اليوم : 23 ديسمبر , 2014

تقرير عن مؤتمر طلابي لدارسة تاريخ إيران الإسلامي في القرون الأربعة الأولى

تقرير عن مؤتمر طلابي لدارسة تاريخ إيران الإسلامي في القرون الأربعة الأولى

عقدت لجنة الفكر والإصلاح مساء الأربعاء 17 صفر  جلسة عنوانها “المؤتمر الطلابي لدارسة والبحث في تاريخ إيران الإسلامي في القرون الأربعة الأولى” في الجامع المكي في مدينة زاهدان عاصمة محافظة سيستان وبلوشستان. المؤتمر لقي استقبالا رائعا من جانب أساتذة وطلبة العلوم الشرعية وعامّة الناس.

جدير بالذكر أن المؤتمر انطلقت أعماله بكلمة تمهيدية ألقاها الأخ “ذاكري فر” تطرق فيها إلى تاريخ فتح الإسلامي لإيران؛ وكيف أسلمت إيران ونجى الأقوام الإيرانية من التشتت والعقائد المتنوعة وجور الأديان الكاذبة الباطلة، وطويت بسط عبادة النار وتقديس الملوك إلى الأبد.
 ثم ألقى “زين العابدين سيد زاده” أحد طلبة جامعة دارالعلوم زاهدان مقالة في موضوع “الأوضاع السياسية والاجتماعية في إيران قبل الإسلام وأسباب انحطاط الدولة الساسانية”
 وصف “سيد زاده” أوضاع إيران الاجتماعية والسياسية بـ”المؤسفة للغاية”، وأضاف قائلا: التمييز بين طبقات الشعب وحرمان معظم طبقات الشعب الإيراني من أبسط حقوق الحياة وحق المالكية لقد جعل الدولة الساسانية في ظروف حرجة جدا. كانوا يبالغون في تمجيد القومية الفارسية، ويستهزئون بالأقوام والشعوب المجاورة الأخرى. ولم تكن للمرأة أي قيمة ولا أي حقوق إنسانية في المجتمعات المجوسية والساسانية.
 كما اعتبر الأخ سيد زاده، “الانحطاط العقدي”، “نهاية حكومة آل لخم”، “نفوذ المسيحيين في البلاط الإيراني”، “التجمل” و “الإساءة إلى رسالة الرسول الكريم” من أهم عوامل سقوط الدولة الساسانية.

 لماذ اعتنق الإيرانيون الإسلام
بحث “محمد ذاكر رضايي” في محاضرته، عوامل سقوط الدولة الساسانية،و عوامل إقبال الشعب الإيراني على الدين الإسلامي.
اعتبر رضايي “الهّوة الواسعة بين الطبقات في الديانة المجوسية”، “استقرار العرب داخل المدن الإيرانية” و”عدم قوة الديانة المجوسية لتلبية حاجات الناس”، من ناحية و وجود “المساوة والعدل في الإسلام” و “فطرية الدين الإسلامي” من ناحية أخرى، من أهم عوامل قبول الإيرانيين للدين الإسلامي.

 النظام الطبقاتي في العهد الساساني وكيفية تعاملهم مع الصحابة رضي الله عنهم
تحدّث “عبد الغفور دوراني”، أستاذ التاريخ في جامعة دارالعلوم زاهدان، في محاضرته عن الطبقات الاجتماعية في العهد الساساني وكيفية تعامل الحكومة الساسانية مع العرب المسلمين.
أشار الشيخ “دوراني” في مقالته أن المجتمع الساساني كان منقسما إلى الطبقات المذكورة من أبرزها: “الملوك”، “الأمرا والقادة”، “الدهاقنة أو الحكام المحليون”، “أهل بيوتات، عائلات الأشراف”، “الفلاحون والرعايا”، “المؤظفون”، “العمال” و “المغان أو علماء الديانة المجوسية”

أهمية التاريخ الإسلامي:
واستمر المؤتمر بكلمة ألقاها فضيلة الدكتور عبيد الله، أستاذ جامعة دارالعلوم زاهدان، في أهمية علم التاريخ، وتابع فضيلته قائلا:
حسب وجهة نظر الخبراء والباحثين، لم تهتم أمة بكتابة التاريخ اهتمام الأمة المسلمة. فالمسلمون مع التزام أصول ومناهج كانوا من السابقين الذين رفعوا خطوات جادة في كتابة التاريخ.
أشار الدكتور عبيد الله أيضا إلى ضرورة تعلم التاريخ ودراسته كعلم مستقل، قائلا: مقولة شهيرة “من لا ماضي له، لا حاضر له، ومن لا حاضر له لامستقبل له” فمعرفة الماضي تمهيد للتخطيط للحال والمستقبل وإضاءة السبل لمستقبل زاهر.
القرآن الكريم في مواضع عديدة، تحدث عن مصير أقوام وشعوب عاصية، وكيفية خلق العالم، ثم يدعوا المخاطبين إلى التعقل والتدبر.
وتابع أستاذ الحديث في جامعة دارالعلوم زاهدان: يرى البعض أن التاريخ علم مصطنع وبدعة جمعت أنواع الغيبة وتذكرة لمساوئ أمم خلوا، وتعرّض حرمة الإنسان وكرامته للسؤال. العلامة السخاوي، المؤرخ والجغرافي المعروف في العالم الإسلامي، ألف كتابه القيم “الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ” ردا على هذه الفكرة، وأجاب عن الشبهات حول التاريخ.
 وأضاف فضيلته: ادعى اشخاص آخرون مثل “دكارت الفرانسوي” وهدفه التقليل من أهمية التاريخ، أن التاريخ ليس علما، لأنه لا تعرض فيه قوانين ثابتة وعامة. هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة مستقلة أوسع من إطار هذا المؤتمر. إن مقدمة ابن خلدون، حجة قوية وحية أيضا في الرد على هذا الإدعاء. وهي مقدمة توجد في مطالعتها وقرائتها روعة وجذابية لكل طالب وعالم وأستاذ أيا كان مستواه العلمي. يعتقد ابن خلدون في هذه المقدمة أن “التاريخ علم، يجب تدريسه لدى الأساتذة المجربين في مستويات عديدة”.

العوامل المؤثرة في نشأة التاريخ الإسلامي:
ألقى إسماعيل ريغي، الأمين العام السابق لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية في محافظة سيستان وبلوشستان والأستاذ السابق في جامعة زاهدان،محاضرة حول عوامل نشأة التاريخ الإسلامي قائلا:
ما يتفق عليه المؤرخون أن علم التاريخ في الإسلام نشأ من علم الحديث الشريف. علم الحديث هو أمّ علم التاريخ بعد الإسلام. كذلك كتابة سيرة الرسول الكريم مهدت الطريق لكتابة التاريخ بعد الإسلام. “اوانب بن عثمان” و”عروة بن الزبير” كانا أول من كتبا في السيرة والمغازي.
ويعتبر سيرة “ابن هشام” وكذلك سيرة “ابن اسحق” من المصادر الابتدائية في السيرة.
واعتبر “ريغي” فتح البلاد والمناطق المختلفة وكتابة المغازي، و علاقة المسلمين بالأمم والشعوب المختلفة من العوامل الأخرى لكتابة التاريخ بين المسلمين.
وقسم “ريغي” المصنفات التاريخية في الإسلام إلى ثلاث مراحل “تأليف كتب السيرة والمغازي في القرن الثاني وأوائل القرن الثالث”، و”تأليف التاريخ العام كتاريخ اليعقوبي، والطبري ومروج الذهب في القرن الرابع” و”تاريخ ابن أثير وتاريخ أبو الفداء”.
 ثم استطرد قائلا: الطبري هو شيخ المؤرخين، ومؤسس المكتب الجديد للتاريخ بالأسلوب الحديث. لكن علينا أن لا ننسى ابن خلدون؛ لأنه كان أول من صنف في فلسفة التاريخ، وإن كان البعض يدعون أن “هغلت” طرح فلسفة التاريخ في القرن الثامن عشر، لكن الحقيقة أن ابن خلدون أول من صنف وتكلم في فلسفة التاريخ في القرن الثامن.
 وأشار إسماعيل ريغي  في نهاية كلمته إلى  ذكر مكاتب التاريخ المختلفة وهي:
1- مكتب الحجاز، ومركزه المدينة المنورة، ومن رجال هذا المكتب عبد الله بن عباس، إبان بن عثمان، وشرحبيل بن سعد وعروة بن زبير؛
2- مكتب العراق ومركزه البصرة. ينتمي أبو مخنف، سيف بن عمر التيمي وهشام الكلبي إلى هذا المكتب؛
3- مكتب اليمن، كعب الأحبار ووهب بن منبه، ينتميان إلى هذا المكتب؛
4- مكتب الشام الذي إليه ينتمي أمانة بن حكم و محمد بن ساب الكلبي؛
5- مكتب فارس الذي منه برز عبد الله بن مقفع وحيثم بن عدي وبلاذري؛
6- مكتب الأندلس والمغرب الذي إليه ينتمي القرطبي.

الأقوام الإيرانية في جزيرة العرب
تطرق الشيخ عبدالرئوف شهنواز، من خريجي جامعة دارالعلوم زاهدان في هذا المؤتمر إلى التعريف بالأقوام الإيرانية التي كانت تسكن جزيرة العرب قبل وبعد الفتح الإسلامي قائلا: كان يسكن أقوام من “مكران” و”جنوب كرمان” وكذلك من إقليم “سند” في جزيرة العرب قبل الإسلام وبعده؛ من أشهر هذه الأقوام؛ الزّط” و “الأساورة” الذين هم من البلوش. وفي الحديث “كأنهم قوم من الزط” الزط هم الجرذكال الذين يعيشون حاليا في مكران وسند.
وأضاف عبد الرئوف قائلا: ذكر المؤرخون أن المسلمين واجهوا قوما يسمون “أساورة” في حربهم ضد الساسانية. أسلم الاساورة بعد مفاوضات، وكان لهم دور حاسم في الفتوحات الأخرى للمسلمين في بلاد فارس، نظرا إلى معرفتهم الجغرافية بالمدن الإيرانية.
 وأشار شهنواز إلى المكانة العلمية لبعض هذه الأقوام قائلا: “ميمون بن سياه” كان ابن “سياه سوار” (القائد البلوشي المعروف الذي أسلم ولحق بجيش الصحابة الغازين لإيران) محدثا بارزا وكان من كبار التابعين. عبد العزيز الولد الآخر لـ”سياه سوار” أيضا من الرواة الثقاة في البخاري ومسلم.

فوائد علم التاريخ في كلام الشيخ القاسمي
في نهاية المؤتمر، شكر فضيلة الشيخ المفتي محمدقاسم القاسمي أستاذ الحديث في جامعة دارالعلوم زاهدان الحاضرين في المؤتمر والقائمين عليه، معربا عن أمله بأن يكون هذا المؤتمر نقطة انطلاق للقيام بالمعرفة الصحيحة والدقيقة للتاريخ الإسلامي، ودخول الدين الإسلامي بلاد إيران ودراسة علل وأسباب إنحطاط الشوكة الدينية والإسلامية بها، بعد قرون طويلة من العزة والعظمة.
وتابع الشيخ القاسمي حديثه ببيان مذكّرة لرحلة الشيخ العلامة الندوي رحمه الله إلى شيراز قائلا: كتب الأستاذ الندوي في رحلته إلى الشيراز؛ لما كنت في شيراز،تداعى في خاطري كيف هزم العرب الذين كانوا حفاة وكانوا يعيشون قبل ذلك حياة تسمى جاهلية أعظم  إمبراطورية في عصرهم. بعد دراسة عواملها وعللها أدركت أن إيران في ذلك الزمان كانت مترفة ومتنعمة. كذلك يكتب الإمام ولي الله الدهلوي في كتاب “المدنية العجمية عند بعثة الرسول”: العرب كانوا يعيشون حياة بسيطة خلافا للعجم. وكان همّهم الوحيد، الاعتقاد والإيمان، والصلة مع الرب تبارك وتعالى و العلم وإرادة الخير بالناس. لأجل هذا سقطت إمبراطورية إيران العظيمة مقابل هذه الأخلاق السامية.
ثم أشار رئيس تحرير مجلة “نداي إسلام” الفارسية إلى بيان بعض فوائد دراسة التاريخ قائلا:
1- التاريخ يزيد في معرفة الإنسان، وفي ظلّ معرفة التاريخ بإمكاننا أن نملك حالا ومستقبلا جميلين؛
2- التاريخ يقوي الشعور بالعبرة وتلقّي الدروس؛
3- الإصلاح والتحول يأتيان بعد معرفة عواملهما الماضية؛
4- التاريخ يحيي القيام بالرسالة فينا؛ يقول العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى: “إن الأمم أيها السادة لا تعيش بالحضارات ولا تعيش باللغات ، وإذا عاشت كانت حياتها قصيرة ومصطنعة وسطحية ، إن الأمم تعيش بالرسالات”
5- التاريخ يحيي الخلاقية  والابتكار في البشر؛
6- التاريخ ينفخ الروح في حياة الإنسان؛
7- التاريخ يحفظ الإنسان من تكرار أخطاء السابقين. يقول السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى في رحلته إلى الأندلس- مهد الحضارة الإسلامية في المغرب- عن نفسه وعن العلامة محمد إقبال رحمه الله تعالى: شعرنا هناك أن أرواح الأسلاف استقبلتنا، واعتنقتنا قائلة: لا تعيدوا أخطائنا وأخطاء شعبنا، أخطائنا غيرت مجرى التاريخ. يقول محمد إقبال رحمه الله تعالى: لو لم تكن المدارس الدينية والعلماء في الهند، لتكررت كارثة الأندلس مرة أخرى في الهند”
خاطب فضيلة الشيخ القاسمي الطلبة والمشتاقين لعلم التاريخ قائلا: لاتكفي قراءة التاريخ ومطالعة كتبها، علينا أن نكون صناعا للتاريخ. حكاية قصص الأمم والشعوب ليست مجدا وعزة. بل الفخر في أن يحكي الآخرون حياتنا وتاريخنا.
 
ثم انتهى المؤتمر بدعاء مخلص وخالص لفضيلة الشيخ عبد الحميد حفظه الله تعالى.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات