اليوم : 2 يناير , 2012

الإمام يحيى بن معين الأنباري الحافظ

الإمام يحيى بن معين الأنباري الحافظ

الإمام ، العَبقري ، الحافظ ، المُؤرخ , شيخ المحَدِّثِين ، أحد الأعلام , و حجّة الإسلام .
اسمه ونسبه:
يحيى بن مَعين بن عَون بن زياد بن بِسطام بن عبد الرّحمن. المُرِّيُّ بالولاء. أبو زكريا البغدادي. أصله من سرخس.
قال أبو سعيد بن يونس:” يحيى بن معين يكنّى أبا زكريا يقال: إنّه مِن أهل الأنبار. ويقال: إنّ أصله خراساني “..
والحقيقة أنّه لا تعارض بين هذه الأقوال , لأنّ مدينتي سرخس وأنبار هما من مدن خراسان القديمة.
وكان ولاءه للعرب .
قال العباس بن محمد الدوري: سمعتُ يَحيى بن معين بالبصرة ــ وسأله عباس العنبري, ونحن مع يحيى بن معين عند عباس النرسي نسمع منه ــ فقال له: يا أبا زكريا! مِن أي العرب أنت؟
قال: لستُ مِن العرب, ولكنّي مِن موالي العرب .
قال ابن أبي خيثمة: سمعتُ يحيى بن معين بن عون بن زياد يقول: أَنا مَولَىً لِلجُنَيد بن عبد الرّحمَن المُرّي.

مولده:
وُلد ابن معين سنة 158 ه، بقرية ” نقيا ” قرب الأنبار. وكان والده من نبلاء الكتّاب، فكان كاتبا لعبد الله بن مالك، ثمّ ولي على خراج الري.
وعندما نقرأ ألقاب ملوك خراسان لابن خرداذبه, يتبين أنّ خراسان القديمة كانت وسيعة جدا. يكتب ابن خرداذبه في كتابه”المسالك والممالك” في ألقاب ملوك خراسان ما يلي:
لقب ملك نيسابور: كُنار، ملك مرو: ماهويه، ملك سرَخس: زاذويه، ملك أبيَورد: بهمنه، ملك نسا: أبراز، ملك غرشستان : براز بنده، ملك مرو الروذ: كيلان، ملك زابلستان : فيروز، ملك كابل: كابل شاه، ملك الترمذ: ترمذ شاه، ملك الباميان: شير باميان، ملك السغد: فيروز، ملك فرغانة: أخشيد، ملك الريوشاران: الريوشار، ملك الجوزجان: كوزكان خذاه، ملك خوارزم: خسرو خوارزم، ملك الختَّل: ختَّلان شاه ويقال شيرختلان، ملك بخارا: بخارا خداه، ملك أسروشنه: أفشين، ملك سمرقند: طرخان، ملك سجستان والرخَّج وبلاد الداور: رتبيل، ملك هراة وبوشنج باذغيس: برازان، ملك وردانة: وردان شاه، ملك جرجان: صول، وملك ما وراء النهر : كوشان شاه…
وقال البلاذري: خراسان أربعة أرباع :
فالربع الأول: إيران شهر. وهي: نيسابور, وقهستان, والطَبَسَان, وهراة, وبَوشَنج, وباذغيس, وطوس …
والربع الثاني: مرو الشاهجان, وسرخس, ونسا, وأبيورد, ومرو الروذ, والطالقان, وخوارزم, وآمل, وهما على نهر جيحون.
والربع الثالث: وهو غربي النهر؛ وبينه وبين النهر ثمانية فراسخ الفارياب. والجوزجان, وطخارستان العُليا, وخَست, وأندرابة, والباميان, وبغلان, ووالج … ورستاق بيل, وبَذَخشان … وهو مدخل الناس إلى ” تبت ومن إندرابة مدخل الناس إلى كابُل والترمذ وهو في شرقي بلخ والصغانيان وطخارستان السفلى …
والربع الرابع: ما وراء النهر, بُخارى, والشاش, والطرَارَبند, والصغد ..
ونَسف, والروبستان … وفرغانة وسمرقند.

سرخس:
مديرية سرخس تقع في الجانب الشرقي من محافظة خراسان الرضوية علی بعد 1048 كيلومتراً من العاصمة طهران، و170 كيلومتراً‌ من مدينة مشهد الرضا.
تحدها من الشرق والشمال, الحدود التركمانية (بلاد تركمستان)، ومن الجنوب مديرية تربت جام، ومن الغرب مديرية مشهد.

تاريخها:
ينسب المؤرخون العرب والفرس إنشاء هذه المدينة إلی “كيكاوس” أو “أفراسياب” أو “ذي القرنين”.
قال ياقوت الحموي عنها:
مدينة قديمة من نواحي خراسان كبيرة واسعة. وهي بين نيسابور ومَروَ… بينها وبين كلّ واحدة منهما ست مراحل. قيل: سمّيت باسم رجل من الذعار في زمن” كيكاوس” سكن هذا الموضع , وعمَره, ثمّ تمّم عمارته, وأحكم مدينته ذو القرنين الإسكندر. وقالت الفرس: إنّ “كيكاوس” أقطع سرْخس بن خوذرز أرضاً , فبنى بها مدينة, فسمّاها باسمه وهي “سرخس” هذه , وهي مدينة معطشة ليس لها في الصيف إلا ماء الآبار العذبة, وليس بها نهر جار إلّا نهر يجري في بعض السنة ولا يدوم ماؤه, وهو فضل مياه هراة. وهي مدينة صحيحه التربة والغالب على نواحيها المراعي قليلة القرى، وقد خرج منها كثير من الأئمة ولأهلها يد باسطة في عمل المقانع والعصائب المنقوشة المذهبة وما شاكل ذلك. وقد نسب إليها من لايحصى، ومن الفقهاء شمس الدين السرخسي صاحب كتاب المبسوط في الفقه الحنفي.
وأبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن يعرف بالزاز بزايين السرخسي الفقيه الشافعي له كتاب في الفقه كبير, وسمّاه “الإملاء” المتوفي سنة 494.
و الإمام أبو علي زاهر بن أحمد بن محمد بن عيسى السرخسي, الفقيه, المحدث , شيخ عصره بخُراسان. وتوفي سنة 389 عن 96 سنة.
معجم البلدان – (ج 2 / ص 446)
وقال القزويني : (آثار البلاد وأخبار العباد – (ج 1 / ص 159)
سرخس مدينة بين مرو ونيسابور بناها سرخس بن جودرز، وهي كبيرة آهلة غناء كثيرة الخيرات، لا ماء لها في الصيف إلا من الآبار… وينسب إليها أحمد بن الطيب السرخسي الحكيم الظريف الذي تظهر حكمته مع الظرافة. ذكر أنه سئل عن لذات الدنيا فقال: لذات الدنيا ثلاث: أكل اللحم، وركوب اللحم، وإدخال اللحم في اللحم؛ فسمع ذلك شاعر نظمها:
ألم   تر  لذّة   الدّنيا  ثلاثاً  …  إليها  مال  كلٌّ   بالطّباع
فذلك كلّها في اللّحم توجد  …  بأكلٍ أو ركوبٍ أو جماع

فتح سرخس:
تشرفت هذه المدينة باللحقوق بالعالم الإسلامي المترامي الأطراف حوالي سنة 31 هـ / 651 م، في عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه  لما امتد سلطان الدولة الإسلامية حتی شمل خراسان. والفضل في ذلك يرجع إلی القائد عبدالله بن عامر بن كريز،  وتقدم أحد قواد عبدالله بن عامر وهو عبدالله بن حازم،  فقاتلهم، ثم طلب زاذويه مرزبانها الصلح ، وأن يدفع إليه النساء. فصارت ابنته في سهم ابن خازم، واتخذها وسمّاها: ميثاء.

نشأته العلمية:
نشأ ابن معين  بِبَغداد، وهو أَسَنّ الجماعة الكِبار الَّذين هم: عليُّ بن المَدِينِي، وأحمد بن حنبل، وإِسحاق بن رَاهْوَيْه، وأَبو بكر بن أَبي شَيبَة، وأَبو خَيثَمَة, فكانوا يتأَدَّبُون معه، ويَعتَرِفون لَه .
عكف الامام يحيى بن معين على تدوين الحديث، وكان والده، قد ترك له ثروة هائلة أنفقها كلها في طلب الحديث.
قال عمّ ليحيى بن معين:
كان مَعين على خراج الري فمات, فخلف لابنه يحيى ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم, فأنفقه كله على الحديث حتّى لم يبق له نعل يلبسه.
قال الذهبي: كتب العِلم وهو ابن عِشرين سنَةً. (11/77)
وقال ابن المديني: ما أعلم أحد كتب ما كتب يحيى بن معين.
وقال محمد بن نصر الطبري: دخلتُ على ابن معين فوجدت عنده كذا وكذا سفطا،
وسمعته يقول: كل حديث لا يوجد هاهنا – وأشار بيده إلى الاسفاط – فهو كذب.
قال: وسمعته يقول: كتبت بيدي ألف ألف حديث.
وقال مجاهد بن موسى: كان ابن معين يكتب الحديث نيفا وخمسين مرة.
وقال الدوري عن ابن معين: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما علقناه.

رحلاته:
سمع ابن معين رحمه الله مِن كثير من العلماء بالعِراق والحِجاز والجَزيرة …
قدم دمشق فسمع بها من أبي مسهر وروى عنه.
ارتحَل وهو ابن ستٍّ وخمسين سنة إِلى الشَّام و مِصر،
قال عباس بن محمد: سمعتُ يحيى بن معين يقول: كنّا بقرية من قرى مصر , ولم يكن معنا شئ, ولا ثم شئ نشتريه, فلما أصبحنا, إذا نحن بزنبيل مُليئ سمكا مشويا, وليس عنده أحد, فسألوني عنه, فقلتُ: اقتسموه, فكلوه. قال يحيى:
أظنّ أنّه رزق رزقهم الله تعالى.

شيوخه:
إسماعيل بن عَيَّاش، وابن أبي عدي، وإساعيل بن مُجالد بن سعيد، وإسماعيل بن علية, وأبي عبيدة الحداد, وجرير بن عبد الحميد، وحفص بن غياث، و وحجاج بن محمد، وحسين بن محمد، وحماد بن خالد، حاتِم بن إِسماعيل، وزكريا بن يحيى بن عمارة, وسوار بن عمارة الرملي, وسعيد بن أبي مريم, وسفيان بن عيينة ، وعيسَى بن يونُس، وعليِّ بن هاشم، وعبدة بن سليمان, وعبد الملك بن قريب الأصمعي, وعبد الله بن صالح, ويحيى بن صالح الوحاظي, وعبد الله بن يوسف التنيسي, وعمرو بن الربيع بن طارق, وعثمان بن صالح, وعبد الله بن نمير, وعبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق بن همام، وعمر بن عبيد الطنافسي, و عبد الله بن حرب، وعبد الرحمن بن مهدي, وعمربن عبدالرحمن الأَبَّار ، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وقريش بن أنس, وهشام بن يوسف، وهُشَيم, و وهب بن جرير, وغندر، مُعتَمِر بن سُليمان، ومروان بن معاوية، ومعن بن عيسى, ومحمد بن عبد الله الأنصاري, ويحيى  بن سعيد, ومعاذ بن معاذ العنبري, ويعقوب بن إبراهيم بن سعد, ويَحيَى القَطَّان، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة … وغيرهم .

تلاميذه:
روى عنه أحمد بن حنبل, ومحمد بن إسماعيل البخاري, ومسلم بن الحجاج في صحيحه, وأبو داود سليمان بن الأشعث في سننه, وأبو حاتم الرازي,  وأبو خيثمة زهير بن حرب, ويعقوب وأحمد ابنا إبراهيم, وأحمد بن أبي الحواري, ومحمد بن سعد كاتب الواقدي, وعباس الدوري, وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار, وأبو يعلى الموصلي, ويعقوب بن شيبة, وأبو الحسن أحمد بن محمد بن عبيد الله التمار المقرئ, وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي , و عبد الله بن أحمد بن حنبل, وإبراهيم بن الجنيد, والمفضل بن غسان الغلابي، ومحمد بن يحيى الهذلي، ويعقوب بن شيبة السدوسي، وأبو زرعة الدمشقي، وهَنَّاد بن السَّري، وأبو بكر الصَّاغاني، وعثمان بن سعيد الدَّارمي، وأبو بكر أحمد بن علي المَروَزي، وغيرهم.

من صفاته:
كان ابن مَعين رحمه الله حسن السيرة والسلوك, عابدا زاهدا, محتاطا جدا في الحكم على الرجال…
وقال ابن الغَلابي: قال يحيى:
إِنّي لأُحَدِّثُ بالحديث، فأَسهَرُ لَه؛ مَخَافَةَ أَن أَكونَ قد أَخطأْتُ فِيه.
وصفه ناعتوه: أنّه كان يتجمّل في لباسه , يَركب البَغلَة ، وكان له هَيبَةٌ وجَلالَة…
قال هارون بن معروف: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام فكنتُ أوّل مَن بكر إليه، فدخلتُ عليه فسألتُه أن يُملِيَ عليَّ شيئا، فأخذ الكتاب يملي عليّ، فإذا بانسان يدقّ الباب، قال الشيخ: من هذا ؟ قال: أحمد بن حنبل.
فأذن له، والشيخ على حالته، والكتاب في يده لا يتحرّك، فإذا باخر يدق الباب.
فقال الشيخ: من هذا ؟ قال: أحمد الدورقي.
فأذن له، والشيخ على حالته، والكتاب في يده لا يتحرّك.
فإذا بآخر يدقّ الباب.
فقال الشيخ من هذا ؟ قال: عبد الله بن الرومي.
فأذن له، والشيخ على حالته، والكتاب في يده لا يتحرك، فإذا آخر يدق الباب.
فقال الشيخ: من هذا ؟ قال: أبوخيثمة زهير بن حرب.
فأذن له والشيخ على حالته، والكتاب في يده، لا يتحرك، وإذا بآخر يدق الباب.
فقال الشيخ: من هذا ؟
قال: يحيى بن معين.
قال هارون، فرأيتُ الشيخ ارتعدت يده، وسقط الكتاب من يده.
وكان ابن معين رحمه الله يستر عيوب الناس , يقول هو عن نفسه:
ما رأَيتُ علَى رجلٍ خطأً، إلاَّ سَتَرتُه، وأَحبَبتُ أَن أُزَيِّنَ أَمرَه، وما استَقبَلتُ رَجُلاً فِي وَجهِهِ بِأَمرٍ يَكرَهُهُ، ولَكِنْ
أُبَيِّنُ لَهُ خَطَأَهُ فِيْمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَإِنْ قَبِلَ ذَلِكَ، وَإِلاَ تَرَكتُهُ.
وقال أيضاً: أَخطَأَ عَفَّانُ فِي نَيِّفٍ وَعِشْرِيْنَ حَدِيْثاً، مَا أَعْلَمتُ بِهَا أَحَداً؛ وَأَعْلَمتُه سِرّاً، وَلَقَدْ طَلَبَ إِلَيَّ خَلَفُ بنُ سَالِمٍ أَنْ أُخبِرَهُ بِهَا، فَمَا عَرَّفتُهُ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَجِدَ عَلَيْهِ.
وكان له دعابة:
قال جعفر بن أَبي عُثمان: كنَّا عِندَ يَحيَى بن مَعِين، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مُستَعجِلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، حَدِّثْنِي بِشَيْءٍ أَذْكُرْكَ بِهِ.
فَقَالَ يَحْيَى: اذْكُرْنِي أَنَّكَ سَأَلْتَنِي أَنْ أُحَدِّثَكَ، فَلَمْ أَفْعَلْ.
وقال الحُسَين بن فَهْم: سَمعتُ يَحيَى بن مَعِين يقول: كُنْتُ بِمِصْرَ، فَرَأَيْتُ جَارِيَةً بِيْعَتْ بِأَلْفِ دِيْنَارٍ، مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهَا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهَا!
فَقُلْتُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا! مِثْلُكَ يَقُوْلُ هَذَا؟
قَالَ: نَعَمْ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهَا وَعَلَى كُلِّ مَلِيْحٍ.
قال الذهبي : هَذِهِ الحِكَايَةُ مَحْمُوْلَةٌ عَلَى الدُّعَابَةِ مِنْ أَبِي زَكَرِيَّا.

توثيقه على لسان الأئمة:
قال عبد الرَّحمن بن أَبي حاتِم: سُئِلَ أَبي عَن يَحيَى، فقال: إِمَامٌ.
وقال النَّسائِي: أَبو زكريّا أَحَدُ الأَئِمَّةِ فِي الحَدِيْثِ، ثِقَةٌ، مَأْمُوْنٌ.
وقال الخطيب: كان إماماً, ربّانياً, عالماً, حافظاً, ثبتاً, مُتقِناً.

ثناء العلماء عليه:
قال ابن المَدِينِي: انْتَهَى العِلْمُ بِالبَصْرَةِ إِلَى: يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيْرٍ، وَقَتَادَةَ.
وعِلْمُ الكُوْفَةِ إِلَى: أَبِي إِسْحَاقَ، وَالأَعْمَشِ.
وَعِلْمُ الحِجَازِ إِلَى: ابْنِ شِهَابٍ، وَعَمْرِو بنِ دِيْنَارٍ.
وَصَارَ عِلْمُ هَؤُلاَءِ السِّتَّةِ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا :
ابْن أَبِي عَرُوْبَةَ، وَمَعْمَرٍ، وَشُعْبَةَ، وَحَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، وَالسُّفْيَانَيْنِ، وَمَالِكٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ إِسْحَاقَ، وَهُشَيْمٍ، وَأَبِي عَوَانَةَ، وَيَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ، وَيَحْيَى بنِ أَبِي زَائِدَةَ…، إِلَى أَنْ ذَكَرَ ابْنَ المُبَارَكِ، وَابْنَ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى بنَ آدَمَ، فَصَارَ عِلْمُ هَؤُلاَءِ جَمِيْعِهِم إِلَى يَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ.
قال الذهبي تعليقا على قول ابن المديني:
نَعَمْ، وَإِلَى: أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيٍّ، وَعِدَّةٍ. ثُمَّ مِنْ بَعْدِ هَؤُلاَءِ إِلَى: أَبِي عَبْدِ اللهِ البُخَارِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَطَائِفَةٍ. ثُمَّ إِلَى: أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ، وَمُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ جَرِيْرٍ. ثُمَّ شَرَعَ العِلْمُ يَنقُصُ قَلِيْلاً قَلِيْلاً – فَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ -.
قال أحمد بن حنبل :
السماعُ مَعَ يَحيَى بنِ مَعِينٍ شِفَاءٌ لِما في الصُّدُور.
مُقَاتِلٍ سُلَيْمَانَ بنَ عَبْدِ اللهِ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ:
وقال أيضاً: هَا هُنَا رَجُلٌ خَلَقَهُ اللهُ لِهَذَا الشَّأْنِ، يُظهِرُ كَذِبَ الكَذَّابِيْنَ -يَعْنِي: ابْنَ مَعِيْنٍ-. وقال أبو عبيد بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة: أبو بكر بن أبي شيبة أسرد له، وأحمد أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به، ويحيى بن معين أكتبهم له – وفي رواية عنه: أعلمهم بصحيحه وسقيمه ابن معين.
وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بعلل الحديث ابن المديني، وبفقهه أحمد ابن حنبل، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة، وأعلم بتصحيف المشائخ يحيى بن معين – وفي رواية عنه – يحيى أعلم بالرجال والكنى.
وقال الآجري: قلتُ لأبي داود: أيّما أعلم بالرجال علي أو يحيى ؟
قال: يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء.
سئل الفرهياني عن يحيى وأحمد وعلي وأبي خيثمة قال: أما علي فأعلمهم بالعلل، وأما يحيى فأعلمهم بالرجال، وأحمد بالفقه، وأبو خيثمة من النبلاء.
نعته الذهبي: بسيد الحفاظ. وقال العسقلاني: إمام الجرح والتعديل.
وقال ابن حنبل: أعلمنا بالرجال.
قال يحيى القطان: ما قدم علينا مثل هذين الرّجلين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ربانيو الحديث أربعة فأعلمهم بالحلال والحرام: أحمد بن حنبل.
وأحسنهم سياقا للحديث وأداء له: علي بن المديني.
وأحسنهم وضعاً لكتاب: ابن أبي شيبة.
وأعلمهم بصحيح الحديث وسقيمه: يحيى ابن معين .
قال عبد الخالق بن منصور، قلتُ لاِبن الرُّوميِّ:
سَمِعتُ بعضَ أَصحاب الحديث يُحَدِّثُ بِأَحاديث يَحيَى، ويقول: حدَّثنِي مَن لم تَطلِعُ الشَّمسُ علَى أَكْبَرَ مِنهُ.
فقال: و ما تَعْجَبُ؟ سَمِعتُ عَلِيَّ بنَ المَدِينِيِّ يَقول: ما رَأَيْتُ في النَّاسِ مِثلَهُ.
قال أَبو حاتِم الرَّازي: إِذَا رَأَيْتَ البَغْدَادِيَّ يُحِبُّ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ، فَاعلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ سُنَّةٍ، وَإِذَا رَأَيْتهُ يُبغِضُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ، فَاعلَمْ أَنَّهُ كَذَّابٌ.

إسهاماته العلمية:
كان ابن معين رحمه الله من أئمة الجرح والتعديل, وكان من عناية هؤلاء الأئمّة أن يجمعوا حصيلة بحثهم ودراستهم عن الرجال فيفردون للثقات كتبا كما يفردون للضعفاء كتبا أخرى.
ولم تكن هذه الكتب تعني مجرد جمع الأخبار وتصنيفها، إنّما هي أحكام في غاية الدّقة والتمحيص الشديد والتحري الزائد، إذ كانوا يراقبون الله في كل لفظة أو إشارة مخالفة أن يجرحوا عدلا أو يوثقوا مجروحا، فإذا كان حال الراوي يتضح بوصف اكتفوا به ولم يضيفوا إليه آخر، وهذا هو الذي أدى إلى هذا الإختصار الشديد في تراجم الرجال بين الطبقة المتقدمة خاصة .
قالوا: ومن منهجه في الحكم على الراوي:
كلّ مَن سكت عنه يحيى ابن معين، فهو عنده ثقة.
قال علي بن المَدِينِي:
كُنتُ إِذا قَدِمتُ إِلى بَغدَاد مُنذُ أَربَعينَ سنةً، كان الَّذي يُذَاكِرُنِي أَحمد، فَرُبَّما اخْتَلَفنا في الشَّيءِ، فَنَسأَلُ أَبا زكريَّا، فَيَقُومُ فَيُخرِجَه، ما كان أَعرَفَهُ بِمَوضِعِ حَدِيثِهِ!
وقال أيضاً :
مَا رَأَيْتُ يَحْيَى اسْتَفهَمَ حَدِيْثاً قَطُّ، وَلاَ رَدَّهُ.
قال ابن الرُّومِي :
ما رَأَيْتُ أَحَداً قَطُّ يَقُوْلُ الحَقَّ في المَشَايِخ غَيرَ يَحيَى، وغَيرُهُ كان يَتَحَامَلُ بِالقَولِ.
قال الذهبي تعليقا على قوله: هذَا القَوْلُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الرُّوْمِيِّ غَيْرُ مَقْبُوْلٍ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بِاجْتِهَادِهِ، وَنَحْنُ لاَ نَدَّعِي العِصْمَةَ فِي أَئِمَّةِ الجَرحِ وَالتَّعدِيلِ، لَكِنْ هُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ صَوَاباً، وَأَنْدَرُهُمْ خَطَأً، وَأَشَدُّهُم إِنصَافاً، وَأَبْعَدُهُمْ عَنِ التَّحَامُلِ.
وَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى تَعدِيلٍ أَوْ جَرْحٍ، فَتَمَسَّكْ بِهِ، وَاعضُضْ عَلَيْهِ بِنَاجِذَيْكَ، وَلاَ تَتَجَاوَزْهُ، فَتَنْدَمَ، وَمَنْ شَذَّ مِنْهُم، فَلاَ عِبْرَةَ بِهِ.
فَخَلِّ عَنْكَ العَنَاءَ، وَأَعطِ القَوسَ بَارِيَهَا، فَوَاللهِ لَوْلاَ الحُفَّاظُ الأَكَابِرُ، لَخَطَبَتِ الزَّنَادِقَةُ عَلَى المَنَابِرِ، وَلَئِنْ خَطَبَ خَاطِبٌ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ، فَإِنَّمَا هُوَ بِسَيفِ الإِسْلاَمِ، وَبِلِسَانِ الشَّرِيعَةِ، وَبِجَاهِ السُّنَّةِ، وَبِإِظهَارِ مُتَابَعَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُوْلُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الخِذْلاَنِ. (11/83)
وَمِنْ نَادِرِ مَا شَذَّ بِهِ ابْنُ مَعِيْنٍ -رَحِمَهُ اللهُ-:
كَلاَمُهُ فِي أَحْمَدَ بنِ صَالِحٍ؛ حَافِظِ مِصْرَ، فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ فِيْهِ بِاجْتِهَادِهِ، وَشَاهَدَ مِنْهُ مَا يُلَيِّنُهُ بِاعتِبَارِ عَدَالَتِهِ، لاَ بِاعتِبَارِ إِتْقَانهِ، فَإِنَّهُ مُتْقِنٌ، ثَبْتٌ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ مَآخِذُ فِي تِيْهٍ وَبَأْوٍ كَانَ يَتَعَاطَاهُ، وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَلَعَلَّهُ اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى حَالٍ فِي أَيَّامِ شَبِيبِةِ ابْنِ صَالِحٍ، فَتَابَ مِنْهُ، أَوْ مِنْ بَعْضهِ، ثُمَّ شَاخَ، وَلَزِمَ الخَيْرَ، فَلَقِيَهُ البُخَارِيُّ وَالكِبَارُ، وَاحتَجُّوا بِهِ.
قَالَ عَبَّاسٌ الدُّوْرِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، قَالَ:
حَضَرتُ نُعَيْمَ بنَ حَمَّادٍ بِمِصْرَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ كِتَاباً صَنَّفَهُ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ…، وَذَكَرَ أَحَادِيْثَ.
فَقُلْتُ: لَيْسَ ذَا عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ.
فَغَضِبَ، وَقَالَ: تَرُدُّ عَلَيَّ؟
قُلْتُ: إِيْ وَاللهِ، أُرِيْدُ زَيْنَكَ.
فَأَبَى أَنْ يَرجِعَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ لاَ يَرجِعُ، قُلْتُ: لاَ وَاللهِ، مَا سَمِعْتَ هَذِهِ مِنِ ابْنِ المُبَارَكِ، وَلاَ سَمِعَهَا هُوَ مِنِ ابْنِ عَوْنٍ قَطُّ. فَغَضِبَ، وَغَضِبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَقَامَ، فَدَخَلَ، فَأَخْرَجَ صَحَائِفَ، فَجَعَلَ يَقُوْلُ – وَهِيَ بِيَدِهِ -: أَيْنَ الَّذِيْنَ يَزْعُمُوْنَ أَنَّ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ لَيْسَ بِأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ فِي الحَدِيْثِ؟ نَعَمْ، يَا أَبَا زَكَرِيَّا غَلِطْتُ، وَإِنَّمَا رَوَى هَذِهِ الأَحَادِيْثَ غَيْرُ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ.
وَعَنْ مُجَاهِدِ بنِ مُوْسَى، قَالَ: كَانَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ يَكْتُبُ الحَدِيْثَ نَيِّفاً وَخَمْسِيْنَ مَرَّةً.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ أَكْثَرَ مِنْ كِتَابَةِ الحَدِيْثِ، وَعُرِفَ بِهِ، وَكَانَ لاَ يَكَادُ يُحَدِّثُ.
قال عَمرو النَّاقد:
مَا كَانَ فِي أَصْحَابِنَا أَحْفَظُ لِلأَبْوَابِ مِنْ أَحْمَدَ، وَلاَ أَسَرَدُ لِلْحَدِيْثِ مِنِ ابْنِ الشَّاذَكُوْنِيِّ، وَلاَ أَعْلَمُ بِالإِسْنَادِ مِنْ يَحْيَى، مَا قَدِرَ أَحَدٌ يَقلِبَ عَلَيْهِ إِسْنَاداً قَطُّ.
رأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين بصنعاء في زاوية, وهو يكتب صحيفة معمر, عن أبان, عن أنس, فإذا اطلع عليه إنسان كتمه, فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس, وتعلم أنها موضوعة! فلو قال لك قائل أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه.
فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه, فأحفظها كلها, وأعلم أنّها موضوعة حتّى لا يجئ إنسان بعده, فيجعل “أبانا”  “ثابتا” ويرويها عن معمر, عن ثابت, عن أنس, فأقول له:
كذبت إنّما هي عن معمر عن أبان لا عن ثابت.

من شعره:
أنشد يحيى بن معين:
المَالُ  يَذْهَبُ   حِلُّهُ  وَ  حَرَامُهُ   *   يَوْماً  وَ تَبْقَى
فِي  غَدٍ  آثَامُهُ
لَيْسَ   التَّقِيُّ   بِمُتَّقٍ    لإِلهِهِ      *   حَتَّى يَطِيْبَ
شَرَابُهُ  وَ طَعَامُهُ
وَيَطِيْبَ مَا يَحوِي وَتَكْسِبُ كَفُّه * وَيَكُوْنَ فِي حُسْنِ
الحَدِيْثِ  كَلاَمُهُ
نَطَقَ  النَّبِيُّ  لَنَا  بِهِ  عَنْ  رَبِّهِ   *   فَعَلَى
النَّبِيِّ  صَلاَتُهُ  وَسَلاَمُهُ

قال جعفر بن محمد الطيالسيي: أنشدنا يحيى بن معين:

أخلاء  الرجال  هم   كثير  *   ولكن  في  البلاء  هم  قليل
فلا يغررك خلة من تواخي *   فما   لك  عند   نائبة  خليل
سوى رجل له حسب ودين  *   لما  قد  قاله   يوما   فعول
وكان يحيى بن معين إذا ذكر من يتكلم في أبي حنيفة، يقول:
حَسَدُوا الفتى إذ لم ينالُوا سَعْيَهُ … فالقومُ أعْداءٌ لهُ وخُصومُ
كضَرائرِ الحَسْناء قُلْنَ لوَجْهِها … حَسَداً  وَ بَغْياً  إنَّه  لذَميمُ

مؤلفاته:
1ـ التاريخ والعلل.
2- معرفة الرجال.
3- الكنى والاسماء.
4- جزء فيه حديث الصوفي عن ابن معين وغير ذلك من السؤالات التي وجهت له من تلاميذه.

أقواله:
قال يحيى بن معين: إذا كتبتَ فقَمِّش, وإذا حدَّثتَ فَفَتِّش.
(القمش: هو جمعك الشئ من هنا وها هنا)
وقال: سيندم المنتخب في الحديث حين لا تنفعه الندامة.
(المنتخب في الحديث هو الذي يختار وينتقي)
وقال: صاحب الانتخاب يندم، وصاحب النسخ لا يندم.
ومن كلامه : أوّل بركة الحديث إفادته .
وكان يقول : إذا رأيتَ الرجل يخرج من منزله بلا محبرة ولا قلم يطلب الحديث فقد عزم على الكذب.
قال حمزة الكنانى: خرّجتُ حديثا واحدا عن النبي صلى الله عليه وآله من نحو مائتي طريق, فداخلني لذلك من الفرح غير قليل, وأعجبتُ بذلك. فرأيتُ يحيى بن معين في المنام, فقلتُ: يا أبا زكريا خرجت حديثا من مائتي طريق، فسكتَ عنّي ساعة ثم قال:” أخشى أن يدخل هذا تحت (ألهاكم التكاثر)”.
قال يحيى:
كُنتُ إِذا دَخَلتُ مَنزِلي باللَّيل، قَرَأْتُ آية الكُرسِيِّ علَى داري وعِيالي خَمسَ مرَّات، فَبَيْنا أَنا أَقرَأُ، إِذا شَيءٌ يُكَلِّمُنِي:
كمْ تَقرَأُ هذا؟ كأَنْ لَيْسَ إِنْسَانٌ يُحسِنُ يَقْرَأُ غَيْرَكَ؟
فَقُلْتُ: أَرَى هَذَا يَسُوءكَ؟ وَاللهِ لأَزِيدَنَّكَ.
فَصِرْتُ أَقرَؤُهَا فِي اللَّيْلَةِ خَمْسِيْنَ، سِتِّيْنَ مَرَّةً.
قال إِبراهيم بن عبدِ الله بن الجُنَيد: سمعتُ يَحيَى بن مَعين يقول: ما الدُّنْيَا إِلاَّ كَحُلُمٍ، وَاللهِ مَا ضَرَّ رَجُلاً اتَّقَى اللهَ
عَلَى مَا أَصْبَحَ وَأَمسَى، لَقَدْ حَجَجتُ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، خَرَجتُ رَاجِلاً مِنْ بَغْدَادَ إِلَى مَكَّةَ، هَذَا مِنْ خَمْسِيْنَ سَنَةً، كَأَنَّمَا كَانَ أَمْسِ.
فَقُلْتُ لِيَحْيَى: تَرَى أَنْ يَنظُرَ الرَّجُلُ فِي رَأْيِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيْفَةَ؟
قَالَ: مَا أَرَى لأَحَدٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي رَأْيِ الشَّافِعِيِّ، يَنْظُرُ فِي رَأْيِ أَبِي حَنِيْفَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ.
قال الذهبي: قَدْ كَانَ أَبُو زَكَرِيَّا -رَحِمَهُ اللهُ- حَنَفِيّاً فِي الفُرُوْعِ، فَلِهَذَا قَالَ هَذَا، وَفِيْهِ انحِرَافٌ يَسِيْرٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ يَحْيَى فِي زَكَاةِ الفِطْرِ: لاَ بَأْسَ أَنْ تُعْطَى فِضَّةً.
وَقَالَ يَحْيَى فِيْمَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحدَهُ، قَالَ: يُعِيدُ.
وَقَالَ فِي مَنْ صَلَّى بِقَومٍ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، قَالَ: لاَ يُعِيدُوْنَ، وَيُعِيدُ. (11/94)
وَقَالَ لِي: أَنَا أُوتِرُ بِثَلاَثٍ، وَلاَ أَقْنُتُ إِلاَّ فِي النِّصْفِ الأَخِيْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَرفَعُ يَدَيَّ إِذَا قَنَتُّ، وَلاَ أَرَى المَسْحَ عَلَى العِمَامَةِ، وَلاَ أَرَى الصَّلاَةَ عَلَى رَجُلٍ يَمُوْتُ بِغَيْرِ البَلَدِ – كَانَ يَحْيَى يُوْهِنُ هَذَا الحَدِيْثَ – وَلاَ أَرَى أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ بِنْتَهُ بلاَ مَهرٍ، وَلاَ أَنْ يُزَوِّجَهَا عَلَى سُوْرَةٍ – رَأَيْتُ يَحْيَى يُوَهِّنُ هَذِهِ الأَحَادِيْثَ قَالَ ابْنُ الجُنَيْدِ: وَسَمِعْتُ يَحْيَى يَقُوْلُ:
تَحْرِيْمُ النَّبِيذِ صَحِيْحٌ، وَلَكِنْ أَقِفُ، وَلاَ أُحَرِّمُهُ، قَدْ شَرِبَهُ قَوْمٌ صَالِحُونَ بِأَحَادِيْثَ صِحَاحٍ، وَحَرَّمَهُ قَوْمٌ صَالِحُونَ بِأَحَادِيْثَ صِحَاحٍ.
وقال الدوري: سمعتُه يقول: القرآن كلام الله تعالى، وليس بمخلوق.
وسمعته يقول: الايمان يزيد وينقص، وهو قول وعمل.
قَالَ عَبَّاسٌ: سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُوْلُ فِي قَوْلهِ: (لاَ تَمْنَعُهُ نَفْسَهَا وَلَوْ كَانَتْ عَلَى قَتَبٍ)، قَالَ: كَانَتِ المَرْأَةُ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَلِدَ، تَقْعُدُ عَلَى قَتَبٍ؛ لِيَكُوْنَ أَسْرَعَ لِوِلاَدَتِهَا.
وَقَالَ: لَسْتُ أَعجَبُ مِمَّنْ يُحَدِّثُ فَيُخطِئُ، بَلْ مِمَّنْ يُصِيبُ.

وفاته:
توفي الإمام يحيى بن معين سنة 233 ه بالمدينة المنورة، وهو ذاهب إلى الحجّ. وصلى عليه أميرها, ودفن بالبقيع.
قال محمد بن يوسف البخاري الحافظ :
كُنَّا فِي الحَجِّ مَعَ يَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ، فَدَخَلْنَا المَدِيْنَةَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، وَمَاتَ مِنْ لَيلَتِهِ، فَلَمَّا أَصبَحْنَا، تَسَامَعَ النَّاسُ بِقُدُوْمِهِ وَبِمَوْتِهِ، فَاجْتَمَعَ العَامَّةُ، وَجَاءَتْ بَنُو هَاشِمٍ، فَقَالُوا: نُخْرِجُ لَهُ الأَعوَادَ التِي غُسِّلَ عَلَيْهَا رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
فَكَرِهَ العَامَّةُ ذَلِكَ، وَكَثُرَ الكَلاَمُ، فَقَالَتْ بَنُو هَاشِمٍ: نَحْنُ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ أَهْلٌ أنْ يُغسَلَ عَلَيْهَا.
فَغُسِلَ عَلَيْهَا، وَدُفِنَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فِي ذِي القَعْدَةِ.
قَالَ حُبَيْشُ بنُ مُبَشِّرِ الفَقِيْهُ – وَهُوَ ثِقَةٌ -: رَأَيْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟
قَالَ: أَعطَانِي، وَحَبَانِي، وَزَوَّجَنِي ثَلاَثَ مائَةِ حَوْرَاءَ، وَمَهَّدَ لِي بَيْنَ البَابَيْنِ -أَوْ قَالَ: بَيْنَ النَّاسِ-.
وَرَوَاهَا: الحُسَيْنُ بنُ الخَصِيْبِ، عَنْ حُبَيْشٍ، قَالَ: رَأَيْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟
قَالَ: أَدْخَلَنِي عَلَيْهِ فِي دَارِهِ، وَزَوَّجَنِي ثَلاَثَ مائَةِ حَوْرَاءَ.
ثُمَّ قَالَ لِلْمَلاَئِكَةِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي كَيْفَ تَطَرَّى وَحَسُنَ!
قال ابن سيرين: رأيتُ يحيى بن معين في المنام, فقلت: ما فعل الله بك ؟
قال: قرّبني, وأدناني, و زوّجني ثلاثمائة حوراء.
فقلتُ: بماذا ؟
فأخرج شيئا من كمّه, فقال : بهذا . (يعني الحديث)
وقال جعفر بن محمد بن كُزَالٍ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ مَعِيْنٍ بِالمَدِيْنَةِ، فَمِرَضَ، وَتُوُفِّيَ بِهَا، فَحُمِلَ عَلَى سَرِيرِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَجُلٌ يُنَادِي بَيْنَ يَدَيْهِ: هَذَا الَّذِي كَانَ يَنْفِي الكَذِبَ عَنْ حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
رحم الله الامام, وأسكنه فسيح جناته, وجزاه عن المسلمين خيرا.

قالوا في رثاءه:
قال بعض المحدثين في يحيى بن معين:
ذهب العليم بعيب كل محدث  * وبكل مختلف من الإسناد
وبكل وهم في الحديث ومشكل * يعيا  به  علماء  كل بلاد

الكاتب: الشيخ أبو محمد البلوشي

**********************************
من مراجع البحث:
تاريخ ابن معين – الدوري – تحقيق عبد الله احمد دار القلم بيروت. (ج 1 / ص 3)
تعريف بالأماكن الواردة في البداية والنهاية لابن كثير – (ج 1 / ص 471)
طبقات الحفاظ – السيوطي (ج 1 / ص 34)
معجم المؤلفين –  عمر كحالة (ج 13 / ص 232)
تذكرة الحفاظ – الذهبي (ج 3 / ص 933)
تاريخ دمشق – ابن عساكر(ج 65 / ص 3)
سير أعلام النبلاء – الذهبي (ج 21 / ص 83)
الكامل لابن عدي – (ج 1 / ص 122)
المسالك والممالك – ابن خرداذبه – (ج 1 / ص 10)
معجم البلدان – للحموي (ج 2 / ص 446)
تاريخ ابن معين – الدوري  (ج 1 / ص 10)
الضعفاء والمتروكين للنسائي – (ج 1 / ص 136)
الأعلام للزركلي – (ج 8 / ص 173)
آثار البلاد وأخبار العباد – القزويني (ج 1 / ص 159)
الطبقات السنية في تراجم الحنفية –  التقي الغزي (ج 1 / ص 44)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات