اليوم : 28 يناير , 2012

البوسنة والهرسك.. مأساة شعب وهوان أمة

البوسنة والهرسك.. مأساة شعب وهوان أمة

إن تاريخ المسلمين في الغرب تاريخ حافل بالصبر والجهاد، وفي أرض البشناق (البوسنة والهرسك) خير دليل ومثال على ذلك، حيث تكالب الغرب عليها من كل صوب وأذاقوا شعبها الويلات، لكنهم فشلوا رغم كل محاولاتهم وما استطاعوا حجب شمس الإسلام عن هذه البقعة الصامدة.

الموقع الجغرافي:
ظلت البوسنة منفصلة على الهرسك حتى جاء ملك البوسنة “بان كوترومانيتش” (1322م – 1353م) وضم الأخيرة إلى الأولى في دولة واحدة، وتمثل البوسنة جغرافيًا المناطق الوسطى والشرقية والغربية من البلاد، أما “هرسك” فهي اسم منطقة حوض نهر “نيريتفا”.
والبوسنة والهرسك هي إحدى جمهوريات يوغوسلافيا السابقة. تقع في منطقة البلقان بجنوب أوربا، يحدها من الشمال والغرب والجنوب كرواتيا الكاثوليكية، من الشرق صربيا الأرثوذكسية ومونتينجرو “الجبل الأسود”، ولها منفذ من جهة الجنوب الغربي على البحر الأدرياتيكي تحتله كرواتيا.
وعاصمة البوسنة والهرسك هي مدينة سراييفو، التي أسسها الغازي “خسرو بك” واهتم ببنائها وتعميرها، وكان شديد التعلق بها لدرجة أنه عندما واتته المنية أوصى بدفنه داخل ساحة المسجد الذي يحمل اسمه.

عدد المسلمين في البوسنة والهرسك:
كغيرها من دول العالم فإن إحصائيات المسلمين بها دخلها كثيرا من التلاعب والكذب؛ لتقليل نسبة المسلمين بها، وتشير إحدى الإحصائيات الرسمية لشهر يوليو لعام (1994م) أن عدد السكان في البوسنة يبلغ (4651485 نسمة) تقرييًا. كما يشير مشروع إعلان مبادئ الترتيبات الدستورية لدولة البوسنة والهرسك والذي تم وضعه في (18 مارس 1992م) إلى أن نسبة المسلمين في البوسنة والهرسك هي (44%) وفقاً للإحصاءات المعلنة، بينما يشكل الصرب (أرثوذكس) حوالي 32% من السكان، كما يشكل الكروات (كاثوليك) حوالي 17%. وتشتمل البقية وهي 7% على ألبانيين وغجر وأوكرانيين.

دخول الإسلام إلى البوسنة والهرسك:
لم تعرف هذه المنطقة الإسلام إلا بعد قدوم العثمانيبن إليها وفتحها، ففي القديم كانت هذه المنطقة نصرانية المعتقد، وكان البلقان-الإقليم الأم للبوسنة والهرسك- يسكنه قبائل تُدعى قبائل “إليريه”، وبحلول القرن السابع الميلادي أخذت منطقة البلقان تتعرض لغزو جديد من مختلف الجهات، وبعدها تغيرت تركيبتها السكانية والعقائدية، وحينها كون البشناق البوسنة والهرسك.
ولأن البوسنة والهرسك (بلاد البشناق) -القائمة على المذهب البوغوميلي- تقع في منطقة الصراع بين الصرب (في الجنوب) والكروات (في الشمال)، ظلت منطقة نزاع تتعرض لضغط وإيذاء شديد من الصرب الأرثوذكس تارةً ومن الكروات الكاثوليك تارةً أخرى، ودام هذا الأمر لأكثر من مائتين وخمسين سنة.
بعد هذا الصراع الطويل استطاع العثمانيون فتح صربيا، ثم أعقب ذلك فتح أرض البشناق سنة 1493م، وتم الفتح الكامل لها على يد السلطان محمد الفاتح رحمه الله سنة 1464م ، وبعدها دخل كثير من البشناق البوغوميليين في دين الله أفواجا.

البوسنة والهرسك في ظل الاستعمار من جديد:
وبعد أربعة قرون من العيش كولاية عثمانية تطبق فيها الشريعة الإسلامية والفرمانات والتنظيمات السلطانية، انتقلت البوسنة والهرسك لتعيش مرحلة جديدة ومختلفة مع الاستعمار النمساوي المجري النصراني، بعد انهزام العثمانيين أمام جيوش روسيا والدول الأوربية.
وسلمت البوسنة والهرسك طواعية للنمساويين بناء على قرارات مؤتمر برلين سنة 1878م، حيث منح المؤتمر للإمبراطورية الأسترو هنجارية – النمسا والمجر حاليًا- الإدارة المؤقتة للبوسنة والهرسك، لترحل بذلك الدولة العثمانية عن البوسنة والهرسك، وتصبح البوسنة في يد النمسا بحلول عام 1908م.
وكان أول ما حرصت عليه فيينا هو تقليص علاقة البوشناق المسلمين الدينية والسياسية مع اسطنبول إلى الحد الأدنى، واتبعت في ذلك إجراءات عدة أهمها إنشاء منصب رئيس العلماء وتشكيل مجلس العلماء ليصبح (أعلى جهاز لإدارة وتنظيم الشئون الدينية للمسلمين البوسنيين)، وفي عام 1888م تم الانتهاء من بناء المدرسة الشرعية وأطلق عليها مكتب النواب (أصبحت لاحقا كلية الدراسات الإسلامية) بهدف تعليم العلوم الشرعية وتأهيل القضاة الشرعيين، حتى ينعزل المسلمون تماما عن دولة الخلافة.

البوسنة والهرسك أثناء الحربين العالميين:
قبل الحرب العالمية الأولى قام الملك ألكسندر في يناير عام 1929م بتعليق الدستور، وأعلن أن الدولة لن تعرف بعد اليوم باسم مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين، بل إن اسمها سيصبح مملكة يوغسلافيا، وقسمت حينها إلى عدة مقاطعات بحيث أصبح المسلمون أقلية مستضعفة في كل مقاطعة.
في السادس من أبريل (نيسان) 1941م، قامت القوات الألمانية بغزو يوغوسلافيا، وبعد أربعة أيام، أي في 10 من أبريل 1941م، أعلنوا عن قيام دولة كرواتيا المستقلة، ثم جاء الشيوعيون واستولوا على السلطة في يوغوسلافيا عام 1945م.

البوسنة والهرسك وجرائم الشيوعية:
وفي عهد الشيوعيون سجلت كثير من الانتهاكات في حق المسلمين هناك، وتفيد المعلومات أن هناك حوالي 75 ألف مسلم بوسني قضوا في الحرب العالمية الثانية وهي نسبة تعادل 8.1 % من مجموع سكان المسلمين، كذلك قاموا بإغلاق المحاكم الشرعية في عام 1946م، وتم في عام 1950م إغلاق آخر الكتاتيب التي كان التلاميذ يتعلمون فيها معلومات أساسية عن القرآن. فلقد تم حل جميع الجمعيات الإسلامية الثقافية والتربوية، مثل جمعيات “غيرت”، “نارودنا أوزدانيتسا” و”بريبورود” ولم يتم الإبقاء إلا على الجمعية الدينية الإسلامية الرسمية ومدرستين إسلاميتين تخضعان لرقابة مشددة. وتم إغلاق المطبعة الإسلامية في سراييفو وتولت الدولة إدارة الهيئة المشرفة على الأوقاف.

عدوان الصرب على مسلمي البوسنة:
بعد استفتاء 4 مارس 1992م، الذي أعلن فيه “علي عزت بيجوفيتش” استقلال جمهورية البوسنة والهرسك رسمياً عن صربيا شن الصرب معاركا دامية في جمهورية البوسنة والهرسك، ودخل الصرب بالمدرعات والدبابات بلدة “بوسانسكي برود”. فبعثت الأمم المتحدة بقوات في (23 مارس 1992م) إلى بلغراد لحفظ السلام، وإيقاف اعتداء الصرب على كلٍ من كرواتيا والبوسنة، وبالفعل توقف الاعتداء على كرواتيا، بينما امتد على المسلمين واتسع حتى عمَّ بحلول (25 مارس 1992م) جميع مدن البوسنة والهرسك، فصار المسلمون يجاهدون وحدهم ضد الجيشين الصربي والكرواتي يدعمهم صرب البوسنة وكروات البوسنة.
وقد كان تركيز الصرب -في المناطق التي احتلوها- على أئمة المساجد ورجال الدعوة؛ حيث يتم شنقهم وتعليقهم على مآذن المساجد!!، كما حاول الصرب الأرثوذكس تنصير العديد من المسلمين، ونجح الرهبان في خطف (50 ألف طفل بوسني) من المستشفيات ومراكز اللاجئين، وتم شحنهم في حافلات إلى بلغراد، ثم إلى جهة تنصيرية ألمانية.

أين أنتم يا مسلمون من جرائم الصرب:
ارتكب الجنود الصرب فظائع كثيرة في حق المسلمين البوسنيين، وكان كل شيء بعلم الكنيسة الأرثوذكسية وأوامرها؛ فقام الجنود بقطع إصبعين وترك ثلاثة أصابع للضحايا كرمز على التثليث، ورسم الصليب على الأجسام بالسكاكين والحديد، كما أصدرت الكنيسة فتوى تبيح اغتصاب الصرب للمسلمات؛ فتم اغتصاب آلاف الفتيات، حتى أنه من كثرتهم لم يتوصل إلى إحصائية دقيقة تعبر عن عدد المغتصبات، وتشير بعض التقديرات إلى اغتصاب حوالي (60 ألف سيدة وفتاة وطفلة) بوسنية حتى (فبراير 1993م)، والمحزن أن كل واحدة من هؤلاء تم اغتصابها عدة مرات.
ومن الأمثلة المثيرة للشجن: اقتحم ثلاثة من الجنود الصرب منزل أسرة مسلمة تتكون من امرأة مسنة (جدة 60 عامًا) وابنتها الكبرى (أم 42 عامًا) وبناتها الخمس (19 , 15 ,12 , 9 , 6 عامًا) وقاموا – تحت التهديد – باغتصاب الجدة أمام ابنتها وأحفادها، ثم قاموا باغتصاب الأم أمام أمها وبناتها، ثم قاموا باغتصاب الفتيات الخمسة الصغيرات أمام الأم والجدة, مما نتج عنه موت اثنين من الفتيات الصغيرات بينما فقدت الجدة والأم النطق والعقل.
وكانت القوات الدولية -الفرنسية والأوكرانية- تبيع طعام المساعدات المجانية للبوسنيات بالنقود، والتي لا تملك النقود، فالاغتصاب مقابل الطعام، واستغاث مسلمو البوسنة بمسلمي العالم، فأرسل “علي عزت بيجوفيتش” – رحمه الله – 100 رسالة إلى زعماء العالم وخاصة المسلمين منهم.

مذبحة سربرنيتشا:

مذبحة سربرنيتشا، مجزرة شهدتها البوسنة والهرسك سنة 1995م على أيدي القوات الصربية وراح ضحيتها حوالي 8 آلاف شخص ونزح عشرات الآلاف من المدنيين المسلمين من المنطقة. تعتبر هذه المجزرة من أفظع المجازر الجماعية التي شهدتها القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.
تم تحميل رادوفان كاراديتش الزعيم السياسي لصرب البوسنة والجنرال راتكو ملاديتش الذي قاد المليشيا الصربية بالإضافة للعديد من القادة السياسيين والعسكريين وشبه العسكريين المسؤولية عن تنظيم عمليات قتل المدنيين وتشريدهم. فيما لا يزال معظمهم متواري عن الأنظار وملاحقين من قبل الإنتربول وقوات الأمم المتحدة في البوسنة. كذلك، اتهم أهالي الضحايا القوات الهولندية العاملة في نطاق قوات الأمم المتحدة بعدم الدفاع عن أهالي المدينة وتسليم من التجأ لثكنة هذه القوات لميليشا صرب البوسنة التي قتلتهم جميعاً لاحقاً.
وفي فبراير 2007، أكدت محكمة العدل الدولية ما أصدرته محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة بأن ماجرى في سريبرينيتسا كان إبادة جماعية.

انتهاء الحرب … لكن المعاناة مستمرة
انتهت الحرب في البوسنة والهرسك لكن معاناة المسلمين لم تنتهي هناك، فبعد تكوين جبهة جهادية كادت أن تحرر البلاد من قيود الاستعمار السياسي والاقتصادي سارع الغرب تحت راية منظمة حلف الأطلسي بعمل اتفاقية “دايتون” سنة (1995م)، تلك الاتفاقية  المشبوهة التي قضت بإعطاء صرب البوسنة (49 %) من الأراضي التي تتكون من 42 بلدة ومدينة أغلبها في أماكن ومراكز صناعية, أما المسلمون والكروات فقد أصبحوا فيدرالية مسلمة كرواتية لها 51 % من أراضي البوسنة؛ وبالتالي ذهب 49% من الأراضي إلى يد 31 % من السكان وذهب 17% منها إلى الكروات، ولم يتبق للمسلمين سوى 34% فقط من الأرض رغم كونهم يشكلون 52% من السكان.
وبذلك لم تتمكن العائلات الكرواتية من العودة إلى ديارها في شطر المسلمين, كما لم تسجل أي عودة للمسلمين إلى ديارهم في الشقين الكرواتي والصربي؛ خوفًا من ملاقاة مصير أسلافهم، إلى جانب ذلك لم تنجح الاتفاقية في إنهاء الصراعات القومية والدينية، كما أجبر المسلمون علي حذف الكلمات والتعابير الخاصة بالحديث عن العدوان الصربي في المناهج الدراسية.
وأخيرا نقول إن تخاذل المسلمين في شتى أقطار العالم كان من أهم الأسباب التي ساعدت في قتل مئات الآلاف من مسلمي البوسنة، ولو أنهم وجدوا الدعم السياسي والمالي، لما صاروا لهذه الحال، كذلك فقد أثبتت هذه الأزمة أن الكفر ملة واحدة خاصة بعد تورط عدد من المسئولين والدول والهيئات في الحرب ضد البوسنة والهرسك.
فقد اتهم بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة – زمن الحرب – بالانحياز إلى الصرب الأرثوذكس ضد المسلمين, كما تم إدانة الجنرال ماكنزي قائد القوات الدولية في البوسنة بالتعاون الوثيق مع القوات الصربية لقاء رشاوى مالية، ومشاركته في اغتصاب الفتيات المسلمات الأسيرات لدى الصرب!!, واتهم الجنرال فيليب موريو – الذي خلف الجنرال ما كنزي – بالتستر على المذابح الجماعية وعمليات التطهير العرقي، بالإضافة إلى دوره في إعاقة خطط التدخل الإنساني لتوصيل المواد الإغاثية بالقوة إلى المناطق المسلمة المحاصرة.
واستخدمت المفوضية العليا للاجئين سلاح الطعام وسيلة للضغط على المسلمين أثناء فترات المفاوضات؛ التي شهدت أقل نسبة لتوزيع المساعدات الغذائية, وألزمت المفوضية المسلمين المفرج عنهم من معسكرات الاعتقال الصربي بمغادرة البوسنة إلى أي جهة غربية, كما شاركت القوات الدولية في عمليات تهريب السلع والسيارات, وتورطت في جرائم أخلاقية.

الرئيس البوسني السابق بيجوفيتش:

إن الدولة التي أسسها الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش-رحمه الله- ليست الدولة الإسلامية التي حلم بها الروّاد بمن فيهم الرئيس علي عزت، ولكنها الدولة التي يستطيع الروّاد أن يؤسسوا فيها للقاعدة الصلبة.
المستوى المنظور: نشاهد اليوم في البوسنة قيام مدارس إسلامية متقدمة يدرس فيها جميع العلوم واللغات الحية في مقدمتها اللغة العربية، مع جرعة كبيرة من التربية الإسلامية، وانتشار حركة بناء المساجد في المدن والقرى البوسنية بشكل لم يسبق له مثيل، وكلها ستؤتي أكلها رغم كل المساعي الجبارة التي تبذل من أجل إغراق البوسنة في وحل الرذيلة الغربية، وجعل البوسنة نسخة طبق الأصل من مجتمعات لا خلاق لها.
وعلى المستوى السياسي نرى توسعاً في الحكومة المركزية التي أصبحت تضم 6 وزارات بدلاً من ثلاث وزارات سابقاً، وتكوين جيش موحد بدلاً من “جيش فيدرالي وجيش صربي” قوامه خمسة عشر ألف جندي، 7 آلاف مسلم وخمسة آلاف صربي، وثلاثة آلاف كرواتي، يبسط نفوذه على الحدود البوسنية، وخاصة المتاخمة لكرواتيا وصربيا.
وعلى المستوى الاقتصادي أرسى علي عزت أسس اقتصاد بديل وحر لإدارة الأزمات في ساعة العسرة، ووضع يده على أهم المؤسسات لضمان استمرارية مشروعه الحضاري بطرق شرعية لا يستطيع أحد الطعن فيها قانونياً؛ لأن الأموال وصلت بطرق شرعية عن طريق التبرع الشخصي، وليست أموالاً دولية أو أموال دافعي الضرائب، وليست أموال العائدات من المواد الخام أو غيرها.
ولم يترك علي عزت الحكم إلا بعد أن اطمأن على الحدود الجنوبية، فكرواتيا الفاشية قد ماتت مع “توجمان”، أما صربيا فهي كما توقع لها علي عزت أصبحت مسرحاً للفوضى والانحطاط السياسي والاقتصادي، فالجبل الأسود سيكون الشعرة التي ستقسم ظهر الصرب بعد أثقال كرواتيا وسلوفينيا ومقدونيا والبوسنة والهرسك وكوسوفا.

المصدر: مركز التأصيل للدراسات والبحوث

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات