اليوم : 31 أكتوبر , 2011

وسائل الإعلام ورسالتنا

وسائل الإعلام ورسالتنا

إن الإسلام هو الدين المختار الذي اصطفاه الله تعالى لسعادة كافة الناس والمجتمعات البشرية في العالم، والمسلمون أمة جعلهم بعثهم الله حملة رسالة عظيمة ببعثة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه الرسالة هي دعوة الناس والمجتمعات البشرية كافة إلى الله سبحانه وتعالى وإلى رسوله وإلى الإيمان بالآخرة وإلى السعادة الحقيقية والحياة الطيبة والأخلاق السامية وإنذارها من الشرك والضلالة والحياة الفاسدة المزعومة والمنكرات ورذائل الأخلاق وسفاسف الأمور.
ثم لهذه الأمة أن تنتفع بكافة الطرق المشروعة والوسائل المتاحة للقيام بدور أحسن لتأدية هذه الرسالة العظيمة.
لقد سجل تاريخ الأمة الإسلامية أن الدعاة المسلمين منذ انطلاق هذه الدعوة في الجزيرة العربية إلى عصرنا هذا، انتفعوا ناشطين وعاملين من شتى الطرق المفيدة المشروعة والوسائل الموجودة في عصرهم للقيام بهذه المهمة.
من أهم الوسائل التي عملت في القرنين الأخيرين كجسر للتواصل والترابط بين أفراد المجتمعات في أنحاء المعمورة، وقد ازاداد أثرها في حياة البشر يوما بعد يوم، واتسع دائرة أعمالها ونشاطاتها واكتسبت تقدما وتطورا مرموقين، هي “وسائل الإعلام”.
لقد أصبح العالم في عصرنا بعمل وسائل الإعلام يشبه قرية صغيرة متقاربة السكان ومتأثرة الأجزاء بعضها ببعض، متشاركة الأعضاء في المصالح والمضار. حيث أطلق على هذا العصر “عصر الاتصالات” و”ثورة المعلومات”.
لأجل هذا؛ لا يمكن أن يجلس فرد أو يبقى مجتمع غافلا عن أوضاع الآخرين أو غير مهتم بأحوالهم، ولا يتأثر بها في حياته.
إن دور الإعلام وأهميته لا يخفى على أحد. ووسائل الإعلام لها أثر كبير في إثارة المشاعر والبواعث وتكوين الأوضاع والظروف، وهي تعين على أن يصل الإنسان إلى فكرة جديدة مختلفة عن وضعه وأوضاع العالم من حوله، وتدفع الجماهير نحو آفاق جديدة من الأمل، وترسم خططا لتقدمهم وازدهارهم، وتتناول عمل القادة رجال الحكومة والأوضاع السياسية والاجتماعية بالنقد والتحليل، وبعبارة أخرى نستطيع أن نعرف وسائل الإعلام  “اللسان المعبر الناطق والصرخة العالية لأي مجتمع”.
لا يستطيع مجتمع أن يضع خطوات نحو التقدم والنجاح، ويثبت كيانه للآخرين، ويبلغ رسالته ودعوته إلى شعوب العالم، ويقوم بدوره وواجبه بشكل جيد، إلا أن يتمتع برصيد إعلامي قوي مؤثر، ويكون رائد المجتمعات الأخرى، بدل التخلف والتبعية في هذا المجال.
تعتبر اليوم وسائل الإعلام من أقوى الوسائل والإمكانيات في أيدي البشر. يقول أحد الخبراء: لو سمّينا القرن التاسع عشر بعصر الاستعمار، والعشرين بعصر العسكرية والحروب، إن صح التعبير، فلنا أن نسمي القرن الواحد والعشرين بعصر “وسائل الإعلام”.
وقد ارتبطت اليوم هوية كل شعب بهويته الإعلامي، ومعظم العلاقات الدولية متأثرة من وسائل الإعلام بشكل ما.
إن مطالعة قصيرة للإعلام ونظرة عاجلة في عالمها، تقود الإنسان نحو حقيقة مرة مؤسفة، وهي أن قيادة وإدارة معظم وسائل الإعلام حكر لأناس لا يوجد أدنى إرادة عندهم لصلاح المجتمع البشري ومصالحه، ولا غاية أمامهم إلا إذلال البشر والازدراء بالإنسانية، وإشاعة المجون والخلاعة والفواحش والمنكرات.
يقول أحد خبراء الإعلام: اليهود الصهاينة مسيطرون على أكثر وسائل الإعلام العالمي ومواقع الشبكة الدولية، ولا ينازعهم أحد في اقتدارهم على مراكز الإذاعة والتلفاز وصناعة الأفلام العالمية، وهذه الهيمنة لليهود الصهاينة على وسائل الإعلام ترجع إلى تاريخ نشأة دولة إسرائيل على أراضي فلسطين المحتلة.
وقد قوي هذا الموج للهيمنة العالمية لهم على وسائل العالم إلى أواخر القرن العشرين، واتسع نطاقها مع توسع تكنولوجيا.
إن اليهود الصهاينة يعلمون جيدا أنه لا أمل لهم في تحقيق أمانيهم وطموحاتهم إلا بتغيير المعتقدات الدينية والوطنية للشعوب، لذلك فهم في سعي مستمر لتغييير القيم والمعتقدات، وفي بعض الأحيان تدمير المعتقدات الدينية للشعوب، ليصلوا إلى هذه الغاية المنشودة، وإن هذه النشاطات والأعمال تتم القيام بها من خلال المنتجات الإعلامية.
نقرأ في بروتوكولات اليهود وقادتهم (خطة اليهود الصهاينة العملية للسيطرة على العالم) بأن وسائل الإعلام بعد الذهب، ثاني أهم وسيلة لإبقاء السيطرة العالمية بيد اليهود الصهاينة.
لنرى الآن كيف أوضاع الأمة المسلمة ومكانتهم في ميادين الإعلام العالمي! الحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها هي أن البلاد والمجتمعات الإسلامية، مع الأسف بينها وبين الكثير من المجتمعات الأخرى بون شاسع، وفي الحقيقة يعتبر التخلف والرجعية في الإعلام أحد عوامل التخلف والأزمات في البلاد الإسلامية. يؤسفنا جدا أن أمة هي خير الأمم وحملة للرسالة العالمية، بدل أن يكونوا مؤثرين وموجهين في هذه الميادين والمجالات، أصبحت تتأثر بهذه الجهة وتلك الجهة. وبدل أن يكونوا هداة موجّهين لغيرهم من الأمم، أصبحت محتاجة إلى الإرشاد والتوجيه.
لاشك أن العالم الإسلامي في العقد الأخير شهد تطورات محلية في وسائل الإعلام في العالم الإسلامي، وظهرت وكالات أنباء ومواقع على الشبكة الدولية، وصحف وجرائد مؤثرة إلى حد ما. لكن مع ذلك لا زالت المسافة بعيدة نحو الغاية المنشودة والمطلوبة.
ومن ناحية أخرى، كيفية العمل الإعلامي في البلاد الإسلامية ضعيفة وفاقدة للجذابية. وفي قسم الأخبار وتغطية الحوادث أصبح معظم المواطنين لا يثقون بالمصادر المحلية والرسمية، بيحث لو انتشر خبر من الوكالات المحلية لا يتلقاه الناس بالقبول إلا بعد انتشاره في وسائل الإعلام غير الحكومية أو الأجنبية. لاشك أن القضية غير مرتبطة بالتغرّب أو الانحيازية إلى الأجانب، بل أسلوب العمل الإعلامي المحلي أفقد الناس ثقتهم بهذا الإعلام. لماذا تلقى الأخبار بالقبول من وسائل الإعلام الأجنبية التي تقوم ببثها كيفما شاءت وقد تختلقها وتلفقها حسب مقاصدها وأهدافها؟!
لذلك نرى أنه قد حان وقت التفكير الجاد الأساسي في هذه القضية، وأن ترفع خطوات أساسية في هذا المجال من غير تأخير، وأن تخطط لها ويعاد النظر في النشاطات الإعلامية والصحافية.
وللنجاح في هذا المجال تلزم أن تصلح النوايا وأن تكون البواعث إلهية وخالصة وفي سبيل الصحوة الإسلامية وخدمة المجتمع البشري؛ فإن النيات والبواعث لو لم تصلح، فلا تتحقق نتيجة مطلوبة في العمل، ولا يرجى لفاعله أجر عند الله تبارك وتعالى.
إن جعل الإنسان الدنيا مطمح نظره، وكانت النوايا والأهداف مادية خالصة، سيحرم الإنسان من التوفيق الرباني والنصرة الإلهية، ويكون سببا للخسران والفشل في الدنيا والآخرة.
هنا ملاحظة لمن يريد أن ينزل ميدان العمل الإعلامي، وهي أن الواجب عليه أن يركّز جلّ مساعيه  في سبيل الوحدة والتضامن والاحترام المتقابل، وتقوية الأخلاق ومراعاة الإنصاف في المجتمع، وليجتنب من إثارة الفتن والطائفية، وبث الكراهية والبغضاء في النفوس، واللاأخلاقية والظلم والجرائم في المجتمع.
وعلى أتباع الحق والحقيقة في العالم أن يعرفوا جيدا أنهم لو لم تتحد كلمتهم ولم يدخلوا ميادين العمل والنشاط بشكل منظم وبدراسة مخططة، لا يستطيعون أن يتصدوا للغزو الذي يشنه الباطل وأعداء الأمة الإسلامية ضد الإسلام والمسلمين فكريا وثقافيا وعسكريا وإعلاميا. فإن النشاطات المبعثرة لا يمكن من خلالها تدارك التخلفات الماضية ولا تحقيق الأهداف والغايات المنشودة.
ثم من أهم الواجبات على كواهل الإعلاميين الإسلاميين أن يجتهدوا في معرفة أهداف ومناهج الأعداء وأساليبهم في المجالات المختلفة، خاصة في الإعلام وتوعية الأمة، سيما الجيل الشاب منهم بهذه الأهداف والأساليب.
ملاحظة هامة أخرى، وهي العمل والتخطيط لتعليم وتربية جيل من القوى المبدعة للعمل والنشاط في ميدان الإعلام، وتهيئة البيئة المناسبة للنمو والازدهار. وجنبا إلى كل هذا لابد من اجتذاب الشخصيات المؤثرة والنشيطة ونخب المجتمع نحو الدخول في ساحة الإعلام، والقيام بالتمويل في هذه المجالات.
كذلك ينبغي السير إلى الأمام بإقامة الجلسات والمؤتمرات ومحافل الفكر والاستشارة في المستوى الإقليمي والقطري والعالمي، وبالانتفاع من الاقتراحات والانتقادات البناءة التي تطرح فيها.
لا يفوتنا أخيرا أن الدعاء والتضرع والاستعانة بالله العلي القدير، زاد المؤمن، وأول وسيلة للنجاح والقبول في كل عمل؛ فهو يهدي الضال ويكثر القليل ويقوي الضعيف، ويجعل المغلوب غالبا ومنتصرا، وبيده مفتاح كل نجاح وتقدّم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الكاتب: فضيلة المفتي محمد قاسم القاسمي (رئيس تحرير مجلة نداء الإسلام، ورئيس دار الإفتاء التابعة لجامعة دار العلوم زاهدان)

التعريب: رشيد أحمد البلوشي (الطالب بجامعة دار العلوم)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات