اليوم : 5 يناير , 2012

شمولية أحكام الفقه الإسلامي

شمولية أحكام الفقه الإسلامي

المجتمع البشري له مصالح ومضار، على مستوى الفرد والدولة والأمة، وتسوده علاقات دولية وإقلمية، والحياة لها متطلبات، والإنسان له علاقات بربّه وبنفسه وبمجتمعه، ودائما هو يسعى لتحقيق صلاحة في الدنيا والآخرة، وللفقه الإسلامي شمولية يعطي الضوء على جميع متطلبات حياة الإنسان، والفرد والمجتمع، وينظم علاقاته بخالق الكون والكون، ويؤمّن مصالحه ويدفع عنه المضار. لذلك الأحكام الفقهية تشمل ما يلي:
1-العبادات، لتنظيم علاقة الفرد بخالقه.
2- المعاملات، لإصلاح ما له والاستثمار والاستغلال.
3- الأحوال الشخصية لتنظيم شؤون الأسرة.
4- الأحكام الجنائية، لحفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم من أن تنتهك، وتحقيق العدل والأمن وقمع المفسدين.
5- الأحكام القضائية.
6- الأحكام الدستورية لتنظيم علاقة الفرد بالدولة وتبيين حقوق الحاكم وحدود اختياراته، وحقوق الشعب وواجباته.
7- الأحكام الدولية (علاقة الدول بالدول ورعاياها داخل أوطانها وخارجها في حالتي السلم والحرب).
8- الأحكام الاقتصادية والمالية لتنظيم التوريد والتصدير والعلاقات المالية بين الدولة والأفراد، وبين الأثرياء والفقراء والعمّال.

خصائص الفقه الإسلامي:
الفقه الإسلامي يمتاز من حيث المصدر والأساس بأن مصدره سماوي، وأساسه هوالوحي الإلهي، بأحكام الحلال والحرام، ويرتبط بالعقيدة والإيمان امتثالاَ والتزاما، ومسؤولية وحساباَ في الدنيا والآخرة.
وامتزج بالأخلاق والقيم أثناء التطبيق، وإقامة التوازن العادل بين الفرد والمجتمع، أو الفرد والدولة، وتسعى لتحقيق السعادة للجميع.
وعلى سبيل الإيجاز: الفقه الإسلامي صالح للتطبيق الدائم وليبقى خالداَ في كافة الأعصار والأمصار.

نشأة الفقه الإسلامي وتطوره:
كما هو معروف بينكم أيها السادة، أن الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية العملية من أجل تطبيقها وتنفيذها والالتزام بها، وكان ابتداء هذا الأمر منذ عصر النبوة ونزول الوحي، والقرآن ينزل بالأحكام الشرعية حسب الضرورة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبيّن الأحكام ويشرح تفاصليها ويحدد شروطها، ويرسم الطريق القويم لتنفيذها قولاَ وعملاَ، أو يقرّ الصحابة على أقوالهم وأفعالهم التي تتفق مع دين الله وشرعه، وكان الصحابة يرجعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أشكل عليهم الأمر، واستقام أمر المجتمع الإسلامي الفاضل على قدم وساق إلى أن انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جوار الله.

دور الصحابة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم:
قام الصحابة بواجبهم تجاه الأمة والدين خير قيام، وكانوا يمارسون الفقه ويعلّمون الأمة الأحكام، وكان مرجعهم القرآن والسنة، وكانوا يسألون العارف منهم شيئا، فإن وجدوا ضالتهم وإلا أخذوا في البحث والنظر والاجتهاد والاستنباط بالقياس والقواعد العامة. وحاصل ذلك، كان اجتهادات وآراء لفقهاء الصحابة أشبه بالمذهب، أو المدرسة الفقهية، كمذهب ابن عمر بجانب شدائده، ومذهب ابن عباس بجانب رخصه، ومذهب ابن مسعود بجانب آراءه الشاذة، كما رأى المنصور العباسي.

دور التابعين:
هكذا استمر ذلك من العصر النبوي وعهد الصحابة إلى التابعين وفقهاءهم السبعة وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبوبكر بن عبدالرحمن، وسليمان بن يسار، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود.
ولا نغفل عن فقهاء الأمصار، وفي المدينة: نافع مولى عمر (كما قال: لقد منّ الله علينا بنافع)، وفي الكوفة: علقمة بن قيس وابراهيم النخعي، وفي البصرة:الحسن البصري، وفي مكة: عكرمة، وفي مصر: الليث بن سعيد،..
ولكل من هؤلاء الأئمة اجتهادات وقواعد خاصة ومنهجم ، إلى أن ظهر اتجاهان قويان للاجتهاد والفقه، وهما مدرسة الحديث في الحجاز، ومدرسة الرأي في العراق.

أئمة مدرسة الحديث، ومدرسة الرأي:
لهاتين المدرستين عدد من الفقهاء لا بأس بهم، وأهمهم ثلاثة عشر مجتهدا، وهم: 1- سفيان بن عيينة، ومالك بن أنس بالمدينة. 2- الحسن البصري بالبصرة. 3- أبوحنيفة وسفيان الثوري بالكوفة. 4- الأوزاعي بالشام. 5- الشافعي والليث بن سعد بمصر. 6- اسحاق بن راهويه  بنيشابور. 7- أبو ثور وأحمد وداود الظاهري وابن جريرالطبري ببغداد.
وأما الآن معظم هذه المذاهب انقرضت، وبقي من بينهما المذاهب الأربعة، بالإضافة إلى المذاهب الجعفرية والزيدية والإباضية.
وبالجملة: كثرت الحوادث والواقعات والنوازل ولم يرد بها نص، ولابدّ من إيجاد حلول بها، فشمّرالفقهاء عن ساق الجدّ للاكتراث، فاختلفوا!

الاختلاف على أيّ شيء يدل فيما بينهم؟
هذا الاختلاف كان دليل النضج الفكري لديهم، ومرونة التشريع الإسلامي ومسايرته لمصالح الناس وأعرافهم.
فنصوص الشريعة لم تكن جامدة ولا عقيمة، بل تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال.

ماذا يجب على الفقيه في العصر الراهن لأثمار الفقه اليانعة؟

يجب على الفقيه أن تكون لديه “المعرفة بما يجري في عصرنا الحديث”، و”الإلمام بالقوانين الوضعية”، و”أن يجمع بين فقه التراث وفقه الواقع”، و”معرفة النصوص ومعرفة المقاصد”.
كما ترون أيها السادة! أن هذه أدوات إيجابية لازمة لكل فقيه يتصدى لمشكلات العصر والقضايا المعاصرة مع رؤية متوازنة. فما من فعل إلا وله حكمه عند الله تعالى. علمه من علمه، وجهله من جهله، كما جاء في الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله.

ما هي القضايا المعاصرة؟

هي: الأشياء الجديدة التي ظهرت في عصرنا الحاضر، ولم تكن موجودة في عصور الفقه السابقة، مثل النقود الورقية، وأطفال الأنابيب. أو أنها كانت موجودة، ولكن دخلت عليها أمور جديدة كادت أن تغير معالمها، مثل الشركات المساهمة.

مجال البحث والحلول في علاج هذه القضايا:
ترك القرآن والسنّة منطقة لم ينزل فيها نص كريم تسمى منطقة العفو.
فمتى يتم أمرها؟ أجابوا عنه بأنه يتمّ أمرها للاجتهاد من خلال المبادئ العامة والقواعد الكلية وضوابط الاستنباط.
فتصير المسائل على قسمين: 1- النصوص. 2- منطقة العفو (التي لم ينزل فيها نص).
والقسم الثاني من المسائل، اقتضت حكمة الله تعالى أن يترك منطقة ليست قليلة دون أن ينزل فيها نصاَ، كما ورد في حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه حيث قال: سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء، فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله تعالى في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه. (المستدرك:4/115)
يقول الدكتور القره داغي: فهذا الحديث يعطينا مجالا كبيرا ودائرة واسعة للاجتهادات الفقهية- المقبولة في باب المعاملات المالية، والسياسة والقضايا الطبية، والقوانين الدولية، والعلاقات الإنسانية، حيث اكتفى فيها الإسلام بوضع المبادئ العامة والقواعد الكلية دون الخوض في تفاصيلها وجزئياتها. (المقدمة في المال والاقتصاد:25)

الجانب العملي الذين مرّ على الفقه خلال العصور المختلفة منذ عصر الرسالة:
كما أشرنا من قبل، أن الفقه الإسلامي بدأ من عصر الرسالة، واستمر في عصر الصحابة والتابعين، وتحوّل ودوّن تدويناَ دقيقا علميّا منضبطا بقواعده وأصوله ومبادئه العامة، وأصّل تـأصيلا لا بديل له في القرن الثاني والثالث عصر الأئمة المجتهدين، والأمر المفروض أمام أعينهم حلّ مشاكل الناس بحفظ الدين وقواعده الراسخة، والأخذ بالأيسر والأرفق للناس، سيّما في معاملاتهم ومعاشهم وعدم التشديد.
فهذا أبويوسف يقول: ما كان أرفق بالناس فالأخذ به أولى، لأن الحرج مرفوع. (المبسوط للسرخسي:11/25)
ويقول الإمام الثوري: إنّما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد. (حلية الأولياء:6/367)
ودأبُ النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كان الأخذ بالتيسير والتجنب من التشديد.
فقد قال عمر بن إسحاق: فما رأيت قوما أيسر سيرة، ولا أقل تشديدا منهم. (الدارمي في سننه: 1/48)
واستمر الأمر إلى أن مضى عصر فقهاء المذاهب رحمهم الله، وأصاب الفقه الإسلامي  جمود، واشتد هذ الجمود خلال فترة الاحتلال الغربي الذي أحلّ القوانين الوضعية محل الشريعة الإسلامية، كقوانين فرنسا، وانكلترا وإيطالي.

وأما العصر الراهن، عصر النهوض والمقارنات والاجتهاد الجماعي:

ولقد أراد الله تعالى بهذه الأمة المسلمة وهذا الدين القويم القيام بحل مشاكل الناس والمجتمع على صعيد المال والاقتصاد والسياسة والطب، ومستجداتها.
فقام الفقهاء – شكر الله سعيهم- خير قيام، ونهضوا ونهض الفقه الإسلامي مرة أخرى لأن يعمل دورا هاماَ بعد غفوته -التي لم تكن قصيرة- لإيجاد الحلول الملائمة، إن لم يكن فقها افتراضيا للعصور القادمة والنوازل المتوقعة، بل حلولا واقعيا لمستجدات الاقتصاد والسياسة والطب حاليا، فأثبتوا – رعاهم الله- بأن الفقه مرن، قادر على مواكبة العصر التكنولوجي والسرعة، مع الحفاظ على الثوابت والمستجدات، وكشف الواقع العلمي أن الفقه الإسلامي يتطور ويزدهر من خلال تطبيقه والالتزام به، كما هو الحال في البنوك الإسلامية والتأمين الاسلامي. وهاهو الباحث العبقري الفذّ الدكتور القره داغي يعترف بأن قضايا العصر اليوم – بسبب حداثتها وتعقيداتها- ليس في وسع العلماء من خلال اجتهادات فردية ويقول: لا يمكن أن تحل حلا جذّريا من خلال الاجتهادات الفردية فحسب، بل تحتاج إلى الاجتهادات الجماعية من خلال المجامع الفقهية، والمؤتمرات والندوات والحلقات الفقهية، وورش العمل لبعض المستجدات . (المقدمة في منهج الفقه الإسلامي للاجتهاد والبحث في القضايا المعاصرة:69)
ولو لم تكن تلك الاجتهادات الجماعية، لأدت لاختلاط الأنساب كما في أطفال الأنابيب، ولم يكن يفرق بين المحرمة والمحللة كما في بنوك الحليب، وأدت إلى تزويج الأمهات والأخوات وغيرها.
يقول ابن خلدون: إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، والنظر إلى علل الأحكام وغرض الشارع والمقاصد العامة للشريعة وتحكيمها في الوقائع إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار  والأزمنة والدول سنة الله قد خلت في عباده. (المقدمة لابن خلدون:24).
ويقول إمام الحرمين: “إن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها”. (البحرالمحيط: 4/472)

سؤال هام!
كيف يعالج الإسلام الذي نزل قبل أكثر من أربعة عشر قرناَ هذه القضايا في عالم الاقتصاد، والطب، والتكنولوجي، وهي قضايا في غاية من الحداثة والمعاصرة مثل البورصة والأسهم والصكوك، ومثل البصمة  الوراثية، والاستنساخ وطفل الأنابيب، وزرع الأعضاء والخلايا وغيرها؟
ويقال في الجواب: كما يعلم أن الله تعالى أكمل دينه وبينه، ولم يجعله عوجا، فمن حيث النظري والعقدي إن الإسلام تكفل جميع تصرفات الإنسان ونشاطاته وأعماله، ببيان أحكامها الشرعية. فالدين لم يهمل شيئا، ولدينا أمثلة ونماذج عملية. كان في عصر الرسالة والصحابة والتابعين بنزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم تلبية لحاجات الأمة المستجدة، وإن لم ينزل وحي في شأنها بادرالرسول صلى الله عليه وسلم إلى الاجتهاد، واستمر الاجتهاد في عصرالصحابة والتابعين بتخصصاتهم في مجال الدين والدنيا، ونظرالرسول عليه السلام إلى أصحاب التخصصات العلمية الدنيوية في مجال الزراعة والصناعة والطب والتكنولوجي وغيرها نظرة احترام وتقدير، وإرجاع الأمور إلى أهل الذكر في كل فن وتخصص، بقوله عليه السلام: “أنتم أعلم بأمر دنياكم”. (صحيح مسلم، كتاب الفضائل:3/1835)

منهج التيسير ونبذ التشدد:
كان الصحابة رضي الله عنهم أجمعين يسيرون على منهج التيسير اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ما خيّر بين أمرين إلا أخذ أيسرهما. (الدارمي:1/48)
ولتحقيق هذا المنهج وتجنب التشديد والحذر عن التورط فيه، وتلبية لحاجات الأمة وحلّ المستجدات المعاصرة، ظهرت المجامع الفقهية في عالمنا الإسلامي عملا بما روى كل من علي وابن عباس قول الرسول صلى الله عليه وسلم: قلت يا رسول الله! إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان أمر ولا نهي، فما تأمرني؟ قال: “شاور فيه الفقهاء والعابدين، ولا تمضوا فيه رأي خاصة”. وفي رواية ابن عباس: “تجعلونه شورى بين العابدين في المؤمنين ولا تقضونه برأي خاصة”. (الطبراني في الاوسط، مجمع الزوائد:1/180)
وروى الدارمي عن المسيب بن رافع قال: “إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر، اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا. الحق فيما رأوا”. (الدارمي:1/46)

داءنا:
ويرى أحياناَ الحذر والبعد عن آراء الدور والمجامع الفقهية المتفقة عليها التي جاءت عن رأي ومشورة واتفقوا وأجمعوا عليها، فجعل الأمة في ورطة هائلة من أمرهم وسدّ باب التيسير عليهم، فهل يمكن بهذا تلبية حاجات الأمة؟
ألا لا يمكن أن يخفّف سائر العلماء عواتقهم وكواهلهم من مسؤلية الأمر ويجعلوها على أصحاب المجامع ودور الفتيا العابدين ذات تخصصات ومؤهلات علمية كما حملوها بأنفسهم.

دور المجامع الفقهية:
وفي ما منّ الله على الأمة الإسلامية إنشاء مجامع فقهية لحلّ المستجدات جذريا وأخص بالذكر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف (عام 1961) وتكوّن في خمسين عضوا من علماء مصر وغيرها، وتلاه المجمع الفقهي الاسلامي التابع لرابطة العالم الاسلامي، وتكوّن من اثنين وعشرين عضواَ من العلماء المتميزين في العالم الاسلامي، حتى وصل الأمر بإنشاء مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجده، وهناك مجامع فقهية إقلمية كمجمع الفقه الإسلامي في الهند، ومجمعنا الفقهي الذي أصابه ما أصابه، بعد نهوض وكرّ.
أرجو الله تبارك وتعالى أن يوفقه مرة أخرى لأداء دوره، وهو المستعان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

* محاضرة ألقاها فضيلة الشيخ “عبد الحليم القاضي” الأستاذ بجامعة دار العلوم زاهدان، في ملتقى الأدب العربي بالجامعة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات