اليوم : 19 سبتمبر , 2011

الإمام يحيى بن وثاب (… ــ 103هـ … ــ 721 م)

الإمام يحيى بن وثاب (… ــ 103هـ … ــ 721 م)

الإمام , القدوة , النابغة , الفقيه , الورع , شيخ القراء وعالم العراق .
اسمه ونسبه :
يحيى بن بَزدَوَيه بن ماهَويه الفارسي. مِن أهل كاشان .
و ولاءه لبني كاهل من بني أسد بن خزيمة.
قال أَبو نُعَيم الحافظ : اسم أَبيه ” وَثَّاب “: بَزدَوَيه بن ماهَوَيه، سَباهُ (أسره) مُجاشِع بن مسعود السُّلَمِيُّ مِن قاشان، إِذ افتَتَحها، وكان وثَّاب مِن أَبناءِ أَشرافِها، ثمّ وقَعَ في سَهم ابن عبَّاس، فسَمَّاهُ وَثَّاباً.
وتزَوَّج، فوُلِدَ له يَحيَى، ثمّ استَأْذن ابنَ عباس في الرُّجوع إِلى قاشان، فأَذِن له، فدَخَل هو وابنُه يحيَى الكوفة.
فقال يحيى: يا أَبت، إِنّي آثرتُ العِلم علَى المال.
فأَذِن له في المقام، فَأَقْبل علَى القُرآن، وتلا علَى أَصحاب عليٍّ، وابن مسعود، حتَّى صار أَقرَأَ أَهل زمانِه.
فأَورَثَ وَثَّابٌ عَقِبَهُ، فحَازُوا رئَاسة الدَارَين، لأَنّ يَحيَى فاق نُظَراءه في القرآن والآثار، وفاق خالد بن وَثَّاب، ووَلَدَاه أَزهرُ ومَخْلَدٌ في رِئاسَة الدُّنيا والولايات، واتَّصَلَت رئاسة عقِبِهِ إلَى أَيَّامِنا باَصبَهان، ولهم الصِّيتُ والذِّكر في الثّروة، والتِنايَة[1], والحَظِّ الجسيم مِن الجلالة والنَّباهة .

أصله :
أصله من قاسان . أو قاشان (بالشين) , وكلاهما ورد في كتب البلدان.
فُتح قاشان سنة 23 الهجرية . في زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
قال أبو نعيم الأصبهاني:
روي عن أبي عمرو بن العلاء، عن نهشل الأيادي، عن أبيه، قال: خرجتُ مع أبي موسى الأشعري إلى أصبهان بعد فراغنا من فتح تستر، فنزلنا بالقرب من مدينتها الأولى التي تسمى “جي”، على مقدمتنا يزيد بن عبدالله الهذلي، وعلى ساقتنا عبيد الله بن جندل بن أصرم الهلالي، فبث أبو موسى سراياه في الرساتيق والأطراف، سرية عليها مجاشع بن مسعود إلى قاسان ففتحها وسبى أهلها، وكان فيمن سبى يزدويه بن ماهويه فتى من أبناء أشرافها فصار إلى عبدالله بن عباس فسماه وثابا، وهو والد يحيى بن وثاب إمام أهل الكوفة في القرآن [2].

قاشان :
من مدن الجبال في إيران، تقع جنوبي مدينة قم، اشتهرت في ديار الشرق بقرميدها الذي يقال له (القاشاني)، وأصبحت تطلق هذه التسمية على القرميد الأزرق والأخضر، المتخذ في تزويق المساجد حتى يومنا هذا.
قال ياقوت الحموي :
قَاشَانُ: بالشين المعجمة وآخره نون مدينة قرب أصبهان تذكر مع قمّ ومنها تجلب الغضائرُ القاشانيُّ . والعامة تقول القاشيُّ وأهلها كلهم شيعة إماميّة. قرأتُ في كتاب ألفه أبو العباس أحمد بن علي بن بابة القاشي وكان رجلاً أديباً قدم مرو وأقام بها إلى أن مات بعد الخمسمائة ذكر في كتاب ألفه في فرق الشيعة … فقال: ومن عجائب ما يذكر ما شاهدته في بلادنا قوم من العَلَوية من أصحاب التنايات يعتقدون هذا المذهب فينتظرون صباحَ كل يوم طلوع القائم عليهم ولا يَرضون بالانتظار حتّى إنّ جُلْهم يركبون متوشحين بالسيوف شاكّين في السلاح فيبرُزرن من قُراهم مستقبلين لإمامهم ويرجعون متأسفين لما يفوتهم قال:هذا وأشباهه منامات مَن فسد دماغُه واحترقت أخلاطُه لا يكاد يسكن إليه عاقلٌ ولا يطمئن إليه حازم، وبقاشان عقارب سود كبار منكرة .
وينسب إليها طائفة من أهل العلم. منهم:
أبو محمد جعفر بن محمد . القاشاني الرازي يروي عنه أبو سهل هارون بن أحمد – الاسترابادي وكتب عنه جماعة من أهل أصبهان[3].
وداود بن علي بن خلف أبو سليمان الفقيه الأصبهاني:
أصله من قاشان سكن بغداد صنف كتباً كثيرة ولد سنة إحدى ومائتين ومات سنة سبعين ومائتين سمع من إسحاق الحنظلي وابني أبي شيبة وابن نمير وغيرهم [4].
وقال القزويني :
قاشان : مدينة بين قم وأصفهان. أهلها شيعة إمامية غالية جداً.
ونقل عن أحمد بن علي ابن بابه القاشاني قال:
من العجب أن في بلادنا قوماً، وأنا شاهدتهم على هذا المذهب، ينتظرون صباح كل يوم طلوع القائم عليهم، ولا يقنعون بالانتظار بل يركبون خيلهم متوشحين بالسيوف شاكين السلاح، ويخرجون من مساكنهم إلى خارج البلد مستقبلين للإمام، كأنهم قد أتاهم بريد أخبرهم بوروده، فإذا طلع النهار عادوا متأسفين وقالوا: اليوم أيضاً ما جاء !
ومنها الآلات الخزفية المدهونة، ولهم في ذلك يد باسطة ليس في شيء من البلاد مثلهم. تحمل الآلات والظروف من قاشان إلى سائر البلاد.
بها مشمش طيب جداً يتخذ منه المطوي المجفف، ويحمل للهدايا إلى سائر البلاد، ليس في شيء من البلاد إلا بها.
وبها من العقارب السود الكبار المنكرة ما ليس في غيرها [5].

أساتذته :
روى عن: عبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر بن الخطاب، والأسود بن يزيد النخعي، وزر بن حبيش الأسدي، وعلقمة بن قيس النخعي، ومسروق بن الأجدع ، وأبي عبد الرحمان السلمي ..
وروى مرسلا عن عبدالله بن مسعود, وعائشة أم المؤمنين، وأبي هريرة. رضي الله عنهم .

تلاميذه :
روى عنه: أبو إسحاق السبيعي وأبو إسحاق الشيباني , وأبو إسحاق الهمداني، وحبيب بن أبي ثابت، وحصين بن عبد الرحمان، وسلمة بن كهيل،  وشمر بن عطية الأسدي، وطلحة بن مصرف، وعاصم بن أبي النّجود، وعامر الشعبي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو حصين الأسدي ، وأبو فروة الهمداني , وسليمان الأعمش , وهو من أكبر تلامذته , وأفقههم .
قال طلحة بن مصرف: كنّا عند يحيى بن وثاب نقرأ عليه والأعمش ساكت ما يقرأ، فلما مات يحيى بن وثاب فتشنا أصحابنا فإذا الأعمش أقرأنا.
روى له الجماعة (البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة) سوى أبي داود.

ثناء العلماء عليه :

قال الإمام الذهبي : الإمام، القُدوَة، المُقرِئ، الفقيه، شيخ القُرّاء … أَحد الأَئمّة الأَعلام.
وذكره في كتابه(من له رواية في الكتب الستة) فقال : ثقة , خاشع , متأله , مقرئ .
وقال الأعمش: كان يحيى بن وثاب أحسن الناس قراءة، وربّما اشتهيتُ تقبيل رأسه لحُسن قراءته، وكان إذا قرأ لا يُسمَع في المسجد حركة. وكأن ليس في المسجد أحد.
وقال أيضا : كنتُ إذا رأيت يحيى بن وثاب قد جاء قلتُ هذا قد وقف للحساب. يقول: أي رب اذنبتُ كذا. اذنبت كذا. فعفوتَ عنّي , فلا أعود .
فأقول: هذا كل يوم يوقف للحساب .
ونقل وكيع عن الأعمش: كان يحيى بن وثاب إذا كان في الصلاة كأنّه يخاطب رجلا.
قال ابن جرير: كان مقرئ أهل الكوفة في زمانه .
وقال ابن خاقان: وكان من قرّاء أهل الكوفة: يحيى بن وثاب , وعاصم , والأعمش . وكان هؤلاء من بني أسد موالي. وكان أقدم الثلاثة وأعلاهم يحيى بن وثاب .

توثيقه :
واتفقوا على توثيقه. روى له البخارى ومسلم.
وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث صاحب قرآن .
وقال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة.
وذكره ابن حبان في الثقات .
وقال العجلي : تابعي , ثقة , مقرئ أهل الكوفة .

من صفاته :
كان رحمه الله نبيلا , عزيز النفس , كريم الطبع , يؤثر مرضاة ربّه على متاع الغرور.
له خبر طريف مع الحجاج: كان يحيى يؤم قومه في الصلاة، وأمر الحجاج أن لا يؤم بالكوفة إلا عربي !
فقيل له: اعتزل، فبلغ الحجاج، فقال: ليس عن مثل هذا نهيتُ، فصلى بهم الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء فلما سلم، قال: اطلبوا إماما غيري إنّما أردتُ أن لا تستبدلوني[6] فإذا صار الأمر إلي فلا أؤمكم!
قال الأعمش: رأيتُ يحيى بن وثاب يصلي في مستقة  [7].
وقال الأعمش كان يحيى إذا قضى الصلاة مكث ما شاء الله تعرف فيه كآبة الصلاة وقال كان يحيى بن وثاب من أحسن الناس قراءة وكان إذا قرأ لم يحس في المسجد حركة كأن ليس في المسجد أحد وقال كنت إذا رأيته قلت هذا قد وقف للحساب .
وعن يحيى بن آدم قال سمعت حسن ابن صالح يقول: قرأ يحيى على علقمة وقرأ علقمة على ابن مسعود فأي قراءة أفضل من هذه .
عن عاصم قال: تعلم يحيى بن وثاب من عبيد بن نضيلة آية آية فكان والله قارئا.

منهجه في القراءة:
قال الأعمش : كان يحيى بن وثاب لا يقرأ ” بسم الله الرحمن الرحيم ” لا في عرض ولا في غيره .
وكان يقرأ قوله تعالى : ” قُلْ إِنْ ضَلِلْتُ فَإِنَّما إضَلُّ على نَفْسِي “.
” إِضَلُّ ” بكسرِ الهمزةِ وفتحِ الضّادِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.
قال ابن سِيدَه : وكان يحيى بن وثَّاب يقرأُ كلَّ شيءٍ في القرآن : ضَلِلْت وضَلِلْنا بِكسر اللاَّم .
قوله تعالى : “عَبَدَ الطاغوت”.
قرأ يَحْيَى بنِ وَثَّابٍ وحَمزة: ” عُبُد الطاغوت ” .
قال الزَّجّاجُ : هو جَمْع عَبِيدٍ كَرَغيفٍ ورُغُفٍ.
” فَجَعَلَهُمْ جُذَاذً إلاَّ كَبِيراً لَهُمْ ” .
قرأها الناس: جُذَاذاً، وقرأها يحيى بن وثاب: جِذَاذاً فمن قرأ: جُذاذاً، فهو مثل الحُطام والرُّفات، ومن قرأ: جِذاذاً فهو جمع جَذِيذٍ، مثل خفيف وخفاف.
وقرأَ يحيَى بن وَثَّاب وإِبراهيم النَّخعِيُّ : ” وإن خِفْتُم أَنْ لا تقْسُطوا ” بضمِّ السِّينِ .
قوله تعالى : ” فجعلناهم سَلَفا “.
قرأ يحيى : ( فَجَعَلْنَاهُمْ سُلُفاً ) بضمّ اللام .
وقرأ يَحيى بن وَثَّاب : ” وَلَا تِركَنوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ” بكسر التاء . ومثله : ” مَالَكَ لَا تِئْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ ” . وكذلك : ” فَتِمَسَّكُمُ النَّارُ “
قوله تعالى : ” لا تَسفِكون دماءكم ” .
ونقَلَ ابنُ القَطّاعِ عن يَحَيى بنِ وَثّابٍ ” لا تَسفُكُونَ دِماءَكُم ” بضمِّ الفاء.
وقرأ يحيى: ” المُثْلات ” . وقراءةُ الناس : ” المَثُلات “.
وقرأ يحيى بن وثاب والاعمش: ” لا يُجرمنّكم ” بضم الياء. وقراءة الحفص : (ولا يَجرمنّكم) بفتح الياء .
وقَرَأ يحيى بن وثّاب والأعمش: (مِن بَقْلِها وقُثّائها ) بضم القاف.

وفاته :
وتوفي يحيى بن وثاب بالكوفة في سنة ثلاث ومائة في خلافة يزيد بن عبد الملك.
رحمه الله تعالى .

الكاتب: الشيخ أبو محمد البلوشي
***********************
المراجع :

آثار البلاد وأخبار العباد – زكريا بن محمد بن محمود القزويني
تعريف بالأماكن الواردة  في البداية  والنهاية  لابن كثير
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم  –  المقدسي البشاري
النهاية في غريب الأثر – المبارك بن محمد الجزري
غاية النهاية في طبقات القراء –  ابن الجزري
من  له رواية  في  الكتب الستة  –  الذهبي
تاريخ أصبهان  –  أبو نعيم الإصفهاني
تاج العروس  –  محمد  الزبيدي

[1] التِّناية : الفِلاحة والزراعة. لسان العرب – (ج 14 / ص 105)
[2] تاريخ أصبهان – (ج 1 / ص 18)
[3] معجم البلدان – (ج 3 / ص 357)
[4] تاريخ أصبهان – (ج 1 / ص 363)
[5] قال المقدسي البشاري: وبها عقارب عجيبة. سمعتُ أن أبا موسى الأشعري لما عجز عن فتحها حمل إليها من عقارب نصيبين في الجرار ثم رماها إلى داخل الحصن فأشغلتهم وآذتهم فسلموا البلد.
[6] وفي رواية : إنّما أردتُ أن لا تستذلوني .
[7] مُستقة : هي الجُبّةُ الواسِعَة , فَرْوٌ طَوِيلُ الكُمَّين .
فارسيٌّ مُعَرَّبٌ . وأصلُه بالفارسية مُشْتَه وقد رُوِي عن عُمَر رضي الله عنه : أنه صَلّى بالناسِ ويَداهُ في مُسْتُقَة . والجَمعُ المَساتِقُ. تاج العروس – (ج 1 / ص 6584)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات