اليوم : 3 نوفمبر , 2014

ما أُمر به بنو إسرائيل (تفسير آية 40 إلى 42 من سورة البقرة)

ما أُمر به بنو إسرائيل (تفسير آية 40 إلى 42 من سورة البقرة)

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)

التفسير المختصر
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} أولاد يعقوب عليه السلام {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} ليكون الإيمان لكم سهلا بسبب حق النعمة. ثم يبين المراد من الذكر في الآيات الآتية {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} العهد الذي عهدت إليكم في التوراة، وبيّن المراد من ذلك العهد في هذه الآية من القرآن الكريم “ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل، وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} بما ضمنت لكم مقابل الإيمان كما هو في هذه الآية “لأكفرن عنكم سيئاتكم” {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} اتقوني ولا تخافوا أتباعكم ومحبيكم من الناس بأن لا تبقى محبتكم عندهم وتنقطع أموالهم التي تأتيكم {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ} يعني القرآن الكريم {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} يصدّق القرآن بأن التوراة كتاب سماوي، والتي وقعت من التحريفات فهي خارجة عن كونها من التوراة أو الإنجيل، فلا يلزم من تصديق الكتابين، تصديق تلك التحريفات {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} يعني إذا أنكر وكفر الآخرون بعد ما وجدوكم تكفرون بالقرآن وآياتها، فأنتم السبب لكفرهم وإنكارهم؛ فيكتب وزر كفرهم وإنكارهم أيضا في صحائف أعمالكم إلى يوم القيامة، {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} يعني لا تأخذوا العرض الحقير من أموال الدنيا من الناس بدلا لإنكاركم أحكامنا أو تحريفها أو كتمانها، حيث كانت هذه عادتهم التي أشير إليها في آية “ولا تلبسوا الحق بالباطل” {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنّ كتمان الحق عمل قبيح.

فقه الحياة أو الأحكام
المناسبة:
بدأت سورة البقرة بالكلام عن القرآن الكريم، مشيرة إلى أن القرآن وإن كان هدي للناس جميعا، لكن المؤمنين هم الذين يستفيدون منه. ثمّ أشارت إلى العذاب الشديد لمن لم يؤمن به وهما فئتان من الناس؛ الأولى كفار ومنكرون خالصون، والأخرى منافقون. وأشارت أيضا إلى ذكر الفئتين مع شيء من أحوالهم وقبائحهم.
بعد ذلك وجّه خطابا مع التأكيد إلى الطبقات الثلاث؛ المؤمنين والمشركين والمنافقين، على أن يعبدوا الله تعالى، كما دعا الجميع إلى الإيمان بالله تعالى مع الإشارة إلى شيء من إعجاز القرآن الكريم.
وتناولت سورة البقرة أيضا البحث عن كيفية خلق الإنسان وعن ماهيته وحقيقته، وبيّنت قدرة الله الكاملة، ليهتم الناس بعبادة الله تعالى وإطاعته والاجتناب عن معصيته. وأشارت أيضا إلى أن الكفار والمنافقين الخالصين منقسمون إلى نوعين: الأول عبدة الأصنام والمشركون الذين كانوا يتبعون ما وجدوا عليه آبائهم، وهؤلاء كانوا أميين لا يعرفون شيئا، كعامّة أهل مكة الذين وصفهم القرآن الكريم بالأميين. والثاني هم الذين آمنوا بالأنبياء السابقين وكانوا يعرفون أحكام كتبهم السماوية كالتوراة والإنجيل ويسمّون أهل الكتاب. ثمّ طائفة من أهل الكتاب يؤمنون بسيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام ولا يؤمنون بعيسى عليه الصلاة والسلام وهم اليهود. وطائفة أخرى كانوا يؤمنون بعيسى عليه الصلاة والسلام ولا يؤمنون بموسى كنبيّ معصوم ويسمّون النصارى. القرآن الكريم سمّى الطائفتين بأهل الكتاب، لأن كل طائفة منهم يؤمن بواحد من هذين الكتابين السماويين، التوراة أو الإنجيل.
أهل الكتاب كانوا موضع ثقة من الناس لعلمهم ومعرفتهم، وكانت لهم منزلة وكلمة مسموعة. فلو اهتدى أهل الكتاب فكان الرجاء كبيرا في إسلام غيرهم من المشركين والكفار. وكان أهل الكتاب معظمهم يسكنون في المدينة المنورة وجوارها. ولما كانت سورة البقرة سورة مدنية خصّت في خطابها أهل الكتاب بعد المشركين والمنافقين، حيث خوطبوا بدءً من آية 41 إلى آية 133 من السورة.
أشارت هذه الآيات أولا إلى شرفهم وكرامتهم في النسب، وتكريمهم في هذه الدنيا، والنعم الكثيرة التي منحوا إستئناسا لهم. ثمّ ذكرتهم على ضلالاتهم وسيئاتهم، ودعتهم إلى الصراط المستقيم.
في الآيات السبع الأولى ورد الخطاب مجملا؛ في ثلاث منها دعوا إلى الإيمان، وفي الأربع الأخرى دعوا إلى الأعمال الصالحة، ثم استمرّ الخطاب بالبسط والتفصيل.
الخطاب المبسوط بدأ بقوله “يا بني إسرائيل” وجرى الاهتمام بنفس العبارة في آخر الآية حيث أعيدت تلك الكلمات التي بدأ بها الخطاب، وهذا أسلوب مشهور في الكلام يُستخدم لإيقاعه وجعله مؤثرا في النفوس.

{يبني إسرائيل}:
إسرائيل كلمة عبرية معناها عبد الله، وهي الإسم الآخر لسيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام.قال بعض العلماء: ليس لنبي سوى الرسول الكريم أسماء عديدة إلا سيدنا يعقوب عليه الصلاة، فله إسمان: “يعقوب” و”إسرائيل”. القرآن الكريم لم يخاطبهم في هذا الموضع بـ”بني يعقوب”، بل استعمل الإسم الثاني (إسرائيل) في خطابهم، والحكمة في ذلك أن يعلموا من إسمهم ولقبهم أنهم أبناء شخص كان عابدا لله تعالى، ويجب عليهم أيضا السير على خطاه. خاطب في هذه الآية بني إسرائيل قائلا:

{أوفوا بعهدي}:
وهو العهد المذكور كما قال قتادة ومجاهد رحمهم الله تعالى في آية “وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ الله إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضًا حَسَنًا” (الجزء السادس، سورة المائدة).
الجزء الأهمّ في هذا الميثاق هو الإيمان بكافة الأنبياء والمرسلين، والذي يشمل نبينا الكريم محمدا صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص، ويشمل أيضا الصلاة والزكاة والصدقات، والتي خلاصتها الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وإتباعه الكامل. لأجل هذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: المراد من هذا العهد إتباع محمد صلى الله عليه وسلم. (ابن جرير بسند صحيح)

{أوف بعهدكم}:
وعد الله تعالى في هذه الآية المذكورة الموفين بالعهود بمغفرة ذنوبهم ودخولهم الجنة، وسيجعلهم الله تعالى سعداء بنعم الجنة تحقيقا للوعد.
خلاصة الكلام! يا بني إسرائيل أوفوا بعهدي الذي هو إتباع محمد صلى الله عليه وسلم سأوفي أنا بعهدي الذي هو مغفرة ذنوبكم والجنة، ولا تخافوا أتباعكم ومحبيكم، بأنكم لو قلتم ما يغاير أهوائهم وأغراضهم سوف يكرهونكم وتنقطع الأموال التي تصلكم من ناحيتهم.

فضيلة خاصة للأمة المحمدية
ورد في تفسير القرطبي ما معناه أن الله سبحانه وتعالى دعاَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إلى ذكره وطاعته بِذِكْرِ نعمه. لكن لما دعا أمة محَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلى ذكْره قال:“فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ” دون أن يذكر شيئا من نعمه وإحسانه، وفي هذا إشارة إلى فضيلة خاصة للأمة المحمدية، وهي أن هذه الأمة لا واسطة بينهم وبين منعمهم ومحسنهم؛ فهم يعرفون المنعم ثمّ يعرفون نعمه وإحسانه، بخلاف الأمم الأخرى التي تعرف المنعم من خلال إحسانه ونعمه.
الإيفاء بالعهد واجب ونقضه حرام
علم من هذه الآية أن الإيفاء بالعهود واجب ونقضها لا يجوز، وقد ذكر هذا الموضوع بشيء من التفصيل في سورة المائدة عند قوله تعالى “وأوفوا بالعقود”. وقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ”.

من سبب حسنة يعطى له ثواب المحسنين، ومن سبب سيئة يعطى له وزر المسيئين:
قوله “ولا تكونوا أول كافر به”:
إن الكفر جريمة مستنكرة، سواء كان أولا أو آخرا. فلماذا قال في هذه الآية “ولا تكونوا أول كافر به”؟ فيه إشارة إلى أن الذي يختار الكفر، فمن رآه واختار بعده الكفر، يكون وبال الكفر عليه وعلى ذلك الشخص الذي كفر أولا ويكون الكافر الأول سببا لكفر غيره بجانب كفره، ويحمل وزر كفر الغير كما يحمل وزر كفره ويتضاعف عذابه يوم القيامة.

الفائدة:
علم من هذا أن الذي يكون سببا لوقوع الآخرين في المعاصي والسيئات، يكون شريكا في إثم جميع من كان سببا لهم في ارتكاب المعاصي والذنوب. هكذا من سنّ سنة حسنة وصار سببا لحسنات أشخاص، يكتب أجر تلك الحسنات والأعمال الصالحة في صحيفة أعمال هذا الشخص كما يكتب لفاعلها. أشير إلى هذا الموضوع في الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الكثيرة مرارا وتكرارا.

“لا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا”:
يفهم من سياق هذه الآيات وسباقها عدم جواز أخذ الأجرة بدل آيات الله، رغبة في مرضاة الناس وتحقيقا لأهوائهم وأغراضهم، بتحريف الآيات القرآنية أو كتمان حقائقها والمعاني الحقيقية لها.

أخذ الأجرة على تعليم القرآن:
هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وهل إذا أخذ على التعليم أجرا يدخل في “الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا”؟ الجواب أن الآية لا تنطبق على هذا، ولكن مسئلة أخذ الأجرة على تعليم القرآن مسئلة تسترعي الانتباه، وقد اختلفت آراء الفقهاء بشأنها. فيجوز عند مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، ولا يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله ويوافقه بعض الأئمة، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من أن يتخذ القرآن وسيلة لاكتساب المعاش.
لكن المتأخرين من الحنفية لما شاهدوا ضعف الحالة الدينية وعدم اهتمام الحكومات بالشؤون الدينية والتعاليم الإسلامية، جوّزوا أخذ الأجرة المناسبة كي لايضيع العلم، لأن العلماء والمعلمين لو اشتغلوا بالتجارة واكتساب المعاش لانسدّ باب التعليم. وقال الإمام أبو الحسن المرغيناني، صاحب الهداية: “ينبغي أن يفتى اليوم بجواز أخذ الأجرة”.
وألحق الفقهاء الآخرون بتعليم القرآن أعمالا أخرى عليها بقاء الدين، مثل الأذان والإمامة في الصلاة وتعليم العلوم الدينية، وجوّزوا أخذ الأجرة على ذلك. (الدر المختار ورد المحتار)

لا يجوز أخذ الأجرة على ختم القرآن لإهداء الثواب:
أوضح العلامة ابن عابدين الدمشقي رحمه الله في حاشيته على “الدر المختار” ورسالته “شفاء العليل” قضية الاستئجارعلى التعليم الذي أفتى المتأخرون من الفقهاء بجوازه، بالبسط والتفصيل وبدلائل قوية وحجج ساطعة، حيث أشار إلى اتفاق كلمة الفقهاء جميعا على التعليل في هذه المسألة بالضرورة التي يختل باختلالها الدين كاملا، فيجب حصر حكم هذه المسألة في مواضع الضرورة. لأجل ذلك لا يجوز قراءة القرآن لإهداء الثواب إلى الأموات بدل أخذ الأجرة، لأنها ليست عن ضرورة دينية عامّة. فإذا كانت القراءة بدل الأجرة حراما، يرتكب القارئ والذي يعطي الأجرة المعصية. فإذا لم يحصل ثواب للقارئ بقراءات، فأيّ شيء يهديه إلى الميِّت؟
ذكر ابن العابدين رحمه الله تأييدا لكلامه أقوال الكثيرين من الفقهاء من “تاج الشريعة” و”العيني شرح الهداية” وحاشية “خير الدين على البحر الرائق” وغيرها من الكتب، ونقل أيضا قول خير الدين الرملي: “القراءة على القبر أو القراءة لأجل المال بدعة لَمْ يفعلْها أَحد من الصحابة والتابعين وأسلاف الأمّة”.

لا يجوز كتمان الحق ولبسه بالباطل:
ثبت من قوله تعالى “ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون” أنّ لبس الحق بالباطل بحيث يقع المخاطب في الخطأ والاشتباه، لا يجوز بأي حال، كما لا يجوز كتمان الحق خوفا من أحد أو طمعا في شيء.
ذكر الإمام القرطبي في تفسيره قصة عن اجتناب كتمان الحق وهي قصة التابعي أبي حازم رحمه الله تعالى مع الخليفة سليمان بن عبد الملك. كيف صرح بالحق ولم يلبسه بالباطل، والقصة جديرة بالذكر والتأمل لما فيها من فوائد.

أبو حازم بين يدي سليمان بن عبد الملك:
رَوَى الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ “مرّ سليمان بن عبد الملك بالمدينة -وهو يريد مكة- فأقام بها أياما فقال: هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالوا له: أبو حازم. فأرسل إليه. فلما دخل عليه قال له: يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين وأي جفاء رأيت مني؟ قال: أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني! قال يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن ما عرفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك! قال: فالتفت إلى محمد ابن شهاب الزهري فقال: أصاب الشيخ وأخطأت. قال سليمان: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟! قال: لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. قال أصبت يا أبا حازم. فكيف القدوم غدا على الله تعالى؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان وقال: ليت شعري! ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله. قال: وأي مكان أجده؟ قال: “إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم” [الانفطار: 14 – 13]. قال سليمان: فأين رحمة الله يا أبا حازم؟ قال أبو حازم: رحمة الله قريب من المحسنين. قال له سليمان: يا أبا حازم فأي عباد الله أكرم؟ قال: أولو المروءة والنهى. قال له سليمان: فأي الأعمال أفضل؟ قال أبو حازم: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال سليمان: فأي الدعاء أسمع؟ قال دعاء المحسن إليه للمحسن. فقال: أي الصدقة أفضل؟ قال: للسائل البائس وجهد المقل. ليس فيها من ولا أذى. قال: فأي القول أعدل؟ قال: قول الحق عند من تخافه أو ترجوه. قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها. قال: فأي المؤمنين أحمق؟ قال: رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره. قال له سليمان: أصبت، فما تقول فيما نحن فيه؟ قال يا أمير المؤمنين أو تعفيني؟ قال له سليمان: لا! ولكن نصيحة تلقيها إلي. قال: يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوه وما قيل لهم! فقال له رجل من جلسائه: بئس ما قلت يا أبا حازم! قال أبو حازم: كذبت إن الله أخذ ميثاق العلماء “لتبيننه للناس ولا تكتمونه”(هذا هو موضع الاستدلال الذي لأجله ساق الإمام القرطبي رحمه الله تعالى القصة الطويلة في تفسير الآية المذكورة). قال له سليمان: فكيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون الصلف وتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية. قال له سليمان: فكيف لنا بالمأخذ به؟ قال أبو حازم: تأخذه من حله وتضعه في أهله. قال له سليمان: هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك؟ قال أعوذ بالله! قال له سليمان: ولم ذاك؟ قال: أخشى أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات. قال له سليمان: ارفع إلينا حوائجك. قال: تنجيني من النار وتدخلني الجنة. قال له سليمان: ليس ذاك إلي! قال له أبو حازم: فما لي إليك حاجة غيرها. قال: فادع لي. قال أبو حازم: اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى. قال له سليمان قط! قال أبو حازم: قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله، وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر. قال له سليمان: أوصني. قال: سأوصيك وأوجز. عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك.
فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير. قال فردها عليه وكتب إليه يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلا وما أرضاها لك فكيف [أرضاها]لنفسي! إن موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليه رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان [فسألهما فقالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير] فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير. وذلك أنه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان، فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة وبقوله. فقال أبوهما وهو شعيب عليه السلام هذا رجل جائع. فقال إحداهما: اذهبي فادعيه. فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فشق على موسى حين ذكرت “أجر ما سقيت لنا” ولم يجد بدا من أن يتبعها، لأنه كان بين الجبال جائعا مستوحشا. فلما دخل على شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعشى. فقال له موسى عليه السلام أعوذ بالله! فقال له شعيب: لم؟ أما أنت جائع؟ قال بلى ولكني أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من ديننا بملء الأرض ذهبا. فقال له شعيب لا يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي؛ نقري الضيف ونطعم الطعام. فجلس موسى فأكل.
فإن كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت، فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه. وإن كان لحق في بيت المال فلي فيها نظراء، فإن ساويت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة”.
(وصفُ أبي حازم أخذ الأجرة على نصائحه بالميتة والدم ولحم الخنزير، يوضح على أن أخذ الأجرة على الطاعات والعبادات لم يكن جائزا عنده)

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات