اليوم : 5 مارس , 2013

محمد بن داود بن علي بن خلف (255 – 297 ه = 869 – 910 م)

محمد بن داود بن علي بن خلف (255 – 297 ه = 869 – 910 م)

الإمام ، الفقيه ، الأصولي ، الأديب ، الشاعر ، اللغوي ، الاخباري ، المناظر. له بَصَر تامّ بالحديث، وبأقوال الصّحابة، وكان يجتهد ولا يُقَلِّد أحدا.

اسمه ونسبه :
محمد بن داود بن علي بن خلف الظاهري، أبو بكر .
أصله من أصبهان.
وهو ابن الامام داود الظاهري الذي ينسب إليه المذهب الظاهري .
كان يلقّب بعصفور الشوك لنحافته وصفرة لونه.
قال رٌوَيم بن رويم بن يزيد: كنّا عند داود بن علي الأصبهاني إذ دخل عليه ابنه محمد يبكي، فضمّه إليه وقال: ما يبكيك؟!
قال: الصِّبيان يلقِّبوني!
قال: فعلى إيش حتّى أنهاهم؟
قال: يقولون لي شيئاً.
قال: قل لي ما هو حتّى أنهاهم عن الذي يقولون؟
قال: يقولون يا ” عصفور الشوك!
قال: فضحك داود.
قال: فقال له ابنه: أنت أشدّ عليّ من الصبيان! ممّ تضحك؟
قال: لا إله إلا الله! ما الألقاب إلا من السماء! ما أنت يا بني إلا عصفور الشوك!

مولده ونشأته:
ولد محمد بن داود سنة 255 ببغداد وعاش فيها.
ولما توفي أبوه جلس ولده أبو بكر في حلقته للفتوى، وكان على مذهب والده، فاستصغروه، فدَسُّوا إليه رجلا وقالوا له: سَله عَن حدّ السكر، فأتاه الرجل فسأله عن السكر: ما هو ومتى يكون الإنسان سكران؟
فقال: إذا عَزَبَتْ عنه الهُموم، وباحَ بِسرّه المَكتوم.
فاستُحسِن ذلك منه، وعُلِم موضعه مِن العلم.
وصنّف في عنفوان شبابه كتابه الذي سماه ” الزهرة ” وهو مجموع أدب، فيه بكل غريبة ونادرة وشعر رائق.

أساتذته:
حدَّث عن: أبيه، وعبّاس الدُّوري، وأبي قِلابة الرَّقاشي، وأَحمد بن أبي خَيثَمة، ومحمد بن عيسى المدائني، وطَبَقتِهم.

تلاميذه:
حدَّث عنه: نِفطَويه، والقاضي أبو عمر محمد بن يوسف، وجماعة.

من صفاته وفضله:
قال أبو محمّد بن حَزم: كان ابن داوُد مِن أجمل النَّاس، وأكرَمِهم خُلقاً، وأبلَغِهم لِساناً، وأَنظَفِهم هَيئةً، مع الدِّين والوَرَعِ، وكُلِّ خُلَّةٍ محمودة، مُحَبَّباً إلى النَّاس، حَفِظَ القرآن وله سَبع سنين، وذاكر الرِّجالَ بالآداب والشّعر وله عشر سنين، وكان يُشاهَد في مَجلِسه أربع مائة صاحب مِحبَرَة.
قال الخُضَرِي :
كنتُ جالساً عند أبي بكر محمد بن داوُد، فجاءتْه امرأة، فقالت: ما تقول في رَجُل له زوجة، لا هو يُمسِكها، ولا هو يطَلِّقُها؟
فقال أبو بكر: اختَلَف في ذلك أهل العِلم، فقال قائلون: تُؤمَر بالصَّبر والاحتِساب، وتَبْعَثُ علَى الطَّلَب والاكتِساب.
وقال قائِلون: يُؤمَر بالإِنفاق، وإلاّ حُمِل علَى الطّلاق.
فلم تَفهَم المرأَة قولَه، فأَعادتْ سؤالها عليه، فقال: يا هذِه قد أَجَبتُكِ… ولستُ بِسُلطان فأَمْضِي، ولا قاض فأَقْضِي، ولا زوجٍ فأُرْضِي، فانْصَرفي.

الثناء العطر:
قال الصفدي: الإمام ابن الإمام، من أذكياء العالم.
وقال ابن خلكان: كان فقيها أديبا شاعرا ظريفا.
وقال الامام شمس الدين الذهبي فيه: العلاَّمة، البارِع، ذو الفنون، أَبو بكر: فكان أحدَ مَن يُضرَبُ المَثَلُ بِذكائه.

شعره:
حكى أبو بكر عبد الله بن أبي الدنيا أنه حضر مجلس محمد المذكور قال: فجاءه رجل فوقف عليه ورفع له رقعة، فأخذها وتأملها طويلا وظنّ تلامذته أنّها مسألة، ثمّ قلبها وكتب على ظهرها وردّها إلى صاحبها، فنظرنا فإذا الرجل علي بن العباس المعروف بابن الرومي الشاعر المشهور، وإذا في الرقعة :
يا ابن داود يا فقيه العراق    …    أفتنا في قواتل الأحداق
هل عليهن في الجروح قصاص … أم مباح لها دم العشاق
وإذا الجواب:
كيف يفتنكم قتيل صريع  … بسهام الفراق  والإشتياق
وقتيل التلاق أحسن حالا … عند داود من قتيل الفراق
قال محمد بن يحيى الصولي: كنتُ عند ثعلب جالساً، فجاءه محمد بن داود الأصبهاني، فقال له: أهاهُنا شيء من صبوتك؟
فأنشده:
سقى  الله    أيَّاماً  لنا  و  ليالياً … لهنَّ  بأكناف الشباب  ملاعب
إذ العيش غضّ والزمان بغرة … وشاهد  أنَّات  المُحبِّين  غائب

ومن شعره:
وإنّي لأدري أنّ في الصبر راحةً … ولكن إنفاقي على الصَّبر من عمري
فلا تُطف نارَ الشوق بالشوق طالباً …   سُلوّاً  فإنّ الجمر  يسعر  بالجمر
***

حملت جبال الحُبِّ فيك وإنّني … لأعجز عن حمل القميص وأضعُف
وما الحُبُّ من حُسن ولا من سماجة … ولكنَّه شيء به الرُّوح  تكلف

قال محمّد بن يوسُف القاضي: كُنتُ أُساير محمّد بن داوُد، فإذا بجارية تُغنِّي بشَيءٍ مِن شعره، وهو:
أشكُو غَليلَ فؤادٍ أنتَ مُتلِفُه *  شَكوَى عَليلٍ إلى إلفٍ  يُعَلِّلُهُ
سُقمِي تزيدُ مع الأَيّام كَثرَته * وأَنتَ في عُظْمِ ما أَلقَى تُقَلِّلُهُ
الله حرَّمَ قَتلي في الهوَى سَفَهاً * وأنتَ يا قاتلي ظُلْماً تُحَلِّلُهُ

وممّا نسب إليه:
لكلّ امرئ ضيف يسر بقربه … وما لي سوى الأحزان والهم من ضيف
له مقلة  ترمي القلوب  بأسهم  … أشدّ  مِن  الضّرب  المدارك   بالسيف
يقول خليلي: كيف صبرك بعدنا … فقلتُ: وهل صبر فاسأل  عن كيف؟

العالم المناظر:
وكان محمد بن داود مناظرا بارعا ، اجتمع يوما هو وأبو العباس ابن سريج في مجلس الوزير ابن الجراح فتناظرا في الإيلاء، فقال ابن سريج: أنت بقولك من كثرت لحظاته دامت حسراته أبصر منك في الإيلاء.

فقال له أبو بكر: لئن قلت ذلك فإني أقول:
أنزه في روض المحاسن مقلتي … وأمنع نفسي  أن  تنال  محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه … يصب على الصخر الأصم تهدما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري … فلولا  اختلاسي  رده   لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم … فما إن أرى حبا صحيحا مسلما

فقال له ابن سريج: وبم تفتخر علي ولو شئت أنا لقلت:
ومساهر بالغنج من لحظاته … قد بت أمنعه لذيذ سناته
ضنا بحسن حديثه وعتابه … وأكرر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده … ولي بخاتم ربه وبراته
فقال أبو بكر: يحفظ الوزير عليه ذلك حتّى يقيم شاهدي عدل انّه ولي بخاتم ربّه.
فقال أبو العباس ابن سريج: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك:
أنزه في روض المحاسن مقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرما
فضحك الوزير وقال: لقد جمعتما ظرفا ولطفا وفهما وعلما.

وقيل: كان ابن داوُد خَصماً لابن سُريج في المُناظرة، كانا يترادَّان في الكتُب، فلمّا بَلغَ ابن سُريج موتَ محمّد بن داوُد، حزن له، ونَحَّى مَخادّه، وجلس للتَّعزِية، وقال: ما آسَى إلاَّ علَى تُراب يأْكُل لسانَ محمّد بن داوُد.

مصنفاته:
وكان عالما في الفقه وله تصانيف عديدة: منها كتاب (الإِنذارِ والإِعذار)، وكتاب (التَّقصِّي) في الفِقه، وكتاب (الإِيجاز) ولم يَتِمّ، وكتاب (الانتِصار من محمّد بن جرير الطَّبري)، وكتاب (الوُصول إلى معرفة الأُصُول)، وكتاب (اختلاَف مَصاحِف الصَّحابة)، وكتاب (الفرائِضِ) وكتاب (المناسِك).

وفاته:
وتوفي يوم الاثنين تاسع شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين وعمره اثنان وأربعون سنة، وفي يوم وفاته توفي يوسف بن يعقوب القاضي، رحمهما الله تعالى.
قال أَبو إِسحاق الشيرازي:
ثم انتَهَى الفقه بعد ذلك في جميعِ البِلاد الَتي انتهَى إليها الإسلام إلى أصحاب الشافعيّ، وأبي حنِيفَة، ومالِك، وأحمد، وداوُد، وانتشَر عنهم الفقه في الآفاق، وقام بنصرَة مذاهبهم أئمة يَنتسبون إليهم، وينصرون أقوالهم.
وأمّا داود فقام بنَقل فِقهه جماعة مِن أصحابه، منهم ابنه أبو بكر محمد، وكان فقيها أديباً شاعراً ظريفاً، وكان يُناظر إمامَ أَصحابنا أَبا العبّاس بن سرَيج، وخَلَفَ أباهُ في حَلقته….
ويُحكى أنّه لمّا بلغت وفاته ابن سريج كان يكتب شيئا فألقى الكراسة من يده وقال: مات من كنتُ أحثُّ نفسي وأجهدها على الاشتغال لمناظرته ومقاومته.

الكاتب: الشيخ أبو محمد البلوشي

************************
المنابع:
سير أعلام النبلاء / الإمام الذهبي
وفيات الأعيان  /  ابن خلكان
معجم المؤلفين / عمر كحالة
الأعلام  /  الزركلي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات