اليوم : 18 نوفمبر , 2011

مسند الدنيا أبو القاسم البغوي رحمه الله

مسند الدنيا أبو القاسم البغوي رحمه الله

الحافظ ، الإِمام ، الحُجَّة ، الثقة , المُعَمَّر، مُسنِدُ عَصرِه ، أَبو القاسم البَغَوِيُّ الأَصل ، البغدادِيُّ الدَّار والمَولِد .

اسمه ونسبه:
هو أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان بن شابور بن شاهنشاه ؛ البغوي [المعروف بابن بنت أحمد بن منيع ] نِسبَةً إِلى جَدِّه لأُمّه ــ الحافظ أَبي جعفر أَحمد بن مَنِيعٍ البَغَوِيِّ الأَصَمِّ.
وإنّما قيل له: البغوي. لأنّ جدّه أحمد بن منيع أصله من بغ.
مَنسُوبٌ إِلى مدينة بَغشُور مِن مَدائِن إقلِيم خُراسَان.
قال الحموي رحمه الله:
بغشُور: بضم الشين . بليدة بين هراة ومرو الروذ . شربُهم من آبار عذبة … وهم فيٍ برية ليس عندهم شجرة واحدة , ويقال لها : ” بَغ ” أيضاً . رأيتُها في شهور سنة 616 والخراب فيها ظاهر، وقد نسب إليها خلق كثير من العلماء والأعيان. منهم:
أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابوربن شاهنشاه بن بنت أحمد بن منيع, بَغوي الأصل, وكان محدث العراق في عصره , وإليه الرحلة من البلاد, وعُمر طويلاً. وأبو الأحوص محمد بن حَيان البغوي المتوفى سنة 327. والإمام أبو محمد الحسين بن مسعود الفراءُ البغوي الفقيه العالم المشهور صاحب التصانيف وأخوه الحسن. وكان أيضاً عن أهل العلم .. مات سنة 529 . هـ ق
ويقال لها: بغ, و بغشور. والنسبة إليها بغوي على غير قياس . معجم البلدان – (ج 1 / ص 339)

مولده :
اختلف تلاميذه في سنة ميلاده .
قال أَبو بكر بن شاذان: سمعتُ البغَوِيَّ يقول: وُلِدتُ سَنة ثلاث عشْرَة ومائَتين .
وقال ابن شاهِين: سمعتُه يقول: وُلدتُ سنة أَربَعَ عَشْرَة .
قال الخَطِيب: وابن شَاهِين أَتقن .

نشأته العلمية:
بكر بالسماع باعتناء عمّه علي بن عبد العزيز, و حرصَ عليه جَدُّه أيضاً، وأَسمعَه في الصِّغر، بحيث إِنَّه كتب بخطّه إِملاءً، في ربيع الأَوَّل، سنة خمس وعشرين ومائَتَين، فكان سنُّه يومئذ عشر سنين ونصفاً. ولا نعلم أَحداً في ذلك العَصر طلب الحديث و كتبه أَصغرَ مِن أَبي القاسم، فأَدرَك الأَسانيد العاليةَ، وحدَّثه جماعة عَن صِغار التَّابعين .
قال أبو القاسم: وطلبتُ الحديثَ وأوّل مَن كتبتُ عنه إملاء في شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين, وحضرتُ مع عمّي مجلس عاصم بن على. وأوّل مَن كتبتُ عنه الإملاء إسحاق بن إسماعيل, وكان يحضر مجلسه المحدثون.
قال الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد: لا يُعرف في الإسلام محدّث وازى عبد الله بن محمد البغوي في قدم السماع ؛ فإنّه توفّي سنة سبع عشرة وثلاثمائة …

مهنته:
وكان رحمه الله ورّاقا , آثر أن يشتغل ويكسب , ولا يكون عالة على النّاس.
وهكذا كان دأب علماء السلف , وهكذا فليكن.
قال أبوالقاسم : كنتُ أُوَرِّقُ، فسأَلتُ جدِّي أَحمد بن مَنِيعٍ أَن يَمضِيَ معِي إِلى سعِيد بن يَحيَى بن سَعِيد الأُمويِّ، يسأَلَه أَن يُعطِيَني الجُزْء الأَوَّل مِن المغَازِي، عَن أَبيه، حتَّى أُوَرِّقَهُ عليه، فجاءَ معي، وسأَله، فأَعطاني، فأَخذتُه ، وطُفتُ به ، فأَوَّل ما بدَأْتُ بِأَبي عبد الله بن مُغَلِّسٍ، أَرَيتُه الكتاب، وأَعلَمتُهُ أَني أُريدُ أَن أَقرَأَ المغازي على الأُمويِّ، فدَفَعَ إِليَّ عشرين دِيناراً، وقال: اكتُبْ لِي مِنه نُسخَةً.
ثُمَّ طُفتُ بَعدَه بَقِيَّةَ يَومِي، فَلَم أَزَل آخُذُ مِن عشرين دِيناراً وإِلى عشرة دناِنير وأَكثرَ وأَقلَّ، إِلى أَن حَصَلَ معي في ذلك اليوم مائتا دِينار، فكتبتُ نُسَخاً لأَصحابها بشيءٍ يسير، وقرأْتُها لهم، واستَفضَلتُ الباقي .
ونُقل عنه أنّه قال : ورّقتُ لألف شيخ .

شيوخه :
سمع علي بن الجعد, وخلف بن هشام, وأبا نصر التمار, وعلي ابن المديني, وأحمد بن حنبل, وشيبان بن فروخ, وداود بن عمرو الضبي, ويحيى بن عبد الحميد الحماني, وسويد بن سعيد, وخلقا كثيرا أزيد من ثلاث مائة شيخ..
وكان عليُّ بن الجَعد أَكبرَ شيخٍ لَه، وهو ثبتٌ فيه، مُكثِر عنه.
وقال السمعاني : سمع أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وعلي بن الجعد وخلف بن هشام وخلقا يطول ذكرهم من شيوخ البخاري ومسلم .

تلامذته:
حدَّثَ عنه: يحيَى بن صاعِد، وأَبو عليٍّ النَّيسابوري، وأَبو حاتِم بن حِبَّان، وأَبو بَكر الإسماعيلِي، وأَبو أَحمد بن عَدِي، والطَّبَرانِيّ، وأَبو بكر الجِعابِيّ، وأَبو أَحمد حُسَينَك النَّيسابوري ، وأَبو أَحمد الحاكم ، وأَبو حَفصٍ بن الزَّيَّات ، وأَبو الحسن الدَّارَقُطني، وأَبو بكر بن شاذان، وأَبو حفص بن شاهين، وأَبو بكر بن المُهَندِس المصريُّ – لَقِيَهُ بِمكَّةَ سنةَ عشر وثَلاث مائَة, و زاهِر بن أَحمد السَّرَخسِيُّ، وأَبو القاسم عيسى بن عليٍّ الوزير، وأَبو بكر بن المُقرئ الأَصبهانِي، وأَبو بكر محمّد بن إِسماعيل الوَرَّاق، وأَبو بكر أَحمد بن عَبدان الشِّيرازيُّ – مُحَدِّثُ الأَهْواز – وأَبو مسلِم محمَّد بن أَحمدَ الكَاتب بِمصر – خاتِمةُ أَصحابه .
وروى عنه جماعةٌ غير هؤلاء لا يحصيهم إلا الله تعالى, لأنّه طال عمره , وتفرّد في الدنيا بعلو السند .

رفعة إسناد البغوي:
قال البغوي رحمه الله: حدثنا أحمد بن حنبل الشيباني قبل أن يولد المحدثون، حدثنا طالوت بن عباد قبل أن يولد المحدثون، حدثنا أبو نصر التمار قبل أن يولد المحدثون، فأملى ستة عشر حديثاً عن ستة عشر شيخاً ما كان في الدنيا من يروي عنهم غيره.
وقال الإمام الذهبي:
بقي حدِيثه عالِياً بالاتِّصال إِلى سنة خَمس وثلاثين وستِّ مائَة عند أَبي المُنَجَّا بن اللَّتِّيِّ، وبعد ذلِك بالإِجازَة العالِيَة عند أَبي الحَسَن بن المُقَيَّرِ، ثُمَّ كان في الدَّور الآخرِ المُعَمَّرُ شِهابُ الدِّين أَحمد بن أَبي طالِب الحَجَّار، فكان خاتِمةَ مَن رَوَى حديثه عالِياً بِالسَّمَاعِ، بَل وبِالإِجَازَة، كان بَينه وبَينَه أَربعةُ أَنفُس .
قال أَبو محمَّد الرَّامهُرمُزيُّ: لا يُعرَفُ في الإِسلامِ مُحَدِّثٌ وَازَى البَغَوِيَّ فِي قِدَمِ السَّمَاعِ.
قلتُ (القائل الذهبي): أَمّا إِلى وَقتِهِ فنَعَم، وأَمَّا بَعدَهُ، فَاتَّفَقَ ذَلِك لِطَائِفَةٍ مِنهم:
عبد الواحد الزُبَيرِيُّ – مُسند ما وَرَاء النَّهر – ولأَبي عَليٍّ الحَدَّاد، وبالأَمس لأَبي العبَّاس بن الشُّحنَة.

ثناء العلماء عليه :
قال الدارقطني: كان البغوي قليل الكلام على الحديث , فإذا تكلّم كان كلامه كالمسمار في الساج .
قال الخطيب: كان ثقة, ثبتاً, فهماً , عارفاً …
وقال حَمزَة السَّهْمِيّ: سأَلْتُ أَبا بكر بن عَبدان عَن البَغَوِيِّ، فقال: لا شَكَّ أَنَّهُ يدخُلُ في الصَّحيح .
قال ابن ابى حاتم: أبو القاسم البغوي يدخل في الصحيح .
وقال أبو يعلى الخليلى: البغوي شيخ معمّر عنده عن مائة شيخ تفرد بهم في زمانه، منهم الحكم بن موسى وطالوت بن عباد – إلى أن قال: هو حافظ, عارف, صنّف مسند عمّه، وقد حسدوه في آخر عمره فتكلموا فيه بشئ لا يقدح فيه.
وذكر أبو عبد الرحمن السلمي أنه سأل الدارقطني عن البغوي فقال: ثقة , جبل , إمام من الأئمة , ثبت , أقلّ المشايخ خطأ.
قال عُمر بن الحسن الأُشنانِيُّ: سأَلتُ موسَى بن هارون عن البَغَوِيِّ، فقال: ثِقَةٌ، صَدُوقٌ، لَو جاز لإِنْسانٍ أَن يُقالَ لَهُ: فَوْقَ الثِّقَةِ ، لَقِيلَ لَهُ.
قلتُ: يا أَبا عِمْرَان! إِنَّ هَؤُلاَءِ يَتَكَلَّمُوْنَ فِيْهِ؟
فقال: يَحسُدُونَه، سَمِعَ مِنِ ابن عائشَة ولَم نَسمَع. ابنُ مَنِيع لا يقول إِلاَّ الحَقَّ.
قال الذهبي : قد أَسرَفَ ابن عَدِيٍّ، وبالغ، ولَم يَقدِر أَن يُخَرِّجَ حَديثاً غَلِطَ فِيه، سِوَى حَدِيثين، وهذا مِمَّا يَقضِي لَه بِالحِفظ والإِتقان؛ لأَنَّه رَوَى أَزيَدَ مِن مائَة أَلْف حديث لم يَهِمْ في شيءٍ مِنها .
قال السمعاني : عمر العمر الطويل؛ حتّى رحل النّاس إليه, وكتب عنه الأجداد والأحفاد والآباء والأولاد . وكان ثقة , مكثرا , فهما , عارفا بالحديث …

مؤلفاته:
جمع وصَنَّفَ كتاب (مُعجَم الصَّحابَة) وجَوَّدَه، وكتاب (الجَعديَّات) وأَتقنه.
قال العلماء: وهذا يدلّ على سعة حفظه وتبحّره. وكذلك تأليفه للجعديات؛ أحسن ترتيبها وأجاد تأليفها.

وفاته:
توفّي ليلة عيد الفطر سنة سبع عشرة وثلاثمائة ، ودفن يوم الفطر, وقد استكمل مائة سنة وثلاث سنين وشهراً.
قال الخطيب: ودفن في مقبرة باب التبن.
قال ابن الجوزي : ورأيتُ في بعض الروايات أنه مات وهو صحيح السمع والبصر والأسنان، يطأ الاماء.
قال الذهبي: قد سَمِعُوا عليه يوم وَفَاتِه ، فذكر مُحمَّد بن أَبي شُرَيح – في غالب ظَنِّي – قال:
كنَّا نَسمع على البغَوِيِّ ، ورَأْسُه بَين رُكبَتيه ، فرَفَعَ رَأْسه ، وقال: كأَنِّي بِهم يقولُون: مات أَبو القَاسم البَغَوِيُّ ، ولا يقولون: مات مُسنِدُ الدُّنيا.
ثمّ مات عَقِيبَ ذلِك , أَو يومئذ – رحمه الله – .
وقال الذهبي: وهو مِن الّذين جاوَزُوا المائَة – بِيقين – كالطَّبرَانِي، والسِّلفِي، وقد أَفرَدتُهُم في جُزءٍ ختَمتُهُ بالشَّيخِ شِهاب الدِّين الحَجَّار .
ومات مع البغوي في سنة سبع عشرة: أَبو حامِد أَحمد بن جعفر الأَشعرِيُّ الأَصبهاني، وشيخ الحنفيَّة ؛ أَبو سعيد أَحمد بن الحُسين البَرذَعِيّ بِبَغداد، وأَبو عَمرٍو أَحمد بن محمَّد بن أَحمد بن حَفص الحِيرِي النَّيسابوري، والثِقَة أَبو العباس الفضل بن أَحمد بن منصور الزُّبَيْديُّ – صاحِب أَحمد بن حنبل – والحافِظ أَبو الحسَن محمد بن أَحمد بن زُهيرٍ الطُّوسي، ومسنِد مِصر؛ أَبو بكر محمَّد بن زَبَّان بن حبيب الحضرمِي، والزَّاهِد الواعِظ أَبو عبد الله محمد بن الفضل البلخِي – خاتِمة أَصحاب قُتَيبَة بن سَعِيد – .
رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته.

الكاتب: الشيخ أبو محمد البلوشي

*******************************
المراجع:

سؤالات حمزة – سؤالات حمزة بن يوسف السهمي للدارقطني وغيره من المشايخ .
تاريخ بغداد   –   للخطيب البغدادي
تاريخ الإسلام   ــ   للإمام الذهبي
معجم البلدان  –  ياقوت الحموي
سير أعلام النبلاء  –   للذهبي
الوافي بالوفيات  –   للصفدي
تذكرة الحفاظ   –   للذهبي
المنتظم   –  ابن جوزي
الأنساب ــ للسمعاني
الأعلام للزركلي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات