالحاً أو غیر ذلك، سواء كان متّبعا للسنة أو مرتكبا للبدعة.
نعم! لا تجوز المداهنة فی إظهار الحق، وإنّ الله سبحانه لمّا أرسل موسی وأخاه هارون إلی فرعون، أوصاهما بقوله: {قولا له قولاً لیناً} فلیس داعي الیوم أفضل من موسی عليه الصلاة والسلام، ولیس مخاطَب الیوم بأسوء من فرعون.
قال طلحة بن عمر رحمه الله تعالى: قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: “وقولوا للناس حسنا”. فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى، فكيف بالمسلم. ( قرطبي ج2 ص16 )

*****

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿٨٤﴾

التفسيرالمختصر:
هذه الآية تتمة لبيان الميثاق الذي ذكر في الآيات السابقة {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} في الحروب {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} على إقراركم.

فائدة:
قد یثبت الاقرار ضمناً فی كلام أحد، وإن لم یصرّح المتكلم بذلك، ولكن هؤلاء صرّحوا بالإقرار، كما أشار إلیه قوله تعالی: {ثم أقررتم} ومعنی قوله: {تخرجون أنفسكم من دیاركم} أي لا تهجروا أحداً من دیاركم بالإیذاء والتضیيق.

نماذج من نقض اليهود للمواثيق
ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٨٥﴾

التفسير المختصر
{ثُمَّ أَنتُمْ} بعد هذا الإقرار الصريح، {هَـٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ} تعينون خصومهم {عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وهناك حكم آخرتحسبونه سهلا، فتستعدّون للعمل عليه وهو: {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُومُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

فقه الحياة أو الأحكام
إنّ میثاق الله تعالی مع الیهود بالنسبة للمواطنین من قومهم تضمّن ثلاثة أمور: الأول، أن لا یقتلوا أحداً منهم. الثانی: أن لا یهجروا أحدا منهم من وطنه. الثالث: إذا وجدوا أحداً منهم فی الأسر، أن يحاولوا في إخراجه بالفدیة وإنفاق الأموال. فالیهود تركوا وأهملوا الأمرین الأولین، واهتمّوا بالأمر الأخير فقط.
كان یعیش فی المدینة حیّان من العرب هما الأوس والخزرج، وكان العداء بینهما شدیداً، وقد یفضي ذلك إلی نشوب القتال بینهم، وكانت بنو قریظه حلیفة لأوس، كما كانت بنو النضیر حلیفة للخزرج.
فكلما نشبت الحرب بینهم، كان كل فریق من الیهود یقاتل مع حلفائه، فیقتل الیهود یهودیاً آخر، ویخرّب بعضهم دیار بعض، وإذا أسر أحد من بني قریظة فدته بنو النضیر بالمال، وإذا سئلوا لم تقاتلونهم ثمّ تفدوهم؟ أجابوا: أمرنا، (أي: فی التوراة) بالفداء فیقال: فلم تقاتلونهم؟ فیقولون: نستحي أن نخذل حلفائنا. فأنزل الله تعالی هذه الآیة وفضحهم قائلا: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}. ومعنی قوله تعالی {تظاهرون علیهم بالإثم والعدوان} أي تتعاونون علیهم {بـالإثم} حیث ضیعتم حق الله، {والعدوان} حیث ضیعتم حق العباد وآذیتموهم وظلمتموهم علیهم.

فائده:
الیهود وإن كانوا كفرة بإنكارهم نبوّة سیدنا محمد صلی الله علیه وسلم، لكن في هذه الآية عبّر عن تركهم بعض الأحكام بالكفر، حيث قال الله تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}، ولقائل أن يقول: إنّ مجرد ترك المرء الأحكام ما لم یستحل الحرام، أو يحرم الحلال لا یلزم منه الكفر، فكیف كُفّروا؟ والجواب عن هذه الشبهة، أنّ الذنب إذا اشتد یطلق علیه اسم الكفر تشدیداً وتغلیظاً، كما ورد فی الحدیث “من ترك الصلاة متعمّداً فقد كفر”.
العقوبة الأولى من العقوبتين اللتين ذكرتا في الآية وهي الخزي فی الدنيا، تحققت فی عصر النبی صلی الله علیه وسلم حیث قُتلت بنو قریظة وأسروا، وعوقبوا، كما أخرجت بنو نضیر إلی الشام أذلاء مدحورین، أمّا الثانیة فسوف تتحقق یوم القیامة.

*****

أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿٨٦﴾

التفسير المختصر
سبب العقوبة فی حقّهم أنهم خالفوا أوامر الله لأجل الدنيا ولذاتها الفانیة الزائلة، كأنهم اشتروا الدنیا بالآخرة، فلا یخفّف عنهم عذاب جهنم، ولن یجدوا من ینقذهم منه ویدافع عنهم.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات