اليوم : 12 مارس , 2018

تفسير آية 59 إلى 60 من سورة البقرة

تفسير آية 59 إلى 60 من سورة البقرة

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿٥٩﴾

التفسير المختصر
{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ المراد}: هو القول الذي أمروا به عند دخول البلدة، {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}أنزلنا عليهم آفة سماوية بسبب فسقهم.

فائدة:
وكان قد أمر بنو اسرائيل، أن يقولوا حينما يدخلون البلدة {حطة} بمعنى التوبة، ولكنهم سخروا من الأمر وغيّروا الكلمة، وقالوا مستهزئين: “حبة في شعيرة”؛ فأنزل الله تعالى عليهم العذاب في صورة الطاعون وإنّ الطاعون كما ورد في الحديث عقوبة للعصاة، ورحمة للصالحين، وقد هلك بسبب الطاعون خلق كثير منهم، ويقال يبلغ عدد الهالكين إلى سبعين ألفاً. ( القرطبي )

فقه الحياة أو الأحكام
الحكم الشرعي لتغيير العبارات والكلمات:
علم من هذه الآية، أنّ بني إسرائيل أمروا أن يدخلوالبلدة تائبين وعلى ألسنتهم كلمة “الحطة”، لكنهم لسوء فعلتهم غيّروا الكلمة من “الحطة” إلى “الحنطة” ونطقوا بها، فغضب الله تعالى عليهم، وأنزل عليهم عذاباً من السماء بسبب فسقهم ومعصيتهم. وثبت من هذا أن تغيير العبارات والكلمات التي وردت في الكتاب والسنة لايجوز بالاتفاق؛ بل يعدّ هذا من الاستهزاء أوالتحريف في الكتاب. وهنا سؤال؛ ماذا حكم تغيير الكلمات مع المحافظة على المعاني؟
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: “استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها فإن كان التعبد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها لذمّ الله تعالى من بدّل ما أمره بقوله. وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه”.
وقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فحُكي عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم رحمه الله، أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته، نقل الحديث بالمعنى لكن بشرط المطابقة للمعنى بكمال، وهو قول الجمهور. ومنع ذلك جمع كثير من العلماء منهم: ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة. وقال مجاهد: انقص من الحديث إن شئت ولا تزد فيه. وكان مالك بن أنس يشدد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في التاء والياء ونحو هذا. وعلى هذا جماعة من أئمة الحديث لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره حتى إنهم يسمعون ملحونا ويعلمون ذلك ولا يغيّرونه. وروى أبو مجلز عن قيس بن عباد قال، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من سمع حديثا فحدث به كما سمع فقد سلم. وروي نحوه عن عبد الله بن عمرو وزيد بن أرقم. وكذا الخلاف في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان فإن منهم من يعتد بالمعنى ولا يعتد باللفظ ومنهم من يشدد في ذلك ولا يفارق اللفظ. وذلك هو الأحوط في الدين والأتقى والأولى، ولكن أكثر العلماء على خلافه والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى، وذلك أن المعلوم من سيرة الصحابة رضي الله عنهم هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتحدة بألفاظ مختلفة، وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث ولا كتبها، وروي عن واثلة بن الأسقع أنه قال: ليس كل ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلناه إليكم، حسبكم المعنى. وقال قتادة عن زرارة بن أوفى: لقيت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا علي في اللفظ واجتمعوا في المعنى. وكان النخعي والحسن والشعبي رحمهم الله يأتون بالحديث على المعاني وقال الحسن: إذا أصبت المعنى أجزأك. وقال سفيان الثوري رحمه الله: إذا قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى. وقال وكيع رحمه الله: إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس. واتفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم وذلك هو النقل بالمعنى. وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قصّ من أنباء ما قد سلف فقص قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي وهو مخالف لها في التقديم والتأخير والحذف والإلغاءوالزيادة والنقصان، وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فلأن يجوز بالعربية أولى. احتج بهذا المعنى الحسن والشافعي وهو الصحيح في الباب. فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها كما سمعها” وذكر الحديث. وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا أن يقول عند مضجعه في دعاء علّمه “آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت” فقال الرجل: ورسولك الذي أرسلت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ونبيك الذي أرسلت”. قالوا: أفلا ترى أنه لم يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ وقال: “فأداها كما سمعها”. قيل لهم: أما قوله: “فأداها كما سمعها” فالمراد حكمها لا لفظها، لأن اللفظ غير معتد به، ويدل على أن المراد من الخطاب حكمه، قوله: “فربّ حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه”. ثم إن هذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، وإن أمكن أن يكون جميع الألفاظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة لكن الأغلب أنه حديث واحد نقل بألفاظ مختلفة وذلك أكبر دليل على الجواز. وأما ردّه عليه السلام الرجل من قوله: “ورسولك إلى قوله ونبيك” لأن لفظ النبي أمدح، ولكل نعت من هذين النعتين موضع. ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة واسم النبي لا يستحقه إلا الأنبياء عليهم السلام! وإنما فُضّل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة. فلما قال: “ونبيك” جاء بالنعت الأمدح، ثم قيده بالرسالة بقوله: “الذي أرسلت”. وأيضا فإن نقله من قوله: “ورسولك إلى قوله ونبيك” ليجمع بين النبوة والرسالة . (القرطبي، ج1، ص 413)
وهناك وجه آخر أيضا، وهو أن في اتباع الألفاظ المأثورة في الأدعية خواص وآثار خاصة ليست في غيرها من الألفاظ. لأجل هذا نشاهد الكثير من الراقين يهتمون بالألفاظ في رقاهم ويحتاطون في أن لا يحدث تغيير في الألفاظ المأثورة، بناء على هذا يمكن أن يقال إن الأدعية المأثورة داخلة ضمن القسم الأول الذي يعتبر فيه حفظ الألفاظ ضروريا مع ضرروة حفظ المعاني، والله سبحانه وتعالى أعلم.

****

وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّـهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٦٠﴾

التفسير المختصر
{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ} واذكر عندما سأل موسى السقي لقومة، {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} أمرنا موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك الحجر، سيخرج منه ماء. {فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} وكان بنو إسرائيل أيضا إثنتا عشرة طائفة. {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} من الأكل والشرب.

فائدة:
ممّا وقع في وادى التيه، أنّ القوم عطشوا وطلبوا الماء فدعا سيدنا موسى عليه السلام ربه، فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه الحجر، فخرجت اثنتا عشرة عيناً من الحجر، وكان بنو إسرائيل اثنتي عشرة طائفة؛ كل ينتمي إلى واحد من أبناء يعقوب عليه السلام الاثني عشرة، وكل طائفة منهم يختلف عن الآخر في إدارة الشؤون وكل له أمير وقائد يختصّ به فصار لكل جماعة منهم عينا يشربون منها، حتى لا تقع بينهم الشحناء.
{ كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين }
أي فقلنا لهم كلوا من المنّ والسلوى واشربوا مما فجرنا لكم من الحجر الصلد، ولا تنشروا الفساد في الأرض بأعمالكم السيئة. وقد جاء هذا النهي عقب الإنعام عليهم بطيّب المأكل والمشرب خيفة أن ينشأ الفساد بزيادة التبسط منهما ولئلا يقابلوا النعم بالكفران. (المراغي)
يقول القاضي البيضاوي: ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلّة تدبّره في عجائب صنعه، فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر، وينفر عن الخل ويجذب الحديد، لم يمتنع أن يخلق الله حجراً يسخره لجذب الماء من تحت الأرض، أو لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة التبريد ونحوذلك.(تفسير البيضاوي)
فهل يتدبر عقلاء زماننا الذين قد يشكون في قدرة الله؟! أليس الله بقادر أن يخرج الماء من الحجر؟! فالذين يستحيلون مثل هذا الأمر أمام قدرة الله، هل هم فكروا في معنى المحال وحقيقته؟

فقه الحياة أو الأحكام
ذكر الله تعالى في الآية أن موسى عليه السلام استسقى لقومه، ودعا ربه فأجاب الله دعوته وانفجر الماء من الحجر، علم من هذا أن الأصل في الاستسقاء الاكتفاء بالدعاء، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ويمكن أن يكون الاستسقاء بالصلاة أيضاً كما ورد في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا أراد أن يستسقي، ذهب إلى المصلى، فصلّى وخطب، ودعا، وابتهل، وكذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتفي بالدعاء دون الصلاة، كما أخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه “أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو باب دارالقضاء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس رضي الله عنه: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت دار، قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلمّا توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. 3 / 507 صحيح البخاري مع الفتح.
واتفق الجميع أنّ الاستسقاء سواء كان في صورة الصلاة أو الدعاء يفيد إذا كان مع التوبة وترك المعاصي والذنوب وإظهار الفقر والمسكنة والعبودية لله، فلا يستجاب الدعاء مع الغفلة والإصرار على المعاصي إلا من رحمه الله وهو على كل شيء قدير.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات