اليوم : 9 ديسمبر , 2011

فخر الهند العلامة عبدالحي اللكنوي رحمه الله

فخر الهند العلامة عبدالحي اللكنوي رحمه الله

إسمه ونسبه: الشيخ العالم الكبير، العلامة عبدالحي بن عبدالحليم بن أمين الله بن محمد أكبر بن أبي الرحم بن محمد يعقوب بن عبدالعزيز بن محمد سعيد بن الشيخ الشهيد قطب الدين الأنصاري السهالوي اللكنوي.

ولادته ونشأته:
ولد رحمه الله في بلدة “باندا”في الهند في يوم الثلاثاء 26 من ذي القعدة سنة 1246، وشرع في حفظ القرآن الكريم حين بلغ الخمس سنين، وفرغ من حفظه وهو ابن عشر سنين، ومنح منذ نشأته قوة الحفظ الواعية. قرأ أول ما قرأ على والده، بعض الكتب الفارسية و الإنشاء والخط أثناء حفظه للقرآن، وكان يدارس والده فيه أيضا. و بعد أن فرغ من ذلك كله شرع في تحصيل العلوم الشرعية وآلاتها، فقرأ الكتب الدرسية في فنون الصرف، والنحو، والمعاني، والبيان، والمنطق، والحكمة، والطب، والفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والحديث، والتفسير، وغيرها من العلوم.
وقد ألقي في قلبه من مستهل شبابه محبة التدريس والتأليف، فلم يقرا كتابا إلا درسه بعد قراءته، فحصل له من ذلك التمكن في العلوم، وتسنى له بما صار لديه من الملكة في الفهم والعلم أن يقرأ الكتب التي لم يكن قرأها على أستاذ ككتاب «شرح الإشارات» للطوسي، و«قانون الطب»، و«علم العروض»، وغيرها.
وأعطي في تدريسه القبول والرضى من طلبته والآخذين عنه، وشاع الثناء عليه من شيوخه وعارفيه.
ولما توفي والده رحمه الله تعالى وكان ناظما للعدالة في مدينة “حيدر آباد الدكن”، عرض عليه بإصرار أن يتولى مكان أبيه في تلك الإدارة العليا للمدينة، فأبى واعتذر، لأن ذلك كان يعوقه عن التدريس والتأليف، وقنع باليسير من المورد، راضيا مسرورا، متوجها إلى التعليم والتصنيف ونشر العلم لوجه الله تعالى.
وكان أحب العلوم إليه: الحديث الشريف، وفقه الحديث وما إليه من علوم المنقول، مع تفوقه في العلوم العقلية. وحدث عن نفسه: أنه يجد في تدريس الحديث الشريف وفقهه والتصنيف فيهما من اللذة والسرور ما لا يجده في سواهما من سائر العلوم و الفنون.
و كان ذا فتوح رباني عظيم في المسائل المعضلية، و المباحث الدقيقة المشتبكة. وقد يسر الله تعالى له الحج إلى بيته الكريم مرتين، مرة مع والده سنة 1279، ومرة بعد وفاة والده سنة 1292، وقد جمع في هاتين الحجتين الشيء الكثير من الفوائد العلمية من العلماء الحرمين الشريفين، كما اقتنى كثيرا من الكتب النادرة المخطوطة والمطبوعة من البلاد التي مر بها.
وله في الأصول و الفروع قوة كاملة، وقدرة شاملة، وفضيلة تامة، وإحاطة عامة، و في حسن التعليم صناعة لا يقدر عليها غيره، وكان إذا اجتمع بأهل العلم وجرت المباحثة في فن من فنون العلم لا يتكلم  قطّ، بل ينظر إليهم ساكتاً، فيرجعون إليه بعد ذلك، فيتكلم بكلام يقبله الجميع ويقنع به كل سامع، وكان هذا دأبه على مرور الأيام، لا يعتريه الطيش والخفة في شيء، كائناً ما كان. وكان على مذهب أبي حنيفة في الفروع و الأصول، ولكنه كان غير متعصب في المذهب؛ يتبع الدليل و يترك التقليد إذا وجد في مسألة نصاً صريحاً مخالفاً للمذهب. قال في كتابه “النافع الكبير”: ” ومن منحه (أي منح الله سبحانه تعالى) أني رزقت التوجه إلى فن الحديث وفقه الحديث، ولا أعتمد على مسئلة ما لم يوجد أصلها من حديث أو آية، وما كان خلاف الحديث الصحيح الصريح أتركه، وأظن المجتهد فيه معذورا بل مأجورا، ولكني لست ممن يشوش العوام الذين هم كالأنعام، بل أكلم الناس على قدر عقولهم.

أساتذته:
اشتغل بالعلم على والده وقرأ عليه الكتب الدراسية معقولا ومنقولا، ثم قرأ بعض كتب الهيئة على خال أبيه المفتي “نعمة الله بن نور الله اللكنوي”، وفرغ من التحصيل في السابع عشر من سنة، وحصلت له الإجازة عن السيد “أحمد بن زيد بن دحلان الشافعي”، والمفتي “محمد بن عبد الله بن حميد الحنبلي” بمكة المكرمة، وعن الشيخ “محمد بن محمد الغربي الشافعي” والشيخ “عبد الغني بن أبي سعيد العمري الحنفي الدهلوي” بالمدينة المنورة.

خدماته:
كان مع تقدمه في علم الأثر وبصيرته  في الفقه، له بسطة كثيرة في علم النسب والأخبار وفنون الحكمة، وكان ذا عناية تامة بالمناظرة ينبه كثيرا في مصنفاته على أغلاط العلماء، ولذلك جرت بينه وبين العلامة “عبد الحق بن فضل حق الخيرآبادي” مباحثات في تعليقات حاشية الشيخ يحيى على “ميرزا زاهد رسالة” وكان الشيخ “عبد الحق” يأنف من مناظرته، ويريد أن لا يذاع رده عليه، وكذلك جرت بينه وبين “السيد صديق حسن الحسيني القنوجي” فيما ضبط السيد في “اتحاف النبلاء” وغيره من وفيات الأعلام نقلا عن “كشف الظنون” وغيره وانجرت إلى ما تأباه الفطرة السليمة، ومع ذلك لما توفي الشيخ “عبد الحي” المترجم له تأسف بموته تأسفا شديدا، وما أكل الطعام في تلك الليلة، وصلى عليه صلاة الغيبة، نظرا إلى سعة إطلاعه في العلوم والمسائل، وكذلك جرت بينه وبين العلامة “محمد بشير السهسواني” في مسألة شد الرحل لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم.

مؤلفاته:
قال الشيخ “أبو الحسن الندوي” في كتابه “المسلمون في الهند”: ويبلغ عدد مؤلفات علامة الهند فخر المتأخرين الشيخ عبد الحي اللكهنوي 110 كتابا، منها 86 بالعربية. نذكر نبذة من تصانيفه:
1- التعليق الممجد على موطأ إمام محمد.
2- أحكام القنطرة في أحكام البسملة.
3- الفوائد البهية في تراجم الحنفية.
4- إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة.
5- إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام.
6- الرفع والتكميل في الجرح والتعديل.

وفاته:
وكانت وفاته لليلة بقيت من ربيع الأول سنة أربع وثلاثمائة وألف، ودفن بمقبرة أسلافه.
اجتمع الناس في المدفن من كل طائفة وفرقة أكثر من أن يحصروا. وقد صلوا عليه ثلاث مرات.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

الكاتب: محمد باقر حسين بر (الطالب بجامعة دار العلوم زاهدان)

تعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات