اليوم : 4 أبريل , 2012

السراج الوهاج، شعبة بن الحجاج

السراج الوهاج، شعبة بن الحجاج

الحمد لله الذي فطر الأنام علی ملة الإسلام والاهتداء، وجبَلهم علی الملة الحنفية السَّمحة البيضاء، ولطف بهم وبعث إليهم الأنبياء ليخرج بهم من الظلمات إلی النور، والصلاة والسلام علی أفضل الرسل والأنبياء، محمد المؤيد بالآيات الواضحة الغرّاء، بأفضل الصلوات وأكرم التحيات، وعلی آله وأصحابه أجمعين.
لقد خصّ الله سبحانه وتعالی هذه الأمة بعلم جليل القدر، بالغ الأهمية، ألا وهو علم معرفة الرجال العباقرة وأحوالهم، ومعرفة شيوخهم وتلامذتهم، وتواريخ ولاداتهم ووفياتهم، وقد حرص علماء الإسلام كل الحرص بهذه الفنون، واعتنوا بها أيما اعتناء. ومن هنا تعددت المصنفات في هذا الفن، وأخذت أشكالاً ومناهج مختلفة، فمن كتب الطبقات إلی المعاجم إلی التاريخ والسير، إلی تراجم علماء عباقرة، إلی ما هنالك من المصنفات.
فقد قيّض الله تعالی لهذا الدين علماء جهابذة في كل عصر ومصر، أعرضوا عن زخارف العصر ومغرياته؛ رجال تعطرت بأنفاسهم الدنيا، وتراجمهم زاخرة بالأخبار التي تثير الهمم وتشعل المواهب وتنفخ في القارئ روحا جديدة وحماساً جديداً.
وقد يتلألأ جبين التاريخ بوجودهم، وتفتخر هذه المعمورة بأنفاسهم الزكية، وتعترف بمكانتهم المرموقة.
ومن هولاء الرجال العباقرة، الإمام المشهور، والعلم المنشور، في المناقب مذكور، له التقشف والتعبد، والتكشف عن الأخبار والتشدد، أمير المؤمنين في الرواية والتحديث، وزين المحدثين في القديم والحديث، أكثر عنايته بتصحيح الآثار والتبري من تحمل الأوزار المتثبت المحجاج أبو بسطام شعبة بن الحجاج (1) بن الورد، الأزدي العَتكي (2) مولی الأشاقر، واسطي الأصل، بصري الدار(3)، وهو من أتباع التابعين، وأعلام المحدثين، وكبارالمحققين. (4)

ولادته:
كان مولده سنة ثلاث وثمانين بنهريان، قرية أسفل من واسط. (5) قيل: ولد سنة ثمانين، في دولة عبد الملك بن مروان، وقال أبو زيد الهروي: ولد سنة اثنتين وثمانين. (6)

أساتذته وشيوخه:
حرص المترجم علی أن يتلقی العلم من أفواه الرجال علی ما جرت به عادة أهل الإسلام، فرحل في سبيل ذلك إلی كثير من الشيوخ والأساتذة واستفاد منهم. ونحن في هذا المقال نذكر بعض أساتذته: إسماعيل بن علية، والأشعث بن عبدالله السجستاني (7)، وأبان بن تغلب، وثابت البناني، وجعفر الصادق، وسعيد المقبري، وسماك بن الوليد، ويحيی بن سعيد الأنصاري (8)، وأنس بن سيرين، وإسماعيل بن رجاء، وسلمة بن كهيل، وجامع بن شداد، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وعمرو بن مرّة، وعمرو بن دينار، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب السختياني. (9)

تلامذته:
قد تقاتر علی شعبة بن الحجاج طلبة العلم من كل صوب، يحدوهم أمل أن يفوزوا بالتتلمذ علی يديه، والاغتراف من معين علمه، ومن العسير علينا أن نحصي تلامذته بهذا المستوی؛ لذا ارتأينا الاقتصار علی أشهرهم، وهم: أيوب السختياني، وسعيد الجريري، ومنور بن المعتمر، وسفيان الثوري، وعلي بن حمزة الكسائي، وعبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، ومحمد بن عرعرة، ووهب بن جرير، وأبو عبد الرحمن المقرئ، ويحيی بن أبي بكير، وأمم سواهم. (10)
وسمع عبدالله بن مسلمة القعنبي من شعبة بن الحجاج الحديث الواحد، وما سمع منه غير هذا الحديث الواحد؛ لأن القعنبي لما وافی البصرة قصد منزل شعبة ليسمع منه، فصادف المجلس قد انقضی، فحمله الشره والحرص علی أن دخل دار شعبة من غير استئذان، وكان شعبة يقضي حاجة لا يمكن أن يقضيها غيره، فقال القعنبي له: السلام عليك، رجل غريب، قدمت من بلد بعيد لتحدثني، فقال له شعبة: دخلت منزلي بغير إذني وتكلمني علی مثل هذه الحال؛ تاخر عني حتى أصلح من شأني.
فقال إني أخشی الفوت، وألح عليه غاية الإلحاح، فقال شعبة: أخبرنا منصور، عن ربعي بن حراش عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت. ثم قال والله لا أحدثك بغير هذا الحديث، ولا حدثت قوما تكون فيهم، فما سمع منه إلا هذا الحديث. (11)

شدة قوله في التدليس:
قال أبونعيم: سمعت شعبة يقول: لأن أزني أحبُّ إلي من أن أدلس (12) وقال أبو زيد الهروي: سمعت شعبة يقول: لأن أقع من السّماء فأنقطع، أحبّ إلي من أن أدلس.

شعبة إمام الجرح والتعديل:

كان أبو بسطام إماما ثبتا حجة، ناقداً، جهبذا، صالحاً، زاهدا، رأسا في العلم والعمل، وهو أوّل من جرّح وعدّل (13) قال صالح بن محمد البغدادي: أوّل من تكلّم في الرجال شعبة بن الحجاج، ثم تبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم تبعه أحمد بن حنبل، ويحيي بن معين (14) وكما قال الإمام محمد بن حبان البستي: هو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين وجانب الضعفاء والمتروكين، حتی صار علما يقتدى به، ثم تبعه عليه بعد أهل العراق (15) وأخذ عنه في هذا الشأن يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي وطائفة. (16)

مقتطف من أقواله:
عن أبي الوليد قال: سمعت شعبة يقول: إذا كان عندي دقيق وقصب فما أبالي ما فاتني من الدنيا. (17)
قال بدل بن المحبر: سمعت شعبة يقول: تعلموا العربية فانها تزيد في العقل.(18)
حدثنا عبدالله بن عمر القواريري: سمعت يحيي بن سعيد يقول: قال لي شعبة: كلّ من كتبتُ عنه حديثا، فأنا له عبد. (19)

مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
قال أحمد بن حنبل رحمه الله: كان شعبة أمة واحدة في هذا الشأن، يعني: علم الحديث وأحوال الرواة. (20)
يقول سفيان رحمه الله: شعبة أمير المومنين في الحديث. (21)
وقال الشافعي رحمه الله: لو لا شعبة لما عُرف الحديث بالعراق. (22)
عن أبي بكر البكراوي قال: ما رأيت أعبد من شعبه، لقد عبد الله حتی جف جلده علی عظمه، ليس بينهما لحم. (23)
قال حماد بن زيد: ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، فإذا خالفني شعبة في شيء تركته. (24)
قال النضر بن شميل: ما رأيت أرحم بمسكين من شعبة. كان إذا رأی المسكين لا يزال ينظر اليه حتی يعطي. (25)
قال مسلم بن إبراهيم: ما دخلت علی شعبة قط في وقت صلاة، إلاّ رأيته قائما يصلي. (26)
عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: كان سفيان الثوري يقول: شعبة أمير المومنين في الحديث. (27)
قال أبو قطن كتب لي شعبة إلی أبي حنيفة (يحدثني) «زيادة من تاريخ بغداد» 9/259. فأتيته، فقال كيف أبو بسطام؟ قلت بخير، قال نِعم حشو المصر هو. (28)
قال أبو زيد الأنصاري: هل العلماء إلا شعبة من شعبة؟(29)
قال أبو داود: لما مات شعبة قال سفيان: مات الحديث. (30)

وفاته:

بعد سبع وسبعین سنة، جاءت سكرة الموت بالحق، فاختار الله تعالی شعبة بن الحجاج إلی جواره الكريم، ففاضت روحه في جمادی الأخری سنة ستين ومائة بالبصرة. (31)
رحمه الله عليه رحمة واسعة.

**********************************

المراجع:
1- تهذيب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء/ للحافظ أبونعيم الإصبهاني/ج2ص414/ المكتب الاسلامي.
2- سير أعلام النبلاء/ إمام شمس الدين الذهبي/ ص202/ موسسة الرسالة.
3- وفيات الأعيان وأبناء الزمان/ لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان/ المجلدالثاني/ دار الثقافة بيروت.
4- مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب/ للإمام الشريف محمد بن الحسن الواسطي/ الجزء الثاني/ص386 إلى 91/ دار المنهاج.
5- كتاب الثقات/ للإمام محمد بن حبان التميمي البستي/ الجزء السادس/ص446/دار الفكر/الطبعة الاولى 1400.
6- سير أعلام النبلاء/ للإمام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي/ 202إلی 228/موسسة الرسالة/الطبعة الثانية1429.
7- تهذيب الكمال في أسماء الرجال/ للحافظ جلال الدين يوسف المزي/المجلد الثاني عشر/ 479 إلى 495/موسسة الرسالة/ الطبعة الثانية 1413.
8- تهذيب التهذيب/ شهاب الدين بن أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني/ج4/دارالكتب العلمية بيروت/ الطبعة الأولی 1415.
9- سيرأعلام النبلاء/ للإمام الذهبي/ موسسة الرسالة/1429هـ.ق.
10- المرجع السابق.
11- الأنساب/ للإمام عبدالكريم بن محمد بن منصور السمعاني/ المجلد الرابع/ دار الكتب العلمية/ ص130.
12- سيرأعلام النبلاء للإمام الذهبي/موسسة الرسالة1429هـ ق.
13- سيرأعلام النبلاء/ للإمام شمس الدين الذهبي/ موسسة الرسالة.
14- تهذيب الكمال في أسماء الرجال/للحافظ المزي/ المجلد الثاني عشر/ موسسة الرسالة.
15- كتاب الثقات/ للإمام محمد بن حبان/ الجزء السادس/ دار الفكر.
16- سير أعلام النبلاء/ للإمام الذهبي/ موسسة الرسالة 1429هـ.
17- تهذيب حلية الأولياء/ للحافظ أبونعيم الإصبهاني/ ج2/ المكتب الاسلامي.
18- تهذيب التهذيب/ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني/ ج4/ دار الكتب العلمية/ 1415هـ.
19- سير أعلام النبلاء/ للإمام الذهبي/ موسسة الرسالة.
20- مجمع الأحباب/ للإمام الواسطي/ الجزء الثاني/ دار المنهاج.
21- سير أعلام النبلاء/ للإمام الذهبي/موسسة الرسالة.
22- المرجع السابق.
23- تهذيب حلية الأولياء/ للإمام أبو نعيم الإصبهاني/ج2/ المكتب الاسلامي.
24- تهذيب التهذيب/ ابن حجر العسقلاني/ ج4/ دار الكتب العلمية.
25- وفيات الأعيان/ لأبي العباس أحمد بن محمدبن أبي بكر بن خلكان/ المجلد الثاني/ دار الثقافة بيروت.
26- مجمع الأحباب للأمام الواسطي/ج2/ دار المنهاج.
27- تهذيب حلية الأولياء/ للإمام ابو نعيم الأصبهاني/ ج2/ المكتب الاسلامي.
28- سير أعلام النبلاء/ للإمام الذهبي/ موسسة الرسالة/ 1429هـ.
29- المرجع السابق.
30- تهذيب التهذيب/ابن حجر العسقلاني/ج4/دار الكتب العلمية.
31- تهذيب الكمال/ للحافظ المزي/ المجلد الثاني عشر/ موسسة الرسالة.


الإعداد والترتيب: عبد الرئوف رخشاني

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات