اليوم : 28 سبتمبر , 2011

العلامة المفسّر “نعمة الله التوحيدي” رحمه الله

العلامة المفسّر “نعمة الله التوحيدي” رحمه الله

لما أراد الله تعالى البقاء والخلود للإسلام ورسالته العالمية ودعوته الشاملة، ضمن حفظ هذا الدين العظيم وصيانته من تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين ببعثة أجيال من أخص طبقات هذه الأمة في التقوى والهدى في كل عصر ومصر، تولّوا مهمة الدفاع عن معتقدات الإسلام الأصيلة ودعوته الخالصة إلى التوحيد، ونبذ الشرك والخرافات، وإحياء التعاليم والسنن المهجورة.
عصرنا الذي لم يعد خاليا من أعداء ألداء شمّروا عن سواعد الجد لإستئصال الشريعة الإسلامية ومكافحة رسالته الوحيدة التي أحيت الأمم والشعوب وأنقذتهم من براثن الشرك، أحوج إلى أفذاذ وعباقرة يقومون بهذه المهمة، ولاشك أن الشيخ “نعمة الله التوحيدي” رحمه الله (أستاذ التفسير والحديث بجامعة دار العلوم في مدينة زاهدان، سابقا) الذي سنقدّم إليكم وجيزا من حياته الدعوية والمليئة بالنشاط والدعوة والنهي عن المنكرات، كان ممن وفّق لقيامه بمهمة الدعوة إلى صفاء العقيدة والتوحيد الخالص عن شوائب الشرك في الذات والصفات، وتخصيص العبودية للواحد القهار، وإخلاص العمل لله تعالى، والتجنب من الرياء في الأعمال، والشرك بقسميه الجلي الخفي؛ كما أن التوفيق كان حليفه في الإهتمام بالنضال المستمر ضد المنكرات والمفاسد، دون أن يتوجّس أدنى خوف من لومة لائم، ودون أن يأتيه حزن على أنه أسخط مخلوقا في طاعة الخالق عز وجل.
كما أن دروسه التفسيرية التي كانت تعقد في شهري شعبان ورمضان الممتلئة بالحكم والبراهين التي تدافع عن العقيدة الإسلامية الخالصة، تشد إليها الرحال ويقصدها الرواد من أقصى أنحاء البلاد.
أردنا في هذه الوجيزة أن نقدّم إلى قراء نا الكرام خلاصة من ترجمة حياة هذا العالم المفسر الذي بذل نفسه ونفيسه في سبيل الدفاع عن التوحيد، والقرآن الكريم ورسالته، والصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

الإسم والمولد:
إسمه “نعمة الله” ولقب بـ”يوسفي” وكذلك “التوحيدي”، وإسم والده “الملا عبد العزيز”.
ولد رحمه الله في أسرة ملتزمة متدينة وعريقة سنة “1373 ” من الهجرة النبوية في منطقة “قناة عيد محمد” في قرية “كوهر كوه” من توابع مدينة “خاش” (من المدن المركزية والهامة في بلوشستان).
سمّاه والده الكريم بـ”نعمة الله”. أما والدته توفيت وهو ابن خمس سنين. لما حضر والدته الموت، طلبت أولادها ووضعت يدها على قفا ولدها “نعمة الله” ثم قالت له: “إذهب يا بني؛ جعلك الله عالما”. وقد تقبل الله تعالى دعاء الوالدة وجعل ابنها من أكبر العلماء، وصار مفسرا لكتاب الله في مدينة “زاهدان”.

طلبه للعلم:
بعد أن أنهى رحمه الله ست سنوات في المدرسة الحكومية، جاء إلى زاهدان لدراسة العلوم الشرعية، وبدأ يدرس العلوم الإبتدائية على الشيخ العلامة “عبد العزيز” رحمه الله، عالم بلوشستان، والشيخ “يارمحمد رخشاني” حفظه الله تعالى.
أثناء هذه المدة التي كان عند الشيخ “عبد العزيز” رحمه الله، قال له الشيخ ذات يوم من الأيام: “إن كنت تريد أن تكون طالبا حقيقيا فعليك أن تجعل ظاهرك مثل ظاهر طلبة العلوم الشرعية”. يقول الشيخ توحيدي رحمه الله: “لما سمعت هذه الجملة من الشيخ، قمت بإعداد عمامة وكذلك ثياب بيض”. ثم استمر رحمه الله في دراسته وهاجر إلى باكستان لطلب العلوم الشرعية سنة 1391 من الهجرة، وتلمذ هناك لمدة ثلاث سنوات في “المدرسة العثمانية” في مدينة “رحيم يارخان” على العلامة “محمد يوسف”، ثم عاد إلى كراتشي ودرس سنة كاملة في “الجامعة الفاروقية” على رئيسها وشيخ الحديث فيها، الشيخ “سليم الله خان”. ثم رجع مرة أخرى إلى “رحيم يارخان” والتحق بمدرسة “بدر العلوم” حيث ارتوى هناك من المنهل العذب والعين الصافية للعلوم الشرعية عند رأس المفسرين في باكستان الشيخ “عبد الغني الجاجروي”، رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه.
بعد هذه الرحلة الطويلة والإقامة الطويلة في باكستان، عاد الشيخ “نعمة الله” رحمه الله سنة 1399 من الهجرة إلى بلاده. واشتغل لمدة سنة كاملة في منطقة بالقرب من قرية “قلعه بيد” بالنشاط الديني والتعليمي، ثم جاء إلى “زاهدان” وواصل مهمة تدريس العلوم الشرعية في مدرسة “قاسم العلوم جام جم”. وبعد ما قضى سنة في مدرسة “قاسم العلوم”، انتقل إلى “جامعة دارالعلوم زاهدان” ليواصل التدريس فيها تلبية لدعوة فضيلة الشيخ “عبد الحميد” حفظه الله، رئيس الجامعة.

خصائصه رحمه الله:
1-الإعتقاد الراسخ والإيمان القوي:
من أبرز ما يوصف به العالم المفسر وما وصفه معاصروه وتلامذته، أنه كان يملك إيمانا قويا بالله واعتقادا راسخا بما وعد الله تعالى، وكان راسخا في العقيدة، مؤمنا قويا ثابتا. وكان يتلو دائما هذه الآية “قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ”.
كان رحمه الله لا يخاف في الله لومة لائم؛ ولو هدّد بالسجن كان يرى أن السجن مسئولية جديدة لتبليغ رسالته الإلهية إلى السجناء. ولو كان يهدّد بالقتل كان يعتبر ذلك شهادة ويفتخر بأن يقتل وهو في مهمة عظيمة كالدعوة إلى التوحيد. وكان يقول متواضعا: “هل أكون جديرا ولائقا بالشهادة في سبيل الخدمة لدينه؟”، ولكن لم يكن يرضى بالسكوت تجاه الخرافات والبدع والشركيات، وكان لا يجلس عن المكافحة ضدها، وكان مصداقا لهذا الحديث النبوي الشريف “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”.

2- العطش الشديد لطلب العلم:
كان الشيخ رحمه الله طالبا بالمعنى الكامل له، وكان حريصا على تعلم المزيد من العلم والمعرفة. يحكي قصته عند ما كان طالبا في باكستان فيقول: “عندما كنا ندرس في باكستان، نزلت أمطار كثيرة وغريزة وجرت سيول جارفة هدمت البيوت وهدمت أيضا مدارسنا، وكنا قلقين وكنا نبكي وندعوا الله أن تعمر مدارسنا لنواصل الدراسة، وكان دعائنا دائما أن لا يرجعنا الله إلى بلادنا إلا وقد أخذنا حظنا من العلم”. وكان يقول أستاذه: كان “نعمة الله” أخر الطلبة نوما في الليل وأولهم قياما ونهوضا في الصباح.

3- البساطة في العيش:
كان الشيخ المفسر الذي تربّى على تعاليم القرآن الكريم، من أبسط الناس في عيشه، وأقلهم تكلفا في حياته، ومن التقى به أدرك أن الدنيا أدنى عنده من جناح البعوضة. وكان رحمه الله تعالى يقول دائما: “لماذا تجمعون هذا القدر من المال؟ هل تظنون أنكم باقون إلى الأبد هنا؟ لا تضيّعوا أوقاتكم الثمينة في جمع أموال الدنيا، وأصلحوا آخرتكم ووفّروا لها، وابنوا فيها لنفسكم بيتا جميلا، لأن ذلك البيت خالد”. وكان رحمه الله يعيش عيش السلف السابقين والزهاد، وينصح أولاده أيضا بالعيش البسيط الخالي من زينة الدنيا وزخارفها، وأن لا يكونوا طلاب المال والدنيا.

4- الشدة على الشرك والخرافات والبدع وأهلها:
لاشك أن الشرك والخرافات والبدع ظلمات بعضها فوق بعض، يجب على كل مسلم أن يقوم بواجبه تجاه انتشار العقائد الشركية وكذلك التقاليد الخرافية والعادات المبتدعة في المجتمع. وقد أدرك الشيخ رحمه الله هذه الحقيقة في ظل دراسته وتعمقه للقرآن الكريم وتعاليمه وما أوتي من الحكمة والفهم الثاقب، حيث لم يجد فرصة أو مكانا إلا وسابق إلى بيان وطرح هذه الرسالة الخالدة للقرآن الكريم.
كان الشيخ “نعمة الله” رحمه الله  رحيما رفيقا بالأهل والأولاد، وكذلك بالنسبة إلى تلامذته وأولاده ومرافقيه، ولكنه كان شديدا لللغاية ضد الأعمال المنافية للعقيدة الإسلامية الصحيحة.

الرحيل إلى الآخرة:

لقد عزم الشيخ رحمه الله تعالى مع بعض العلماء السفر إلى مدينة “جاسك” في محافظة “هرمزكان” (جنوبي إيران) للمشاركة في جلسة دينية وإلقاء الخطبة فيها، ولكن أثناء الطريق اصطدمت سيارتهم بحافلة، وتبدّلت هذه الرحلة الدعوية، رحلة إلى الدار الآخرة والالتحاق بالرفيق الأعلى، في الإثنين 12ربيع الأول 1427 من الهجرة النبوية، في الساعة الثامنة صباحا بالتوقيت المحلي. إنا لله وإنا إليه راجعون.
لقد تألّم أهل السنة في إيران وخاصة أهل مدينة “زاهدان” بهذه الحادثة المؤلمة، وكان قدرا مقدورا.
وأقيمت صلاة الجنازة يوم الثلاثاء 13 ربيع الأول 1427 من الهجرة النبوية في الساعة التاسعة، حضر الصلاة وكذلك تشييع الجثمان أكثر من مائة ألف شخص، وصلّى بالناس الشيخ “محمد يوسف حسين بور” حفظه الله، ثم دفن رحمه الله في مقبرة “ميرجاوه” بجوار العالم المفتي “خدا نظر” رحمه الله تعالى.
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات