اليوم : 19 يونيو , 2011

حظر الحجاب في آسيا الوسطى.. أداة جديدة لقمع الإسلاميين

حظر الحجاب في آسيا الوسطى.. أداة جديدة لقمع الإسلاميين

من حين لآخر يخرج قانون جديد في إحدى جمهوريات آسيا الوسطى يتضمن تضييقًا على ممارسة الشعائر الإسلامية والتحلي بها، ومن آخر هذه القوانين ما نشرته الصحف أن جمهورية طاجيكستان حظرت ارتداء الحجاب على طلاب المدارس والجامعات، ولم يكتفوا بذلك، بل أصدروا قرارات فصل للطالبات اللائي رفضن خلع هذا الحجاب، وتم بالفعل منعهن من الامتحانات.


طاجيكستان.. الكيل بمكيالين:
مؤخرًا أعلنت طاجيكستان، وهي جمهورية صغيرة وفقيرة أيضًا، حظرها للحجاب في المدارس والجامعات، بحجة أن ذلك يخالف القوانين المنظمة للجامعات والمدارس، ووصف وزير التعليم هناك الفتيات اللاتي يرتدين الحجاب بأنهن “أتباع الحركات الإسلامية التي تسعى للترويج لأجندتها في المؤسسات التعليمية”.
وقال: إن “غطاء الرأس هذا يمثل أيديولوجية دينية، ويتعارض مع قانون التعليم”، وهدد بأن “الطالبات اللاتي سيمتنعن عن تطبيق القواعد الجديدة سيواجهن الفصل من المدرسة”.
وبرر الوزير القرار بأن الحجاب “انتشر في الآونة الأخيرة بصورة كبيرة، بعد أن كان ارتداؤه يقتصر على حالات محدودة ومنعزلة حتى وقت قريب، وهو ما يساهم في نشر الأيديولوجية الدينية”.
والمتابع للوضع في طاجيكستان يجد أن سياستها تجاه قضايا الحرية بوجه عام تتسم بنظرية “الكيل بمكيالين”، حيث إن دستورها ينص على أن حقوق وحريات الأفراد مقدسة، وأن الحكومة مكلفة بحماية هذه الحقوق، وكذلك حرية الفكر والتعبير، ورغم كل هذا إلا أن قررات الحكومة تضرب بكل هذه القوانين عرض الحائط، وتنتهك أبسط هذه الحقوق والحريات، وهي حرية ارتداء كل شخص ما يريد أو اعتناقه أي فكر ما دام لا يضر المصلحة العامة.

مداهمة المدارس والمساجد:

وليس الحجاب فقط هو المستهدف في منطقة آسيا الوسطى، لكن – كما أسلفت القول- الحكومات هناك تستهدف كل ما هو إسلامي من دروس علم، أو مدارس إسلامية، أو كتاتيب، أو حتى المساجد، فمن السهل جدًا هناك أن تجد مسجدًا كبيرًا مغلقًا وقت الصلاة، وعندما تسأل عن سر ذلك تجد الإجابة أنه صدر قرار من الحكومة بإغلاقه لمخالفته الدستور.
ومنذ فترة قريبة قامت السلطات الطاجيكية بإغلاق العديد من المراكز الدينية الأهلية، وجاءت هذه الخطوة عقب إجراءات صارمة، مثل حظر ارتداء الحجاب في المدارس، وإغلاق العشرات من المساجد.
وتبرر السلطات هذه الإجراءات المتشددة بقولها: إنها تسعى لمنع انتشار ما تسميه التطرف الإسلامي في البلاد.
واستهدفت السلطات في حملتها عددًا من المدارس الداخلية، ويقصد بها هنا أماكن تعليم الأطفال اللغة العربية، وأماكن تحفيظ القرآن، وتتخذ أحد المنازل مكانًا لها خوفًا من بطش هذه الحكومات، وشنت فرق وزارة الداخلية مداهمات على عدة أماكن في العاصمة دوشنبه، يتعلم فيها الأطفال اللغة العربية وتعاليم الدين الإسلامي.
وقامت قوات الشرطة باستجواب العديد من الأطفال في هذه الأماكن قبل أن تفرج عنهم بعد بضع ساعات، حيث لم يسمح آباء هؤلاء الأطفال للشرطة باقتياد صغارهم معهم.

تبريرات غير منطقية:
وفي خطوة لتبرير مثل هذه الأعمال، قال شمس الله محمدوف، رئيس دائرة الشؤون الداخلية في مقاطعة “سينو” في دوشنبه، والذي كان مكلفًا بشن بعض هذه المداهمات: “خلال عملية البحث الخاصة في شارع راسولوف، وجدنا العديد من الأطفال القاصرين الذين يدرسون التعاليم الدينية” في عدد من المنازل.
وأضاف: “وعندما دخلنا المنزل، كان المكان في حالة يرثى لها، فالأطفال يجلسون في ظروف صعبة وهم جياع، وبدا أن مدرسهم كان يعذب الأطفال”، والحقيقة هذه ادعاءات يصعب تصديقها.

أوزبكستان… مضايقات وعراقيل:
ما يحدث في أوزبكستان ليس أقل مما يحدث داخل جارتها طاجيكستان، وربما يفوقها كثيرًا، فأوزبكستان حظرت الحجاب في جميع المؤسسات، وليس في المدارس والجامعات فقط، وقامت السلطات التعليمية في طشقند بشن حملة على الطالبات اللاتي ترتدين الحجاب هناك.
وقالت مجموعة حقوق الإنسان: إن الطالبات اللواتي يرتدين الحجاب في طشقند يتعرضن لمضايقات من قبل مديري المدارس.
وتقول فيريتاس، عضو فريق الاستجابة السريعة في أوزبكستان: إنها قد رصدت بالوثائق “حالات متعددة” تعرضت فيها الطالبات للإذلال والتخويف أو الطرد؛ لأنهم رفضوا خلع الحجاب، حسبما ذكرت وكالة الانباء في كاليفورنيا.
وقد فرضت مدينة طشقند حظرًا مؤقتًا على الحجاب خلال احتفالها مؤخرًا بالذكرى السنوية للمدينة، وبررت السلطات هذه الخطوة كإجراء مؤقت بزعم الحفاظ على أسباب السلامة العامة.

قرغيزستان.. قلق وخوف:
السيناريو يتكرر بشدة في باقي الجمهوريات، ومنها قرغيزستان، التي تصر على وضع نفسها في مصاف الدول العلمانية رغم الأغلبية المسلمة فيها، وتشعر بالقلق إزاء انتشار الالتزام بالشعائر الدينية هناك، ما يجعلها تقوم بشن حملة نشطة لكبح ما تسميه “التطرف الديني”.
وبالفعل قامت الجمهورية الصغيرة بفرض حظر مثير للجدل للحجاب في مدارس البنات، الأمر الذي دفع إلى الصدام بين العلمانية والدين هناك.
وتعد مدينة “أوش” من أشهر هذه المناطق التي تصطدم فيها العلمانية بالشعائر الإسلامية، وتضم هذه المدينة نحو 57 مدرسة يبلغ إجمالي عدد الدارسين فيها 50856 تلميذًا وتلميذة، وتشير تقديرات رسمية إلى أن 519 تلميذة واصلن ارتداء الحجاب رغم الحظر الذي فرضته الحكومة، وأن ما يقرب من 10 % فقط من التلميذات لا يرتدين غطاء الرأس في المدارس.
ورغم أن الكثير من الجماعات الدولية مثل المجموعة الدولية لمواجهة الأزمات رفضن ما تقوم به الحكومة القرغيزية من فرض قيود على المظاهر التقليدية للإسلام في إطار حملتها على التطرف الديني، إلا أن المسؤولين الحكوميين هناك نفوا مزاعم بأنهم حذروا الطالبات من ارتداء الحجاب في المدارس.
والحقيقة هذا يتعارض مع تصريحات هؤلاء المسؤولين أنفسهم، ومنهم عبد الولي بالتاباييف، مدير إدارة التعليم في “أوش”، والذي ذكر أن المدارس طلبت من التلميذات التوقف عن ارتداء غطاء الرأس الإسلامي تطبيقًا للتشريعات الرسمية للدولة.
وقال: “بموجب القانون يتعين على الجميع (في المدرسة) أن يكون لهم نفس المظهر دون غطاء للرأس”.
وأضاف: “لكن عندما تأتي تلميذة إلى المدرسة بغطاء للرأس لا نطردها، ولا نقول لها شيئًا ضد هذا، نحن نشرح باستمرار وجهة نظرنا، ونتحدث إلى الآباء، نحاول إقناعهم بأدب وبطريقة سليمة بأننا نعيش في دولة علمانية، وبأن التشريعات علمانية أيضًا، ولهذا السبب يجب أن يمتثلوا (للقواعد) أيضًا”.
وتقول وزارة التعليم أيضًا: إنها اتخذت هذا القرار بناء على محاربة الإرهاب والتعصب الديني، وذكرت وكالة AKI القيرغيزية أنه تم توجيه المدارس بمراقبة الطلاب الذين لديهم انتماءات، أو متأثرون بأفكار إرهابية، وملاحظة الطلاب الذين يتغيبون عن الدراسة يوم الجمعة.

كازاخستان.. العدوى تنتشر:
السياسة المتبعة للتعامل مع الإسلاميين تكاد تكون واحدة، ولا تختلف إلا في الوسائل التي تنفذ بها هذه السياسة، وهناك شيء ملحوظ على سياسة هذه الدول، وهو أن خطواتها متتابعة، بمعنى عندما تسن إحداهن قرارًا، فسرعان ما تلاحقها الأخرى بمثل هذا القرار أو ما يماثله، ما يمكن الاصطلاح على تسميته بـ”انتشار العدوى”.
ولم تكن كازاخستان- وهي أكبر جمهوريات المنطقة مساحة- بعيدة عن مثل هذه القرارات، فقد قررت حكومتها حظر ارتداء الحجاب الإسلامي بين الطالبات والمعلمات في المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم الحكومية.
وقال وزير التربية والتعليم في “كازاخستان” “شان سيد توييمباييف”: إنه سيمنع ارتداء الحجاب في المدارس؛ فنحن بلد ديمقراطي وعلماني.
وأضاف: إن لبس الحجاب يدل على أن الفرد ينتمي إلى عقيدة معينة، وهذا يتعارض مع أهداف المرحلة الثانوية؛ لذا فارتداء الملابس التي توضح الانتماء الديني ممنوع للطلاب والطالبات، وعليهم جميعًا لبس زي موحد.
والحقيقة أن هذا التصريح يمثل صدمة كبيرة، حيث إنه يرأس وزارة المفترض أنها تدافع عن التربية، وتعلم الطلاب الحرية والديمقراطية والحفاظ على الهوية، لكن يبدو أن رصيد العلمانية كبير في هذه البلاد لتصبح هذه هي لغة تصريحات مسؤوليها.
وكانت بعض المصادر تناقلت خبرًا مفاده: أن إحدى المدارس في جنوب كازاخستان قامت بمنع مُعَلّمة من مزاولة مهنة التدريس فيها؛ بسبب ارتداء الحجاب، ونسبت ذلك لتوجيهات حكومية من وزارة التربية والتعليم”.
ونقلت المصادر عن المعلمة الموقوفة عايدة ديكبيفا، وهي معلمة الجغرافيا في ثانوية بمدينة “تالديكورجان” جنوب شرقي كازاخستان قولها: “إنها رفعت الأمر إلى مكتب المدعي العام للسماح لها بارتداء الحجاب أثناء التدريس”.
وأضافت ديكبيفا, حسب إذاعة “راديو ليبرتي” الكازاخستانية، أن مديرة المدرسة أمرتها بخلع الحجاب في أثناء التدريس, بدعوى أن المَدرسة اعتمدتْ حظر ارتداء الحجاب للطالبات والمعلمات على حدٍّ سواء.
ولم يكن الحجاب فقط هو الشعيرة الوحيدة التي حظرتها الحكومة الكازاخية، فقد أصدرت إحدى محاكم البلاد حكمًا بمنع جلب وترويج مئات الـ”مواد الإعلامية”، بينها سور من القرآن الكريم، بحجة ترويجها لـ”الفكر المتطرف”.
ونص الحكم على “حظر جلب وترويج 207 مواد إعلامية بينها كتب ومنشورات وعدد من سور القرآن الكريم؛ لأنها تدعو إلى التطرف” على حد ادعاء القرار.
ورغم أن السلطات هناك أعربت عن عدم معرفتها بوجود سور للقرآن الكريم داخل هذه المواد الإعلامية، إلا أنها قامت في الفترة الأخيرة بعدة حملات على الأسواق، قامت خلالها بسحب شرائط للقرآن الكريم الموجودة هناك.
قرار حظر الحجاب بحجة منع انتشار التطرف الإسلامي ما هو إلا أداة جديدة لقمع انتشار الإسلاميين، ومحاولة عرقلة خططهم الإصلاحية، لكن رغم كل هذه العراقيل نجد سكان هذه المنطقة ذات البعد التاريخي والحضاري الكبيرين ما زالت ثابتة على عقيدتها، ومحافظة على هويتها، لكن يثبتها أكثر، ويعزز من موقفها وقوف المنظمات الدولية والحقوقية بجانب قضاياها، ومحاولة كشف ما يتعرضون له من ضغوط، وأن هذا ضد مبدأ الحريات الذي تدعو له حتى العلمانية التي يتشدقون بها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

علاء فاروق

رئيس وحدة دراسات آسيا الوسطى بمركز القاهرة للدراسات التركية

 


تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات