اليوم : 30 يناير , 2013

نظرة إلى حياة الشيخ “عبد المجيد موحد” رحمه الله

نظرة إلى حياة الشيخ “عبد المجيد موحد” رحمه الله

العلامة “عبد المجيد موحد نادري تبار” كان من كبار علماء السنة في إيران، وانتقل إلى رحمة الله تعالى في 27 من جمادى الثانية 1429 ، عن عمر ناهز 107 عاما. وفيما يلي ترجمته التي كتبها الشيخ “محي الدين صالحي”.

المولد والمنشأ:
ولد الأستاذ الشيخ “عبد المجيد موحد سنة 1322 من الهجرة في قرية “فيروزه” من توابع مدينة “جوانرود” في محافظة كرمانشاه (ذات الأغلبية الكردية في غرب إيران) في أسرة عرفت بالتدين والالتزام، من أسر أحفاد “ميكائيل دوداني” المشتهر بـ “باباويس” ابن الفقيه “محمود”.
الأسرة التي ولد فيها الشيخ “عبد المجيد موحد” كانت تتولى منصب الإمامة والزعامة الدينية في عشائر “ندري” وكانت تمتاز بخصائص علمية ودينية.
ابتدأ رحمه الله دراسة العلوم الإبتدائية على ابن عمه الأستاذ “أحمد ندري” في فيروزه، وهو في السادس من عمره، وأقبل إلى تعلم القرآن الكريم وبعض الكتب الفارسية والكردية كـ”جلستان” و”إسماعيل نامه” وغيرها.
في تلك السنة فقدت أسرة الأستاذ العقارات التي ورثها في قرى “فيروزه” و” غولان” التي ورثوها جيلا عن جيل من زمن المرشد ميكائيل.
وقد جرت العادة في سلالة “المرشد ميكائيل” أن يحرم كل ذكر يمتنع عن دراسة العلوم الشرعية من الميراث، وأن تسترد صفة “پير”(المرشد) ممن ليس عالما صالحا من الأولاد. بناء على هذا بعد “المرشد محمد” جد الأستاذ، مع أن ولده كان “فقيه محمود” درس سنوات طويلة العلوم الدينية في مدرسة “باب الشيخ” في بغداد وكتب المصحف المعروف بـ”زنجير زرين” بكتابته الجميلة، لكنه حرم من هذا اللقب بسبب أنه لم يقدرعلى إكمال دراسته الدينية.

الرحلة لطب العلم:
توقفت دراسته للعلوم لمدة سنوات بعد وفاة والديه. لما بلغ “عبد المجيد” إلى 13 من عمره عاد إلى دراسة العلوم الشرعية بنصيحة وتشجيع الشيخ “أحمد فيروزه اي” أحد أقاربه الذي ذكره بوصيته العائلية للتعلم. في البداية عمل بتوجيه خاله “رحيم خياط” الذي كان يسكن في قرية “تختي زنجي” وذهب للدراسة إلى قرية “كوره” من قرى “كامياران” وتلمذ هناك على الملا “فيض الله كوره دره” لمواصلته في تعلم العلوم الإبتدائية كتصريف الزنجاني ودروس في الفارسية، ومكث في هذه القرية نحو أربعة أشهر. ثم سافر إلى قرية “بايكلان” من مضافات “جاورود”. الأستاذ الملا “أسعد بايكلان” كان من الأساتذة البارزين في العلوم العربية، وكان مدرسا في المدرسة الدينية قي بايكلان.
بقي الأستاذ رحمه الله ستة أشهر في بايكلان، حتى نقصه زاد السفر، فرحل إلى قرية “قيطول” والتحق بمدرسة الشيخ حسن النقشبندي بن حاج الشيخ أحمد شمس الدين، وأنهى في تلك المدرسة كتابي التصريف وجلستان. في شهر شعبان عام 1350 من الهجرة، اعتقل رؤساء عشائر الغرب بحكم من جانب “رضاخان بهلوي” وكان الشيخ حسن النقشبندي أيضا منهم، لذلك تعطلت مدرسة “قيطول”.
بعد سنة من مصاحبة الشيخ “محمد أمين بيلوله اي” الذي كان شخصا رحيما وعلى خلق عالية، انتقل إلى قرية “داري زنجه” ودرس هناك مدة ستة أشهر في مدرسة الشيخ “عبد الرحمن حسيني سوله اي”. ثم هاجر مع الشيخ “محمد امين بيلوله ي” إلى قرية “سوله” التي كانت من المراكز العلمية والدينية. ومكث قرابة سنتين في تلك القرية، يتلقى علوما مختلفة؛ ثم بعد ذلك رحل إلى قرية “احمد برنده”. في ذلك الوقت كان مدرس مدرسة المذكورة هو الشيخ “عبد الكريم إسكندري” أحد الأساتذة البارزين والعلماء المشهورين في العراق.
درس الأستاذ عبد المجيد كتاب شرح الجامي في النحو على الشيخ عبد الكريم الإسكندري، ومكث نحو أربعة أشهر في  قرية “أحمد برنده” وتابع خلال هذه المدة بكل جدية دراسة العلوم الإسلامية والعربية. وكان أستاذه الشيخ عبد الكريم يعامله بكل محبة وشفقة، وكان لا يألو جهدا في تربيته وتعليمه، وكان له أستاذا ومرشدا وأبا روحيا بالمعنى الكامل.

رحلته إلى العراق:
بعد ذلك ذهب الأستاذ عبد المجيد إلى قرية “هانه سور” في العراق، واشتغل بطلب العلم في مدرسة “عبد الرحيم خانقاهي”. كان الأستاذ البارز في ذلك الوقت في مدرسة “هانه سور” هو الأستاذ الملا “حسن هانه سور”، فدرس عليه كتاب شرح العقائد خلال السنة التي مكث هناك. ثم التحق بمدرسة “عبابيله” ودرس تفسير البيضاوي وتحفة شيخ ابن حجر على الأستاذ “بابا رسول سوله اي”. ودرس أيضا خلال السنوات الثلاث التي مكث في “عبابيله” الآداب والمختصر على الملا “حسن عه بابه يلي”. ولما توفي الشيخ “بابا رسول” ذهب إلى مدينة “حلبجه” وأقام في مدرسة “مسجد تكيه” التي كان الشيخ “محمد عه بابه يلي” أستاذا فيها، ودرس أصول الفقه والتحفة لديه. وكانت مدة إقامته سنة في “حلبجه” وأنهى هناك كتاب جمع الجوامع في الأصول.
كانت قرية “بياره شريف” دار الإرشاد للمشائخ النقشبندية في العراق، وبل كانت أكبر مركز علمي وديني في كافة أنحاء كردستان؛ لأجل ذلك رحل الأستاذ رحمه الله إلى تلك المنطقة. في تلك الأيام كان الشيخ الأستاذ العلامة “عبد الكريم مدرس” مهتما بتدريس العلوم الإسلامية والمعارف الدينية في المدرسة المعروفة لقرية “بياره شريف” بإشراف الشيخ “محمد علاء الدين النقشبندي”.
بدأ الشيخ “عبد المجيد” دراسة تهذيب الكلام ورسالة الشيخ بهاء الدين العاملي على العلامة “عبد الكريم مدرس” وتخرج في النهاية في “بياره”، وأخذ إجازة الإفتاء والتدريس من العلامة “عبد الكريم مدرس”.
بعد ما حصل الشيخ “عبد المجيد” على الإجازة، أقيمت حفلة تخرجه في صيف عام 1365 من الهجرة، وهكذا التحق الأستاذ رسميا إلى عالم التدريس والتربية الدينية.
في تلك الأيام توفي الأستاذ الملا “عبد الرحيم روحاني”، المدرس والإمام في قرية “دولت آباد” في المناطق الكردية، وتعطلت مدرسة “دولت آباد” التي كانت من المراكز العلمية والدينية في المنطقة.

الإقامة في قرية “دولت آباد”:
نظرا إلى أن الأستاذ كان زمن دراسته وتعلّمه طالبا مجتهدا مستعدا ونشيطا، وكان من أساتذة العلوم العربية البارزة، وكان الجميع يعترفون بفضله وجدارته وصلاحيته، وقد ذاع صيته وسمعته وتبحره في العلوم في كافة المراكز العلمية في كردستان، لذلك وجه إليه السادات الهاشميون دعوة طلبوا منه أن يتولى التدريس في مدرسة “دولت آباد”.
بما أن الأستاذ كان قد قرر مواصلة طريق العلم والتزكية، فامتنع أولا عن قبول هذه الدعوة، ولكن جدد “السيد طاهر الهاشمي” الدعوة، وراسله مرات، وكذلك راسل أساتذته وأرسل إليه ابن عمه وشقيقه مع الفريق الداعي إلى الأستاذ، رأى الأستاذ أن يراسل الشيخ “السيد عبد الرحيم هانه سور” الذي كان كمرجع ومرشد للاستاذ في الأمور المهمة، وأعاد النظر في موقفه السابق، واستجاب دعوتهم في قبول تلك المسؤولية.

تأسيس مدرسة “دولت آباد” الدينية:
وكانت أول مدرسة دينية في منطقة “دولت آباد” مستودع للحنطة كان يقع بجوار “زاوية”، ولذلك كان في غالب الأحيان ملجأ للضيوف القادمين من بعيد وقريب. وهذه الأوضاع كانت مانعة من قيام الأستاذ بمهمته في التدريس في مدرسته الصغيرة.
لذلك أسس في الأرض التي أعطاها “السيد طاهر” ليبني لنفسه بيتا فيها، مدرسة “دولت آباد” المباركة بمساعدة وتعاون عدد من أهل الخير والمتبرعين، لتكون صدقة جارية، ومن الباقيات الصالحات.
من ثم بدأ التعليم والتدريس في مدرسة “دولت آباد” الصغيرة، وشرب متعطشون كثيرون من معين هذا العزب، وارتووا من منهل الأستاذ المتدفق بالعلم والمعرفة. كانت العادة في ذلك الوقت أن الطلبة يوفرون وجباتهم اليومية مما يتبرع عليهم الناس، لذلك ألقيت على كاهل أهل القرية إدارة المدرسة ماليا، بحيث يقاسمون طلبة العلم طعامهم اليومي.
لقد ظل الأستاذ “عبد المجيد موحد” يدرس 55 سنة في مدرسة “دولت آباد”، وفي نفس الوقت أيضا كان يتطرق إلى حل النزاعات كقاض شرعي، وإلى الرد على مسائل العامة كمفتي، وإلى فصم الخلافات كحاكم عدل في قرية “دولت آباد” الصغيرة والمنطقة، وقدم جهودا وخدمات قيمة للشعب في كافة المنطقة.
وبإقامة الشيخ رحمه الله في هذه القرية، استفاد من هذا المنهل العذب الطلبة والعلماء وكافة الشعب المؤمن، وقد انتشرت الثقافة الدينية والعلوم الإسلاميه من هذه المنطقة في كافة المناطق الكردية، وأيضا في المناطق التي يقطنها أهل السنة في غرب إيران.

الشجاعة أبرز خصائص الأستاذ “عبد المجيد موحد”:
في عهد كانت السيطرة لملوك الطوائف ورؤساء العشائر، وكانوا يضعيون حقوق الضعفاء بغير حق بكل بساطة، نهض رحمه الله لإشاعة العدل والمطالبة بحقوق الضعفاء، وحل المشكلات الشرعية والعائلية والمدنية، من خلال تأسيس المدرسة المذكورة في “دولت آباد”، وإضاءة نور العلم والمعرفة في أرجاء المنطقة.
كان رحمه الله يتمتع بعزة نفس وشجاعة لا مثيل لها للدفاع عن حقوق المظلومين وتنفيذ أحكام الشريعة تجاه حكام العشائر وملوك الطوائف.
من الخصائص البارزة في شخصيته التي تجدر الإشارة إليها أيضا، إتباعه الكامل للأصول التي اختارها، وكذلك دققة النظر والتعمق في نشر وإشاعة العلوم والمعارف الإسلامية.

وفاته رحمه الله تعالى:
توفي رحمه الله تعالى، عن عمر ناهز 107 عاما، أمضاه في خدمة الشريعة الإسلامية والسنة النبوية، فجر الثلاثاء 27 من جمادى الثانية 1429 في قرية “دولت آباد”، من توابع مدينة “روانسر”، في محافظة “كرمانشاه” ذات الأغلبية الكردية (غرب إيران).
رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه.

الآثار والمؤلفات:
1- اللمحة الربانية (باللغة العربية في موضوع الكلام والعقائد).
2- الجبر والاختيار باللغة الكردية.
3- رسالة في التجويد باللغة الكردية.
4- شعر في مدح أهل البيت وآل النبي صلى الله عليه وسلم.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات