اليوم : 3 سبتمبر , 2014

باكستان؛ أزمة سياسية أم انقلاب عسكري ناعم!

باكستان؛ أزمة سياسية أم انقلاب عسكري ناعم!

منذ أشهر تشهد باكستان احتجاجات واعتصامات، يقودها زعيمان مختلفان في الفكر والرؤى؛ أحدهما: لاعب الكريكيت السابق “عمران خان”، زعيم حركة الإنصاف؛ والآخر رجل الدين “طاهر القادري”، مؤسس حركة منهاج القرآن  المنتشرة في أرجاء باكستان وزعيم حركة عوامي باكستان. الأخير عاش شطرا من حياته في كندا ولديه الجنسية الكندية.

الرجلان جديدان في ميدان السياسة. لعل هذا هو القدر المشترك بين الزعيمين الجديدين في ملعب السياسة في باكستان. كلاهما يتحدثان عن ثورة شاملة ينهي تبعية باكستان للغرب والولايات المتحدة! كلاهما خاسران في الانتخابات التي أقيمت في السنة الماضية وفاز في تلك الانتخابات حزب الرابطة الإسلامية التي يقودها “نواز شريف” وأخوه “شهباز” بالأغلبية الساحقة، وكلاهما يطالبان باستقالة “نواز” و”شهباز” الذين فازا بأغلبية الأصوات في الانتخابات الماضية، عن منصبهما!
“طاهري” و”عمران خان” لهما أتباعهما ومريدوهما بسبب أن الأول يرأس شبكة من المدارس والمساجد باسم تحريك مناهج القرآن في المناطق المختلفة من باكستان وجمع حوله حشدا كبيرا من البسطاء من الشعب وامتصّ أموالهم باسم النشاط الديني والإسلامي، والثاني كان لاعبا ممتازا في الماضي واللاعبون لهم أتباعهم ومن يصفّقون لهم ويضحّون لأجلهم!
وهذا القدر من الأتباع و المريدين يكفي لإيقاع حكومة في المأزق السياسي في بلد مثل باكستان التي ضمن الدستور فيها حرية التظاهرات والمسيرات. استطاع طاهري وعمران أن يحشرا أتباعهما ومريديهما ومحبيهما إلى الميادين  فيهددوا ويضغطوا على  الحكومة، وهما يصرّان على مطالبتهما بتنحي رئيس الوزراء عن منصبه وقالا لمؤيديهما إن الاعتصامات ستستمر في أنحاء البلاد لحين تلبية هذا المطلب. يمتنع نواز عن الاستقالة ووعد بتلبية مطالب أخرى إن كانت للمعارضة. ثمّ ليس من السهل أن يستقيل رئيس وزراء منتخب!
الأزمة دخلت مرحلة جديدة بعد ما التقى قائد الجيش راحيل شريف بزعيمي حزبي حركة الإنصاف عمران خان، وحزب حركة عوامي باكستان طاهر القادري فجر الجمعة لمحاولة إيجاد حل ينهي الاعتصام الذي يقوده الحزبان أمام مبنى البرلمان.
صرح وزير الداخلية خلال جلسة البرلمان بعد ظهر نفس اليوم (الجمعة) بأن القادري وعمران طلبا وساطة الجيش بعد رفضهما جميع الوساطات الأخرى، وإعلانهما عدم الثقة بالمؤسسة القضائية، أو بلجنة الانتخابات، إلا إذا استقال رئيس الوزراء نواز شريف. لكن عمران والقادري نفيا ما صرح به وزير الداخلية، وأكدا أنهما لم يطلبا تدخل الجيش أو وساطته، وأن الحكومة هي من طلبت ذلك.
وعزز من أزمة الحكومة أمام البرلمان والشارع البيان الذي صدر عن المكتب الإعلامي للجيش مساء الجمعة، والذي أكد أن الحكومة هي من طلبت تدخل الجيش كوسيط بينها وبين الأحزاب التي تقود الاعتصام، والحكومة تنفي ذلك.
إصرار الجيش الباكستاني على أن الحكومة طلبت بالتدخل ونفي الحكومة وساطة الجيش، لو دلّ على شيء يدلّ على أن العلاقة ليست جيدة بين حكومة نواز المنتخبة شرعيا وبين القوات المسحلة في باكستان، خاصة عندما نعود إلى سنوات ماضية ونتذكر كيف أطاح الجيش مرة بحكومة نواز وأجبره على الهروب من البلاد. يبدو أن الجيش هو المستفيد أولا وآخرا من الوضع السياسي الراهن في باكستان، خاصة عندما نقارن بين نواز والرجلين المعارضين الجديدين الذين ليست لهما شعبية نواز شريف.
فنواز شريف رجل اختاره الشعب. ثم الرجل محترف سياسي قوي ورجل أعمال أنقذ البلاد من الانهيار المالي المخيف بأمواله وعلاقاته التجارية، وله شعبية كبيرة في البلد وتولى عدة مناصب في الماضي. وهذا ما لا يعجب جنرالات الجيش الذين لا يريدون تقاسم القدرة مع أحد إلا أن يكون مطيعا ممتثلا لهم وإن كان مفسدا.
أما المعارضة بزعيميهما، فليست لديهما خطة أو رؤية لإدارة البلد. لو فرضنا استقالة الحكومة الحالية ونجحت ثورتهما، كيف يريدان إنقاذ البلاد من مجموعة من المشكلات الاقتصادية والسياسية؟ وهل لهم القوة الكافية لتوفير الأمن وحل المشكلات المالية والاقتصادية؟ ما هي خطتهما للأحزاب السياسية الأخرى؟ كيف سيحكمون الشعب الباكستاني وهما الآن يكرهان اختيار هذا الشعب؟!
مقارنة بسيطة بين المعارضة الضعيفة الفاقدة لأي خطة لإدارة البلد، التي يقودها الزعيمان المذكوران، وبين الحكومة المنتخبة في باكستان، تدل على أن الأزمة تصبّ في مصلحة العسكريين المتربصين.
لقد وفّر المعتصمون والمحتجون من دون أن يشعروا أمام البرلمان السبيل للجيش الباكستاني المتربّص أن يقوم بـ “انقلاب ناعم” على غرار ما حدث في مصر؛ حيث انقلب الجيش المصري بقيادة السيسي على الحكومة المنتخبة بعد اعتصامات واحتجاجات، وأودع الرئيس المنتخب السجن، وتربع العسكريون على مقاليد الحكم بعد ما أبعدوا عنها لفترة ولو كانت قصيرة.
العسكريون في عالمنا الإسلامي سواء كانوا في مصر أو في باكستان، لا يتحملون استقلال أو خيار الشعوب المسلمة، سواء كان اختيارهم نواز التاجر أو مرسي الحافظ لكتاب الله تعالى. فهم تربّوا على التبعية للغرب والعمالة لأسيادهم في واشنطن ولا يعجبهم استقلال الشعوب ولا اختيارهم.

الكاتب: عبد الله البلوشي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات