اليوم : 19 فبراير , 2012

الربيع العربي بين آمال ومخاوف

الربيع العربي بين آمال ومخاوف

لقد شهد العالم العربي ثورات أدّت إلى زلزال عروش المستبدين الغاشمين، الذين طال شقاء الشعوب العربية تحت وطأتهم. إن العالم العربي منذ سنوات کان يعاني من أسوأ قادة عرفهم التاريخ الإسلامي؛ قادة ربّاهم الغرب اللاديني وسلّطهم علی رقاب الشعوب المضطهدة. إنهم ظلموا قومهم وأذاقوهم أشد العذاب، فأهانوا العلماء والدعاة، وشدّدوا على المراكز الدينية والأحزاب الإسلامية والحركات الإصلاحية، فلم يرقبوا فيها إلّا ولا ذمة.
إن هولاء القادة أسخطوا ربهم وأسخطوا شعوبهم ليرضوا سادتهم الغربيين، ففصلوا الدين عن السياسة، وأبعدوا الإسلام عن الحكم، وفرضوا القوانين الوضعية على البلاد، وعطّلوا الشريعة الإسلامية، وأذاعوا البدع والمنكرات، وحاربوا القيم الدينية، وأساءوا تربية أبناء المسلمين، واستهزأوا بالدين وأحكامه، ومنهم من نادی بأعلی صوته: “نحن أبناء فرعون”، كما قال جمال عبد الناصر في مصر؛ ومنهم من أنكر حجية السنة النبوية، مثل معمر القذافي، وحاول تكوين شريعة جديدة مغايرة للشريعة الإسلامية المحمدية، وهدّدعلماء الدين؛ ومنهم من بايع ميشل عفلق المسيحي كما فعل زعماء حزب البعث؛ ومنهم من باهى بالجاهلية وكبرائها. نعم إنهم بدّلوا نعمة الله كفرا وأرادوا أن يحلوا قومهم دار البوار.
ولم يألوا جهدا في تطبيق ما أملی عليهم سادتهم الغربيون، ومربُّوهم، ولكن الله تعالى هوالذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي يقلّب القلوب، ويغيّر الإتجاهات، وهوالذي يهدي العباد والبلاد، وهو الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذنه، وهوالذي ينزل غيث النصر والهدی بعد أن يقنط العباد، وهو الولي الحميد.
فلما بلغ سيل الزبى، وتفاقم الأمر، وامتلأت كؤوس الصبر، وبلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بربهم الظنون، فإذا الشعوب النائمة صحت من السبات، ودبت الغيرة الإسلامية في قلوبهم، فانقلب الذعر شجاعة، والغفلة صحوة، والخمول حركة، والفرقة جماعة. فعند ذلك هبّت ريح النصر، واهتزت رايات الفتح، وتجلّی قوله تعالى: “ونريد أن نمنّ علی الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين”. فخرج الجماهير إلى الشوارع والمنتزهات، يبدون استياءهم ونفرتهم نحو الظالمين الغاشمين، وتزلزلت عروش الظالمين، وصار غضب الجماهير طوفاناً أغرق الظالمين والمفسدين. فلما أدركهم الغرق، قالوا سنطبق الشريعة الاسلامية، وسنقوم بالإصلاح السياسي، وسنفعل كذا وسنفعل كذا، ولات حين مناص؛ فوقعوا فيما حفرته أيديهم، فلم يغثهم سادتهم وكبرائهم، ولم يرحموا صرخاتهم، ولم يبك عليهم شعوبهم المضطهدون.«ومن يهن الله فماله من مكرم»، «فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين». فلطف الله تعالى بالشعوب العربية الإسلامية في مصر وتونس وليبيا واليمن بعد أن قاسوا الشدائد والمحن، فبدت طلائع ربيع العز والحرية، وعادت الكرامة والسيادة إلى أوساط الشعوب، وتحققت الأماني الحلوة بعد اليأس، ووجب الشكر علی الجميع، فلله الحمد رب السموات والأرض ورب العالمين، بما قطع دابر القوم الذين ظلموا وقيل الحمد لله رب العالمين.
ولكن لا يعزبنّ عن البال أن لهذه الانتصارات الرائعة متطلبات هامة، تسترعي الانتباه، ولاريب أن ههنا واجبات علی الشعوب وواجبات علی القادة المعاصرين وواجبات علی ذوي الغيرة من العلماء والمفكرين، وواجبات علی الزعماء السياسين، وواجبات علی الشباب الجامعيين، وواجبات علی رؤساء الأحزاب الإسلاميين، وواجبات علی الجامعات الإسلامية والعصرية. فإذا قام من وجب عليه بما وجب، فهنالك يتحقق النصر النهائي.
فأما واجب الجماهير والشعوب وهو العودة الكاملة إلى الدين في جميع شئون الحياة، وإحداث الانقلاب في السيرة والسلوك والأخلاق، وصياغة الحياة صياغة إسلامية وسبكها في بوتقة التعاليم الإسلامية السمحة، وتحقيق حياة إسلامية مثالية تكون نبراساً للبشرية جمعاء.
وأما واجب القادة المعاصرين فهو تطبيق الشريعة الإسلامية الغراء في جميع نواحي الحياة وعدم الخوف من لومة اللائمين بهذا الشأن، وأسلمة القوانين السائدة في البلاد، والمحاولة لتوحيد صفوف المسلمين، والاتصال الجاد بالقادة السابقين الآخرين للبحث عن الحلول الناجحة لقضايا الأمة الإسلامية.
وأما واجب العلماء والمفكرين ورجال الفكر والدعوة أن يشمّروا عن ساق الجد ويبذلوا قصاری جهدهم لتصحيح عقائد الجماهير وتزكية الشعب وتكوين الرجال الذين يجمعون بين الأصالة والمعاصرة، ويملؤون الفراغ الهائل الذي يطلب رجالا مؤمنين يخشون الله في السرّ والعلن.
وأما واجب الزعماء السياسين هو نبذ الخلافات السياسية والنزعات الطائفية والعنصرية، والتنازل عن الآراء الشاذة التي تسبب شق عصا المسلمين.
وأما واجب الشباب الجامعيين فهو الحصول على العلم والتكنلوجيا الحديثة ما يسبب تفوق العالم العربي والإسلامي، والبعد عن الترف والدعة والكسل واللهو والمجون، ومواصلة الليل والنهار في سبيل تبوأ الزعامة في العلم والبحث والتحقيق.
أما واجب روساء الأحزاب الإسلامية هو السعي لوحدة الأمة الإسلامية، والاجتناب عن النزعات الحزبية التي تسبب ابتعاد الآخرين، ولا يخفى أن إيثار الآخرين في تولي المناصب والكراسي والوظائف على منتمي الأحزاب وأعضائها يقرب الأباعد ويوحّد الأمة ويرضي الرحمن ويسخط الشياطين ويقنط المنافقين.
وأما واجب الجامعات الإسلامية سيما الأزهرالشريف أن تجدد النظر في مناهجها التعليمية والتربوية، وتخطط تخطيطاً شاملاً لتوعية أبناءالمسلمين وتبصيرهم، مستفيدة من التجارب القديمة والحديثة، مستعينة بالعلماء والخبراء في أرجاءالعالم الإسلامي حتى تستطيع أن تخرج رجالاً مرموقين ذوي الكفاءات؛ رجالاً مؤهلين يعيدون للأمة مجدها، ويحيون ذكرى القرون المشهودة لها بالخير، وينقذون العالم من بؤرة المأسي والأزمات، ويكونون رحمة للعالمين.       فالكل في مرحلة حاسمة وامتحان عسير، والرب ينظر ماذا سيفعلون، والأعداء ينظرون، وأعين العالمين تتطلع إلى ما يقوم به العاملون.
وللأحبة والمخلصين مخاوف تقلقهم، ولهم آمال وأحلام يرجون تحقيقها في الأيام القادمة.
إننا إذ نشكرالله تعالى على ما كرم ولطف، نساله خاشعين متضرعين أن يوفق الجميع لما يحبّ ويرضى من قول وفعل وهدى، ويقرّ أعين الصالحين، ويحفظنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ويعزّ الإسلام وأهله، ويذل الشرك وأنصاره، وهوالمستعان وعليه التكلان.

الكاتب: فضيلة المفتي “محمد قاسم القاسمي”، رئيس قسم الإفتاء في جامعة دار العلوم زاهدان، والمشرف على معهد اللغة العربية والدراسات الإسلامية بها

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات