اليوم :26 February 2024

وقفات إيمانية مع زلزال أثار حيرة الجميع

وقفات إيمانية مع زلزال أثار حيرة الجميع

في يوم الثلاثاء 5 من جمادى الثانية 1434 وقع زلزال عنيف في مدينتي “خاش” و”سراوان ” في محافظة سيستان وبلوشستان (جنوب شرقي إيران)، وذكر مركز المسح الجيولوجي لجامعة طهران أن قوة  الزلزال كانت تبلغ  7.5 درجات على مقياس ريختر. وقع الزلزال في الساعة الثالثة وأربع عشرة دقيقة مساء بالتوقيت المحلي.  وتمّ الإعلان أيضا أن مركز الزلزال كان على بعد 81 كلم من مدينة سراوان و83 كلم من خاش و85 كلم من مدينة سوران. قوة الزلزال بلغت حدا شعر به أيضا سكان مدينة زاهدان ومحافظة كرمان، كما وصل تأثيره إلى كل من سلطنة عمان، وقطر، والبحرين، والإمارات، والكويت، والمنطقة الشرقية في السعودية، إضافة إلى نواحي من باكستان وأفغانستان والهند.
ثم الذي أثار حيرة  الكثيرين الزلزال المذكور رغم قوته  وتأثيره البالغ وكذلك الهزات الإرتدادية التي تبعتها ، لم يخلف خسائر في الأرواح إلا إمرءة واحدة كانت خرجت تلك المناطق الجبلية فوافته المنية نتيجة انهيار الجبل، كما أن المصابين والجرحى  وصفت جروحهم بالطفيفة؛ و الخسائر لمنازل القرويين وممتلكاتهم أيضا كان قليل جدا.
عندما ذكر معهد المسح الجيولوجي الأميركي أن زلزالا بقوة 7.8 درجات على مقياس ريختر ضرب منطقة تقع على بعد 86 كلم في الجنوب الغربي من مدينة خاش في محافظة سيستان و بلوشستان الإيرانية، المحاذية للحدود مع باكستان، وأشار إلى أن مركز الزلزال على عمق 18 كلم على مسافة نحو 200 كلم من زاهدان، عاصمة المحافظة، ومن مدينة توربت الباكستانية، تسارعت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام المحلية والأجنبية إلى ذكر الجرحى والقتلى، معلنة عدد الأربعين كالحصيلة الأولية لهذا الزلزال. لأن الأسباب والتجارب  وكذلك الهزات التي خلفت عشرات من القتلى  وملايين من الخسائر وهي أقل قوة من الزلزال المذكور، جعلت هذه الوسائل الإعلامية مستيقنة بأن نتائج هذا الزلزال سيكون أكثر. إلا أنها تحيرت وأثيرت دهشة الجميع عندما علموا علم اليقين أن الزلزال لم يخلف الخسائر النفسية والمالية التي كانت تتوقعها هذه الوسائل ويتوقعها الخبراء كما تجري العادة. فأقبلت الوكالات الأجنبية متهمة إيران بالإهمال المتعمد لتغطية خسائر الزلازل في الأرواح والأنفس لأسباب سياسية. أما الوسائل المحلية للإعلام فهاجت وماجت في هذه القضية فتطرقت مرة إلى أن  المنطقة كانت تخلوا عن السكان، وهذا كلام باطل حيث أن أكثر من ألف قرية تقع في المنطقة المحيطة بكانون الزلزال، ومساكن القرويين المبنية من الطين والخشب تكفيها حسب رؤية الخبراء زلزال بقوة أقل من المذكورة لتدمرها وتتركها قاعا صفصفا. وتطرقت أخرى إلى تحليل أسوء من ذلك، لا نرى حاجة إلى ذكرها، متجاهلة الحقيقة التي يجب على كل مسلم أن يعترف بها ويؤمن بها كجزء من إيمانه وهي:

الوقفة الأولى:
أن كل ما يحدث في الكون فهو من الله تعالى، لا من الطبيعة ولا من ثوران الأرض وغضبها وسخطها ونحوها من تحليلات الضعفاء ومرضى القلوب. قال تعالى: “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ”. وقال تعالى: “وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا”. نسي العالم بأن الرب أوحى للأرض بالاهتزاز. أليس الرب الذي يحفظ العباد في كرة تسبح في فلك على مدار الساعة، أن يحفظهم في أرض مهتزة لأقل من دقيقة.

الوقفة الثانية:
وأن كثرة الزلازل من علامات يوم القيامة الصغرى التي تدل على قرب يوم القيامة, كما في الحديث الصحيح: “لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل”. (رواه البخاري)

الوقفة الثالثة:
ثمّ هذه الآيات إنما هي لإنذار العباد وتذكيرهم بربهم عز وجل, قال تعالى: “وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا”.
فلما وقعت حادثة الكسوف في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، لقد قام وصلى ثم خطب الناس وقال: “إن هذه الآيات التي يرسلها الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره”. (رواه البخاري)
ولكن الكثيرين مع الأسف لا يعتبر بما يرى ويسمع، وهم مصاديق لقول الله تعالى: “وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا”.

الوقفة الرابعة:
لابد من التضرع إلى الرب وكثرة الدعاء, قال تعالى: “وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ”. فإن هذا التضرع والخضوع عند المصائب دليل حياة القلب وخشوعه وعبوديته لربه تبارك وتعالى؛ لأن الله جل وعلا يحب من عباده أن يقبلوا إليه ويتعلقوا به ويحققوا الفرار إليه. قال تعالى: “فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ”.

الوقفة الخامسة:
قد تكون الزلازل غضباً وانتقاماً من الله تعالى, فقد أهلك الله الأمم الماضية بذنوبهم. قال تعالى: “فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ”. وعندما نتأمل قوله تعالى “فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ” يظهر لنا خطر الذنوب والمعاصي وأنها هي السبب الرئيسي لهلاك الأمم.
ويقول تعالى في قوم شعيب: “فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ”، والرجفة هي الزلزال الشديد.
ويقول تعالى: “وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ”. ويقول جل وعلا: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”. ويقول تعالى: “وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ”. ويقول تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”.
ومما يدل على أن هذه الزلازل عقوبة من الله، ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة سيكون فيها خسف ومسخ وقذف, فقال: “سيكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف, إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور”. (صحيح الجامع:4149)

الوقفة السادسة:
يجب الحذر من مكر الله وعقوبته. قال تعالى: “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ – أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ – أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ – أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ”.
مع الأسف لو تأملنا حياتنا نجد الغفلة الكبيرة, والأمان الواضح من مكر الله، رغم كثرة الشواهد من هنا وهناك التي تدل على عقوبات الرب جل وعلا على الغافلين والمعرضين، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الدول والأمم.

الوقفة السابعة:
التوبة والرجوع إلى الله تعالى. قال تعالى: “وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.
ورسولنا صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب في اليوم مائة مرة . (رواه مسلم)
ولاشك أن توبة الأمة واستغفارها سبب كبير لرحمة الله تعالى ولطفه بعباده، كما قال تعالى: “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ”.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: “كان فيهم أمانان: النبي صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار “.
والمعنى أن الاستغفار والتوبة تمنع العذاب أن ينزل بالأمة.

الوقفة الثامنة:
الحذر من العقوبات الجماعية التي تكون بسبب كثرة الذنوب وانتشارها. قال تعالى: “وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ”.
ولنتأمل في قوله تعالى: “مصلحون” ولم يقل صالحون؛ لأن صلاح المسلم في نفسه لا يكفي لدفع العقاب الجماعي. إذن لابد أن نصلح ما يفسده بعض الناس من المنافقين والمغرضين والجاهلين، وذلك بالدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومما يؤكد تأثير الذنوب على الأمم والمجتمعات ما جاء في صحيح البخاري من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: “نعم. إذا كثر الخبث”. أي: إذا ظهر الفسوق والفجور, كما قال أهل العلم.

اللهم إنا نسألك أن ترحمنا برحمتك الواسعة, اللهم عاملنا بلطفك ورحمتك ورأفتك, اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا, اللهم احفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات