اليوم : 19 فبراير , 2012

حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، الشاعر المؤيد بروح القدس

حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، الشاعر المؤيد بروح القدس

هو أبو الوليد حسان بن ثابت شاعر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، من قبيلة الخزرج، التي هاجرت من اليمن إلى الحجاز، وأقامت في المدينة مع الأوس.
ولد في المدينة قبل مولد الرسول بنحو ثماني سنين، فعاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة أخرى، وشب في بيت وجاهة وشرف، منصرفًا إلى اللهو والغزل، فأبوه ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجي، من سادة قومه وأشرافهم، وأمه الفريعة خزرجية مثل أبيه.
وحسان بن ثابت ليس خزرجيًّا فحسب؛ بل هو أيضًا من بني النجار أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فله به صلة وقرابة.

حسان بن ثابت قبل الإسلام:

كانت المدينة في الجاهلية ميدانًا للنـزاع بين الأوس والخزرج، تكثُر فيها الخصومات والحروب، وكان قيس بن الخطيم شاعر الأوس، وحسان بن ثابت شاعر الخزرج، الذي كان لسان قومه في تلك الحروب التي نشبت بينهم وبين الأوس في الجاهلية، فصارت له في البلاد العربية شهرةٌ واسعة.
وقد اتصل حسان بن ثابت بالغساسنة، يمدحهم بشعره، ويتقاسم هو والنابغة الذبياني وعلقمة الفحل أعطيات بني غسان، وقد طابت له الحياة في ظل تلك النعمة الوارفة الظلال، ثم اتصل ببلاط الحيرة وعليها النعمان بن المنذر، فحلَّ محلَّ النابغة، حين كان هذا الأخير في خلاف مع النعمان، إلى أن عاد النابغة إلى ظل أبي قابوس النعمان، فتركه حسان مكرهًا، وقد أفاد من احتكاكه بالملوك معرفةً بشعر المديح وأساليبه، ومعرفة بشعر الهجاء ومذاهبه، ولقد كان أداؤه الفني في شعره يتميز بالتضخيم والتعظيم، واشتمل على ألفاظ جزلة قوية، وهكذا كان في تمام الأهبة للانتقال إلى ظل محمد نبي الإسلام، والمناضَلة دونه بسلاحَي مَدْحِه وهجائه.

حسان بن ثابت في الإسلام:

لما بلغ حسان بن ثابت الستين من عمره، وسمع بالإسلام، دخل فيه، وراح من فوره يرد هجمات القرشيين اللسانيَّة، ويدافع عن محمد والإسلام، ويهجو خصومهما.. قال يومًا للأنصار: “ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟!” فقال حسان بن ثابت: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه، وقال عليه السلام: “والله ما يسرني به مِقْول بين بصرى وصنعاء”.
ولم يكن حسان بن ثابت وحده هو الذي يرد غائلة المشركين من الشعراء؛ بل كان يقف إلى جانبه عدد كبير من الشعراء الذين صحَّ إسلامهم، وكان النبي يثني على شعر حسان، وكان يحثُّه على ذلك ويدعو له بمثل: “اللهم أيده بروح القدس”، وعطف عليه وقرَّبه منه، وقسم له من الغنائم والعطايا، إلا أن حسان بن ثابت لم يكن يهجو قريشًا بالكفر وعبادة الأوثان؛ وإنما كان يهجوهم بالأيام التي هُزِموا فيها، ويُعيرهم بالمثالب والأنساب، ولو هجاهم بالكفر والشرك ما بلغ منهم مبلغًا.. وكان حسان بن ثابت لا يقوى قلبُه على الحرب، فاكتفى بالشعر، ولم ينصر رسول الله بسيفه، ولم يشهد معركةً مع رسول الله ولا غزوةً.
ومما لا شك فيه أن حسانَ بن ثابت كان يحظَى بمنزلةٍ رفيعةٍ، يجلُّه الخلفاء الراشدون ويفرضون له في العطاء في الوقت نفسه، فإننا لا نجد في خلافة أبي بكر- رضي الله عنه- موقفًا خاصًّا من الشعر، ويبدو أن انشغاله بالفتوحات وحركة الردَّة لم تدَع له وقتًا يفرغ فيه لتوجيه الشعراء أو الاستماع إليهم، في حين نجد أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يحب الشعر، خاصةً ما لم يكن فيه تكرار للفظ والمعنى، وقد رُوِي عن كلٍّ من الخليفتَين الراشِدَين عددٌ من الأبيات، لسْنا في صدَدِ إيرادِها.

حسان بن ثابت يؤيده الروح القدس:

قال رسول الله : “اهجُ قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل”، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: “اهجهم”، فهجاهم فلم يُرْضِ، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنَبه، ثم أدلع لسانه فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحقَ! لأفرينَّهم بلساني فرْيَ الأديم.. فقال رسول الله : “لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا، حتى يلخص لك نسبي”، فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق!! لأسلنَّك منهم كما تسل الشعرة من العجين.. قالت عائشة: فسمعت رسول الله يقول لحسان: “إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله”، وقالت: سمعت رسول الله يقول: “هجاهم حسان، فشفى واشتفى”.

حسان بن ثابت يدافع عن الإسلام:
كان الشعر قبل الإسلام يمثل بالنسبة للعرب زادهم المادي والمعنوي، بل هو وسيلة استراتيجية يلجأون إليها عند الحاجة إلى هجاء عدو وتبكيته. الشعر عند العرب كان بضاعتهم التي جعلت لهم شأنا بين الناس، فهم لم يكونوا يملكون غيره – إلا ما كان من وجود البيت الحرام في بلادهم – يعقدون الأسواق له للمباراة والمباهاة.
كانت مقامات الشعر تدور بين غزل ومدح وهجاء ورثاء؛ والشاعر الماهر عندهم هو الذي يجيد قلب الحقائق وعرض المقصود بصورة هي إلى الخيال أقرب منها إلى الواقع، والوصول إلى هذا يحتاج إلى التخلي عن خلق الصدق، ولذا شاع عندهم هذا التعبير: “أعذب الشعر أكذبه”.
فلما جاء الإسلام بأخلاقه الحميدة التي نمّى ما كان موجودا منها وهذبه وأضاف كثيرا من الأبعاد التي لم يكن لها وجود في عالم منطلق من ثوابت قبلية محضة، فغيّر الإسلام هذا اللون من الشعر الذي اعتمد الكذب منهجا له حيث حرم الكذب في كل ما يقال، هنا وجد الشعر طريقه إلى الصدق وانقلبت الصورة حتى قال حسان رضي الله عنه:
وإن أصدق بيت أنت قائله ### بيت يقال إذا أنشدته صدقَ
ووصف القرآن شعر الكاذبين بأوصاف منفرة ومن بينها ما تضمنته هذه الآيات:
{ وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ  أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ  وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ  إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }.
وعندما نتأمل هذا الاستثناء { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ..} نقف على الحقيقة التي يجهلها كثيرون وهي أن الشعر الحسن الصادر عن وعي وصدق ومراعاة للوازع الإيماني ودفاعاعن النفس وانتصارا لها بعد ظلم كل ذلك لا يدخل في باب الشعر المنهي عنه، كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن من الشعر لحكمة ” وهنا عرف حكم الشعر في الإسلام فمليحه مليح وقبيحه قبيح.
وكان من أبرز الشعراء على مر عصور الإسلام، الشاعر المخضرم حسان بن ثابت الصحابي الجليل شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي لم يشهد غزوة واحدة من الغزوات، لكن شعره كان درعا واقيا يذب به عن الإسلام ويدافع حيث إن سيف الكلمة في هذا الوقت لم يكن ليقل بحال من الأحوال عن السهام والسيوف والنبال المستخدمة في الحروب.
فما أروعك يا صوت الحق ودرعه أنت تقول دفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن هجاه أبو سفيان بن الحارث:
هجوت محمدًا فأجبت عنه *** وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمدًا برًّا تقيًّا *** رسول الله شيمته الوفاء
فإن أبي ووالده وعرضي *** لعرض محمد منكم وقاء
ثكلت بنيتي إن لم تروها *** تثير النقع من كنفي كداء
يبارين الأعنة مصعدات *** على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات *** تلطمهن بالخمر النساء
فإن أعرضتمو عنا اعتمرنا *** وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لضراب يوم *** يعز الله فيه من يشاء
وقال الله: قد أرسلت عبدًا *** يقول الحق ليس به خفاء
وقال الله: قد يسرت جندًا *** هم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد *** سباب أو قتال أو هجاء
هذا الشاعر الجليل الذي جرد لسانه للدفاع عن الحق تعرض كثيرا للانتحال للسبب المذكور وهو الدفاع عن الحق حيث دس عليه شعر كثير لم يقله لمحاولة تشويه صورته، واستشهد هنا بقول صاحب كتاب “طبقات فحول الشعراء ” الذي قال عن حسان :
هو كثير الشعر جيدة وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد وقد وضعت عليه قريش أشعارا كثيرة لا تنقى .أ.هـ
وهجاء حسان رضي الله عنه لم يكن إلا بالأيام والمحن وتذكير المهجو بهزيمة مني بها ونحو ذلك، وما عدا هذا فحسان منه براء. هكذا حكم أهل التحقيق والنقد الأدبي.
ومما يؤكد الدور الريادي الذي هذب به الإسلام الشعر، هو شعر حسان نفسه الذي كان قبل الإسلام يدور بين الغزل والخمر ومدح الملوك ….وبينه في الإسلام إذ هو دفاع وتقويم بل جهاد باللسان.
رحم الله حسان بن ثابت صوت الحق الذي لازال يدوي في سماء باتت مظلمة وأرض تهيم في ليل بهيم أليل.
ولقد نصب حسان نفسه للدفاع عن الدين الإسلامي، والرد على أنصار الجاهلية، وقد نشبت بين الفريقين معارك لسانية حامية، فكان الشعر شعر نضال يهجو فيه الأعداء، ويمدح فيه رجال الفريق، ولم يكن المدح ولا الهجاء للتكسب أو الاستجداء؛ بل للدفاع عن الرسول الكريم وهذا ينقسم لقسمين:
أما المدح الذي نجده في شعر حسان لهذا العهد، فهو مقصور على النبي وخلفائه وكبار الصحابة، والذين أبلَوا في الدفاع عن الإسلام بلاءً حسنًا، وهو يختلف عن المدح التكسُّبي بصدوفه عن التقلب على معاني العطاء والجود، والانطواء على وصف الخصال الحميدة ورسالة محمد وما إلى ذلك مما ينبثق من العاطفة الحقَّة والعقيدة النفيسة، قال حسان:
نبي أتانا بعد يأس وفترة من الرسل *** والأوثان في الأرض تعبد
فأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا *** يلوح كما لاح الصقيل المهنـد
وأنذرنا نارًا وبشر جـنة *** وعلمنا الإسلام، فالله نحــمد
وأنت إله الخلق ربي وخالقي *** بذلك ما عمرت في الناس أشهد
ويلحق بهذا المدح رثاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ذرف الشاعر دموعًا حارة، وضمنه لوعة وتذكرًا لأفضال رسول الدين الجديد، وحنينًا إليه في النعيم:
مع المصطفى أرجو بذاك جواره *** وفي نيل ذلك اليوم أسعى وأجهد
وأما الهجاء النضالي فقد وجهه إلى القرشيين الذين قاموا في وجه الدين الجديد يحاربونه ويهجون محمدًا وكان موقف الشاعر تجاههم حربًا لما بينهم وبين محمد من نسب.

وفاة حسان بن ثابت:
توفي حسان بن ثابت في المدينة المنورة سنة (54هـ= 673/674م) في عهد معاوية بن أبي سفيان عن عمر قد ناهز المائة والعشرين عامًا.
رضي الله عن حسان وأرضاه.

آثار حسان بن ثابت:
اتفق الرواة والنقَّاد على أن حسان بن ثابت أشعَر أهل المدر في عصره، وأشعر أهل اليمن قاطبةً، وقد خلف ديوانًا ضخمًا رواه ابن حبيب، غير أن كثيرًا من الشعر المصنوع دخله؛ لأنه لما كان لحسان بن ثابت موقف خاص من الوجهة السياسية والدينية، دُسَّ عليه كثير من الشعر المنحول، وقام بهذا العمل أعداء الإسلام، كما قام به بعض كُتَّاب السير.

حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، الشاعر المؤيد بروح القدس

هو أبو الوليد حسان بن ثابت شاعر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، من قبيلة الخزرج، التي هاجرت من اليمن إلى الحجاز، وأقامت في المدينة مع الأوس.

ولد في المدينة قبل مولد الرسول بنحو ثماني سنين، فعاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة أخرى، وشب في بيت وجاهة وشرف، منصرفًا إلى اللهو والغزل، فأبوه ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجي، من سادة قومه وأشرافهم، وأمه الفريعة خزرجية مثل أبيه.

وحسان بن ثابت ليس خزرجيًّا فحسب؛ بل هو أيضًا من بني النجار أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فله به صلة وقرابة.

حسان بن ثابت قبل الإسلام:

كانت المدينة في الجاهلية ميدانًا للنـزاع بين الأوس والخزرج، تكثُر فيها الخصومات والحروب، وكان قيس بن الخطيم شاعر الأوس، وحسان بن ثابت شاعر الخزرج، الذي كان لسان قومه في تلك الحروب التي نشبت بينهم وبين الأوس في الجاهلية، فصارت له في البلاد العربية شهرةٌ واسعة.

وقد اتصل حسان بن ثابت بالغساسنة، يمدحهم بشعره، ويتقاسم هو والنابغة الذبياني وعلقمة الفحل أعطيات بني غسان، وقد طابت له الحياة في ظل تلك النعمة الوارفة الظلال، ثم اتصل ببلاط الحيرة وعليها النعمان بن المنذر، فحلَّ محلَّ النابغة، حين كان هذا الأخير في خلاف مع النعمان، إلى أن عاد النابغة إلى ظل أبي قابوس النعمان، فتركه حسان مكرهًا، وقد أفاد من احتكاكه بالملوك معرفةً بشعر المديح وأساليبه، ومعرفة بشعر الهجاء ومذاهبه، ولقد كان أداؤه الفني في شعره يتميز بالتضخيم والتعظيم، واشتمل على ألفاظ جزلة قوية، وهكذا كان في تمام الأهبة للانتقال إلى ظل محمد نبي الإسلام، والمناضَلة دونه بسلاحَي مَدْحِه وهجائه.

حسان بن ثابت في الإسلام:

لما بلغ حسان بن ثابت الستين من عمره، وسمع بالإسلام، دخل فيه، وراح من فوره يرد هجمات القرشيين اللسانيَّة، ويدافع عن محمد والإسلام، ويهجو خصومهما.. قال يومًا للأنصار: “ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟!” فقال حسان بن ثابت: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه، وقال عليه السلام: “والله ما يسرني به مِقْول بين بصرى وصنعاء”.

ولم يكن حسان بن ثابت وحده هو الذي يرد غائلة المشركين من الشعراء؛ بل كان يقف إلى جانبه عدد كبير من الشعراء الذين صحَّ إسلامهم، وكان النبي يثني على شعر حسان، وكان يحثُّه على ذلك ويدعو له بمثل: “اللهم أيده بروح القدس”، وعطف عليه وقرَّبه منه، وقسم له من الغنائم والعطايا، إلا أن حسان بن ثابت لم يكن يهجو قريشًا بالكفر وعبادة الأوثان؛ وإنما كان يهجوهم بالأيام التي هُزِموا فيها، ويُعيرهم بالمثالب والأنساب، ولو هجاهم بالكفر والشرك ما بلغ منهم مبلغًا.. وكان حسان بن ثابت لا يقوى قلبُه على الحرب، فاكتفى بالشعر، ولم ينصر رسول الله بسيفه، ولم يشهد معركةً مع رسول الله ولا غزوةً.

ومما لا شك فيه أن حسانَ بن ثابت كان يحظَى بمنزلةٍ رفيعةٍ، يجلُّه الخلفاء الراشدون ويفرضون له في العطاء في الوقت نفسه، فإننا لا نجد في خلافة أبي بكر- رضي الله عنه- موقفًا خاصًّا من الشعر، ويبدو أن انشغاله بالفتوحات وحركة الردَّة لم تدَع له وقتًا يفرغ فيه لتوجيه الشعراء أو الاستماع إليهم، في حين نجد أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يحب الشعر، خاصةً ما لم يكن فيه تكرار للفظ والمعنى، وقد رُوِي عن كلٍّ من الخليفتَين الراشِدَين عددٌ من الأبيات، لسْنا في صدَدِ إيرادِها.

حسان بن ثابت يؤيده الروح القدس:

قال رسول الله : “اهجُ قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل”، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: “اهجهم”، فهجاهم فلم يُرْضِ، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنَبه، ثم أدلع لسانه فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحقَ! لأفرينَّهم بلساني فرْيَ الأديم.. فقال رسول الله : “لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا، حتى يلخص لك نسبي”، فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق!! لأسلنَّك منهم كما تسل الشعرة من العجين.. قالت عائشة: فسمعت رسول الله يقول لحسان: “إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله”، وقالت: سمعت رسول الله يقول: “هجاهم حسان، فشفى واشتفى”.

حسان بن ثابت يدافع عن الإسلام:

كان الشعر قبل الإسلام يمثل بالنسبة للعرب زادهم المادي والمعنوي، بل هو وسيلة استراتيجية يلجأون إليها عند الحاجة إلى هجاء عدو وتبكيته. الشعر عند العرب كان بضاعتهم التي جعلت لهم شأنا بين الناس، فهم لم يكونوا يملكون غيره – إلا ما كان من وجود البيت الحرام في بلادهم – يعقدون الأسواق له للمباراة والمباهاة.

كانت مقامات الشعر تدور بين غزل ومدح وهجاء ورثاء؛ والشاعر الماهر عندهم هو الذي يجيد قلب الحقائق وعرض المقصود بصورة هي إلى الخيال أقرب منها إلى الواقع، والوصول إلى هذا يحتاج إلى التخلي عن خلق الصدق، ولذا شاع عندهم هذا التعبير: “أعذب الشعر أكذبه”.

فلما جاء الإسلام بأخلاقه الحميدة التي نمّى ما كان موجودا منها وهذبه وأضاف كثيرا من الأبعاد التي لم يكن لها وجود في عالم منطلق من ثوابت قبلية محضة، فغيّر الإسلام هذا اللون من الشعر الذي اعتمد الكذب منهجا له حيث حرم الكذب في كل ما يقال، هنا وجد الشعر طريقه إلى الصدق وانقلبت الصورة حتى قال حسان رضي الله عنه:

وإن أصدق بيت أنت قائله ### بيت يقال إذا أنشدته صدقَ

ووصف القرآن شعر الكاذبين بأوصاف منفرة ومن بينها ما تضمنته هذه الآيات:

{ وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }.

وعندما نتأمل هذا الاستثناء { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ..} نقف على الحقيقة التي يجهلها كثيرون وهي أن الشعر الحسن الصادر عن وعي وصدق ومراعاة للوازع الإيماني ودفاعاعن النفس وانتصارا لها بعد ظلم كل ذلك لا يدخل في باب الشعر المنهي عنه، كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن من الشعر لحكمة ” وهنا عرف حكم الشعر في الإسلام فمليحه مليح وقبيحه قبيح.

وكان من أبرز الشعراء على مر عصور الإسلام، الشاعر المخضرم حسان بن ثابت الصحابي الجليل شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي لم يشهد غزوة واحدة من الغزوات، لكن شعره كان درعا واقيا يذب به عن الإسلام ويدافع حيث إن سيف الكلمة في هذا الوقت لم يكن ليقل بحال من الأحوال عن السهام والسيوف والنبال المستخدمة في الحروب.

فما أروعك يا صوت الحق ودرعه أنت تقول دفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن هجاه أبو سفيان بن الحارث:

هجوت محمدًا فأجبت عنه *** وعند الله في ذاك الجزاء

هجوت محمدًا برًّا تقيًّا *** رسول الله شيمته الوفاء

فإن أبي ووالده وعرضي *** لعرض محمد منكم وقاء

ثكلت بنيتي إن لم تروها *** تثير النقع من كنفي كداء

يبارين الأعنة مصعدات *** على أكتافها الأسل الظماء

تظل جيادنا متمطرات *** تلطمهن بالخمر النساء

فإن أعرضتمو عنا اعتمرنا *** وكان الفتح وانكشف الغطاء

وإلا فاصبروا لضراب يوم *** يعز الله فيه من يشاء

وقال الله: قد أرسلت عبدًا *** يقول الحق ليس به خفاء

وقال الله: قد يسرت جندًا *** هم الأنصار عرضتها اللقاء

لنا في كل يوم من معد *** سباب أو قتال أو هجاء

هذا الشاعر الجليل الذي جرد لسانه للدفاع عن الحق تعرض كثيرا للانتحال للسبب المذكور وهو الدفاع عن الحق حيث دس عليه شعر كثير لم يقله لمحاولة تشويه صورته، واستشهد هنا بقول صاحب كتاب “طبقات فحول الشعراء ” الذي قال عن حسان :

هو كثير الشعر جيدة وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد وقد وضعت عليه قريش أشعارا كثيرة لا تنقى .أ.هـ

وهجاء حسان رضي الله عنه لم يكن إلا بالأيام والمحن وتذكير المهجو بهزيمة مني بها ونحو ذلك، وما عدا هذا فحسان منه براء. هكذا حكم أهل التحقيق والنقد الأدبي.

ومما يؤكد الدور الريادي الذي هذب به الإسلام الشعر، هو شعر حسان نفسه الذي كان قبل الإسلام يدور بين الغزل والخمر ومدح الملوك ….وبينه في الإسلام إذ هو دفاع وتقويم بل جهاد باللسان.

رحم الله حسان بن ثابت صوت الحق الذي لازال يدوي في سماء باتت مظلمة وأرض تهيم في ليل بهيم أليل.

ولقد نصب حسان نفسه للدفاع عن الدين الإسلامي، والرد على أنصار الجاهلية، وقد نشبت بين الفريقين معارك لسانية حامية، فكان الشعر شعر نضال يهجو فيه الأعداء، ويمدح فيه رجال الفريق، ولم يكن المدح ولا الهجاء للتكسب أو الاستجداء؛ بل للدفاع عن الرسول الكريم وهذا ينقسم لقسمين:

أما المدح الذي نجده في شعر حسان لهذا العهد، فهو مقصور على النبي وخلفائه وكبار الصحابة، والذين أبلَوا في الدفاع عن الإسلام بلاءً حسنًا، وهو يختلف عن المدح التكسُّبي بصدوفه عن التقلب على معاني العطاء والجود، والانطواء على وصف الخصال الحميدة ورسالة محمد وما إلى ذلك مما ينبثق من العاطفة الحقَّة والعقيدة النفيسة، قال حسان:

نبي أتانا بعد يأس وفترة من الرسل *** والأوثان في الأرض تعبد

فأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا *** يلوح كما لاح الصقيل المهنـد

وأنذرنا نارًا وبشر جـنة *** وعلمنا الإسلام، فالله نحــمد

وأنت إله الخلق ربي وخالقي *** بذلك ما عمرت في الناس أشهد

ويلحق بهذا المدح رثاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ذرف الشاعر دموعًا حارة، وضمنه لوعة وتذكرًا لأفضال رسول الدين الجديد، وحنينًا إليه في النعيم:

مع المصطفى أرجو بذاك جواره *** وفي نيل ذلك اليوم أسعى وأجهد

وأما الهجاء النضالي فقد وجهه إلى القرشيين الذين قاموا في وجه الدين الجديد يحاربونه ويهجون محمدًا وكان موقف الشاعر تجاههم حربًا لما بينهم وبين محمد من نسب.

وفاة حسان بن ثابت:

توفي حسان بن ثابت في المدينة المنورة سنة (54هـ= 673/674م) في عهد معاوية بن أبي سفيان عن عمر قد ناهز المائة والعشرين عامًا.

رضي الله عن حسان وأرضاه.

آثار حسان بن ثابت:

اتفق الرواة والنقَّاد على أن حسان بن ثابت أشعَر أهل المدر في عصره، وأشعر أهل اليمن قاطبةً، وقد خلف ديوانًا ضخمًا رواه ابن حبيب، غير أن كثيرًا من الشعر المصنوع دخله؛ لأنه لما كان لحسان بن ثابت موقف خاص من الوجهة السياسية والدينية، دُسَّ عليه كثير من الشعر المنحول، وقام بهذا العمل أعداء الإسلام، كما قام به بعض كُتَّاب السير.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات