اليوم : 14 أكتوبر , 2013

حرية التجول حق فطري لكل إنسان

حرية التجول حق فطري لكل إنسان

{رغدا حيث شئتما}
كلمة “رغدا” تشير إلى التوسع في المأكولات؛ يعني بإمكانكما الأكل مما تشاءان ومن غير أن ينحصر إلى حد، إلا شجرة واحدة. وكلمة “شئتما” تشير إلى التوسع في الأمكنة؛ معناه يسمح لكما بالأكل من حيث أردتما وشئتما من الجنة، وليس أي مكان من الجنة محظورا عليكما.
هنا إشارة إلى أن حرية التجول والحصول على الحاجات الفردية المختلفة، حق فطري لكل إنسان. فلو كانت جميع الأشياء التي يحتاج إليها الإنسان في مكان خاص، ولكن لم يُسمَح له بالخروج من ذاك المكان، فهذا نوع حظر ومنع؛ ولهذا لم يكتف بالسماح بالأكل الرغد فقط، بل إنه تعالى وفّر لهما حرية التجول بقوله تعالى “حيث شئتما”.

سدّ الذرائع:
ولا تقربا هذه الشجرة: من الواضح أن المراد منه المنع من أكل تلك الشجرة أو ثمرتها، ولكنهما مُنعا من الاقتراب من الشجرة لأجل الاحتياط.
يثبت من هذا، أصل من أصول الفقه، وهو مسئلة سدّ الذرائع؛ والمراد منه أن بعض الأشياء ليست بمحظورة وغير جائزة في ذاتها، ولكن إذا كان هناك هاجس خوف من أن اختيارها قد يفضي في نهاية المطاف إلى الوقوع في الحرام، فيصير ذاك الأمر الجائز محظورا حينئذ، كما مُنع من الاقتراب إلى الشجرة حينما يكون ذريعة للأكل من ثمرها وربما يفضي إليه؛ ويُسمّى هذا بـ “سدّ الذرائع” في أصول الفقه.

عصمة الأنبياء:
قد تبيّن من هذه القضية أن آدم عليه السلام مُنع من أكل شجرة خاصة وقد نبّهه الله تعالى على أن الشيطان عدو لك، فلا يوقعنّك في الإثم والمعصية؛ ومع ذلك فقد أكل آدم عليه السلام من تلك الشجرة، وهذا العمل كان معصية في الظاهر ، والحال أن الأنبياء عليهم الصلاة السلام معصومون من المعاصي والذنوب، وعصمتهم من جميع الذنوب والمعاصي ثابتة بالعقل والنقل، وكذلك اتفق الأئمة الأربعة وأجمعت الأمة على أن الأنبياء معصومون من جميع الذنوب، صغيرة كانت أم كبيرة. والقول بأن الأنبياء قد يرتكبون الصغائر، مردود عند جمهور الأمة. (قرطبي) والعلة أن الأنبياء بُعثوا أئمة للناس، فلو كان صدور ما لا يرضاه الله تعالى من الصغائر أو الكبائر ممكنا منهم، فلا تبقى ثقة بالنسبة إلى أقوالهم وأفعالهم، ولن يكونوا موضع ثقة واطمئنان حينئذ؛ وإذا لم يبق الأنبياء موثوقين بهم، فمن أين تبقى مكانة للدين؟ وإذن لا يبقى أحد يُقتدى به في الدين.
هذا، وقد وردت في القرآن الكريم حكايات عن كثير من الأنبياء تدلّ على أن بعض الذنوب قد صدرت منهم وعاتبهم الله تعالى عليها، وهذه القصة عن آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام داخلة في ذاك السياق.
قد اتفقت الأمة وأجمعت على أن المراد من مثل هذه الأمور، هو سوء الفهم أو الخطأ أو النسيان من الأنبياء، ولم يتعمّد أي نبي مخالفة حكم من أحكام الله تعالى، بل ربما يصدر منهم خطأ اجتهادي، ولا يُعدّ الخطأ أو النسيان ذنبا ومعصية في اصطلاح الشريعة، ولا يمكن صدور مثل هذا الخطأ أو النسيان في الأمور التي لها صلة بالتبليغ والتعليم أو التشريع، وإنما يمكن في الأفعال والأعمال التي تتعلق بأنفسهم. (تفسير بحر المحيط)
وبما أن مكانة الأنبياء عالية جدا عند الله تعالى، والخطأ الصغير يُعَدّ كبيرا إذا صدر من الكبار، فقد عبّر القرآن عن تلك الأخطاء بـ “الذنوب والمعاصي” وعاتب عليها، مع أنها ليست في الحقيقة من الذنوب والمعاصي.
وأما بالنسبة إلى هذا الحادث لسيدنا آدم عليه السلام، فكتب المفسرون تأويلات وتفسيرات كثيرة، منها:
– أن آدم مُنع من الاقتراب إلى شجرة خاصة ولم يكن المراد تلك الشجرة بعينها، بل جنس تلك الشجرة، كما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا بشماله وذهبا بيمينه ثم رفع بهما يديه فقال: “إن هذين حرام على ذكور أمتي”. (سنن ابن ماجة – كتاب اللباس). من البديهي أن الحرمة ليست خاصة بذاك الثوب من الحرير وتلك القطعة من الذهب الذَين كانا في يد النبي صلى الله عليه وسلم، بل الحرمة تشمل وتعمّ جميع الثياب من الحرير وجميع الذهب، ولكن هنا يمكن هذا الظن أن الحرمة تتعلق فقط بذلك الثوب والذهب الذَين كانا في يد النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك زعم آدم عليه السلام وظنّ أن المنع خاص بالشجرة التي أشير إليها، والشيطان وسوس له وسوّل له هذا الأمر وقاسم أنه من الناصحين له، ولا يشير إليه بأمر يضره أو يكون محظورا عليه، والشجرة الممنوعة ليست هذه الشجرة، بل هي شجرة أخرى.
– يحتمل أن الشيطان وسوس له وألقى في خلده أن المنع من تلك الشجرة إنما كان خاصا ببداية خلقك، كما أن الغذاء والطعام القوي لا يُعطى للصغار، ولكن بعد الكبر يُسمح لهم بأكل أي نوع من الطعام، والآن صرت قويا، فلم يبق المنع.
– ومن المحتمل أن الشيطان حينما ذكر لآدم عليه السلام من منافع أكل الشجرة وأنه يخلد في نعم الجنة بعد أكلها، لم يتذكر آدم المنع الذي كان في بداية خلقه من أكل تلك الشجرة ونسيه، ويؤيد هذا القول والاحتمال قولُ الله تعالى “فنسي ولم نجد له عزما”.
وقصارى الكلام أن هنا احتمالات كثيرة تفيد بأن آدم عليه السلام لم يتعمّد هذه المعصية، بل إما نسي، وإما كان منه خطأ اجتهادي حيث لا يعتبر ذنبا ومعصية. ولكن بالنسبة إلى المكانة العالية التي يملكها آدم عليه السلام من القرب إلى الله تعالى ومكانة النبوة، قد عُدّت هذه الزلة “كبيرة”، وعبّر عنها القرآن بـ “المعصية”، وذكر مغفرة آدم بعد التوبة والاستغفار.
ولا يرد هذا الاعتراض بأن الشيطان لما أخرج من الجنة وطُرد منها، فكيف وصل هناك مرة أخرى لوسوسة آدم. لأنه ليس من الضروري أن يدخل الشيطان الجنة ليوسوس في صدر آدم، فإن الله تعالى منح للجن والشياطين قدرة الوسوسة من مكان بعيد. ولو قبلنا وتسلمنا أن الشيطان دخل الجنة وتكلم مع آدم عليه السلام وجها لوجه، فهناك احتمالات لا فائدة في التطرق إليها.
وكذلك نقول في الرد على السؤال الذي يُطرح هنا أن الله تعالى قال لآدم عليه السلام قبل ذلك “إن الشيطان لكما عدو”، “فلا يخرجنكما الشيطان… “، فكيف وقع آدم عليه السلام في مصيدة الشيطان، وغرّه وخدعه؟
وجوابه، أن الله تعالى أعطى ومنح الجن والشياطين قدرة التشكّل بأشكال مختلفة. فيمكن أن الشيطان ظهر أمام آدم بهيئة غير هيئته الأصلية، فلم يعرفه آدم أنه الشيطان.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات