اليوم : 5 أبريل , 2011

إبراهيم بن أدهم؛ شيخ الزهاد (1)

إبراهيم بن أدهم؛ شيخ الزهاد (1)

ebrahim_adhamالإمام , الفاضل , العالم , العابد , الزاهد , المجاهد , الأديب , الرحالة , أحد الأعلام.
اسمه ونسبه: إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر, أبو إسحاق العجلي, الخراساني, البلخي , الزاهد المشهور …

أخباره كثيرة , وفيها اضطراب واختلاف في نسبته ومسكنه ومتوفاه.
قال ابن خلكان: أصله من بلخ وكان من أولاد الملوك … واشتغل بالزهد عن الرواية .
قال البُخاري: قال لي قُتَيبَة: إِبراهيم بن أَدهَم تَمِيمِيٌّ.
وقال ابن مَعِين: هو مِن بني عِجل.
و قال ابن حبان : كان من بكر بن وائل .
وقال الرازي: يُعَدّ في الخراسانيين.
قال قتيبة بن رجاء: إبراهيم بن أدهم بلخي.

بلخ:
مدينة مشهورة بخراسان, ومن أجلّ مدنها , خضعت بعد موت الأسكندر الكبير للحكم السلجوقي زمنا, ثمّ خرجت عليه وانضمت إلى فارس, وكانت مركزا للثقافة اليونانية وسوقا نشطا للتجارة ..
تقع على الشاطئ الجنوبي لنهر “جيحون”. وهي اليوم من بلاد الأفغان.
وينسب إليها كثير من العلماء, منهم:
الحافظ أبو بكر عبدالله بن جياش البلخي. والحسن بن شجاع أبو علي البلخي المحدث.
وأبوإسحاق إبراهيم بن يوسف الباهلي البلخي. وجلال الدين الرومي الزاهد وغيرهم.
قال ياقوت في معجم البلدان(ج 1/ ص 347):
بلخُ: مدينة مشهورة بخراسان … وبلخ من أجلّ مُدُن خراسان, وأذكرها وأكثرها خيراً , وأوسعها غلّة, تحمل غلّتها إلى جميع خراسان , وإلى خوارزم.
قيل: إنّ أوّل مَن بناها ” لهرَاسف ” الملك لما خرب صاحبه “بخت نصر” بيت المقدس.
وقيل: بل الاسكندر بناها. وكانت تُسمَّى الإسكندرية قديماً ..

فتح بلخ:
إفتتحها الأحنف بن قيس مِن قِبَل عبد الله بن عامر بن كريزِ في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه.
قال عبيد الله بن عبد الله الحافظ:
أقول وقد فارقتُ بغداد مكرهاً …  سلام على أهل القطيعة والكَرخ
هَوَايَ وَرَائي والمسيرُ خلافهُ …  فَقلبي إلى كرخ ووجهي إلى بلخ

مولده:
قال الإمام الذهبي : مولده: في حدود المائَة.
كان والده من أغنى أغنياء خراسان وأحد ملوكها، ولد (إبراهيم) بمكة حينما خرج أبوه وأمه إلى الحج عام 100 هـ أو قريبًا منها، فجعلت أمه تطوف به على الخلق في المسجد تقول: أدعوا لابني أن يجعله الله تعالى عبداً صالحاً.

نشأته:
فتح إبراهيم بن أدهم عينيه على الحياة؛ ليجد الثراء يحيط به من كل جانب؛ فعاش حياة الترف والنعيم، يأكل ما يشاء من أطيب الطعام، ويركب أحسن الجياد، ويلبس أفخم الثياب.
وفي يوم من الأيام خرج إبراهيم بن أدهم راكبًا فرسه، وكلبه معه، وأخذ يبحث عن فريسة يصطادها، وكان إبراهيم يحبّ الصيد، وبينما هو كذلك إذ سمع نداء من خلفه يقول له: (يا إبراهيم ليس لذا خُلِقتَ، ولا بذا أمِرتَ) فوقف ينظر يمينه وشماله، ويبحث عن مصدر هذا الصوت فلم ير أحدًا، فأوقف فرسه ثمّ قال: والله لا عصيتُ الله بعد يومي هذا ما عصمني ربّي.
ورجع إبراهيم بن أدهم إلى أهله، فترك حياة الترف والنعيم, و رحل إلى بلاد الله الواسعة ليطلب العلم، وليعيش حياة الزهد والورع والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ولم يكن إبراهيم متواكلاً يتفرغ للعبادة والزهد فقط ويعيش عالة على غيره، بل كان يأكل من عمل يده، ويعمل أجيرًا عند أصحاب المزارع، يحصد لهم الزروع، ويقطف لهم الثمار, ويطحن الغلال، ويحمل الأحمال على كتفيه، ويذهب للجهاد في سبيل الله… وكان نشيطًا في عمله، يُحكى عنه أنّه حصد في يوم من الأيام ما يحصده عشرة رجال، وفي أثناء حصاده كان ينشد قائلا:
اتَّخِذِ اللَّه صاحبًا… ودَعِ النَّاسَ جانبا.
قال يونس بن سليمان البلخي : كان إبراهيم بن أَدهَم مِن الأَشراف، وكان أَبوه كثِيرَ المال والخَدَم، والمَراكِب والجنائِب والبُزاة، فبَينا إِبراهيم في الصّيد على فرسه يُركِضُه، إذا هو بصَوت مِن فَوقِه: يا إِبراهيم! ما هذا العَبَث؟ {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وأنكم إلينا لا ترجعون } [المُؤْمِنُوْنَ: 115].
اتَّق الله، عليكَ بالزَّاد لِيوم الفاقة.
فنزل عَن دابَّته، ورفض الدُّنيا. وأخذ في عمل الآخرة.
وفي (رسالة القُشَيريِّ) قال: هو مِن كُورة بَلخٍ، مِن أَبناءِ المُلوك، أَثارَ ثَعلباً أَو أَرنباً، فَهتفَ به هاتفٌ: أَلهذا خُلِقتَ؟ أَم بِهذا أُمِرتَ؟
فَنزَلَ، وصادفَ راعياً لأبيه، فأخذَ عَباءته، وأعطاهُ فَرَسه، وما معه، ودخل البادية، وصَحِب الثَّوريّ، والفُضَيل بن عِياضٍ، ودخل الشَّام، وكان يأْكُل مِن الحَصاد وحفظ البساتين…
قال إبراهيم ابن بشارـ وهو خادم إبراهيم بن أدهم ـ قلتُ لإبراهيم بن أدهم: يا أبا إسحاق كيف كان بدءُ أمركَ حتّى صرتَ إلى ما صرتَ إليه؟
قال : غير ذا أولى بك.
فقلتُ له: هو كما تقول رحمك الله , ولكن أخبرني لعلّ الله أن ينفعنا به يوماً..
قال: كان أبي من أهل بلخ, وكان من ملوك خراسان، وكان من المَياسير, وحُبِّبَ إلينا الصيد , فخرجتُ راكباً فرسي, وكلبي معي, فبينما أنا كذلك فثار أرنب أو ثعلب , فحرَّكتُ فرسي فسمعتُ نِداءً من ورائي:
“ليس لذا خُلقتَ، ولا بذا أمِرتَ”.
فوقفتُ أنظر يَمنَةً ويَسرَةً فلم أرى أحداً.
فقلتُ: لعن الله إبليس.
ثمّ حرَّكتُ فرسي , فأسمَعُ نِداءً أجهرَ مِن ذلك:
“يا إبراهيم! ليس لِذا خُلقتَ، ولا بِذا أمِرتَ”.
فوقفتُ أنظر يمنة ويسرة فلا أرى أحداً.
فقلتُ: لعن اللهُ إبليس.
ثمّ حرّكتُ فرسي,  فأسمَعُ نِداءً مِن قَربُوسِ سَرجي:
“يا إبراهيم ما لذا خُلِقتَ ولا بِذا أمِرتَ”.
فوقفتُ . فقُلتُ: أُنبِهتُ, أُنبِهْتُ, جاءني نذير من رب العالمين، والله لا عصيتُ اللهَ بعد يومي هذا ما عصمني ربي..
فرجعتُ إلى أهلي فخلّيتُ عَن فرسي , ثمّ جئتُ إلى رعاة لأبي فأخذتُ منه جبة وكساء, وألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلتُ إلى العراق… فعملتُ بها أياماً فلم يَصفُ لي منها شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ، عن الحلال فقالوا لي:
“إذا أردتَ الحلال فعليك ببلاد الشام”.
فصرتُ إلى بلاد الشام فصرتُ إلى مدينة يقال لها المنصورة – وهي المصيصة – فعملتُ بها أياماً, فلم يَصْفُ لي شيء من الحلال, فسألتُ بعض المشايخ فقالوا لي:
“إن أردتَ الحلال الصافي فعليك بطرسوس, فإن فيها المباحات والعمل الكثير”.
فتوجّهتُ إلى “طرسوس” فعملتُ بها أياماً , أنظر البساتين , وأحصد الحصاد … فهذا كان أوائل أمري وخروجي من طرسوس إلى بلاد الرمال.

أساتذته:
حدَّث عن: أبيه (أدهم)، ومحمَّد بن زِياد الجُمَحِيّ – صاحبِ أَبي هُريرَة – وأَبي إِسحاق السَّبيعِيّ، ومنصور بن المُعتَمِر، ومالك بن دينار، وأبي جعفر محمَّد بن عليٍّ الباقر، وسليمان الأعمش، وابن عَجلان، ومُقَاتل بن حيَّان.(رحمهم الله).
وروى القراءة عن حمزة بن حبيب (أحد الأئمّة في القراءات).
وقد طلب إبراهيم بن أدهم رحمه الله العلم والحديث , ثمّ استقل بالزهد..

تلاميذه:
حدَّث عنه: رفيقه؛ سُفيان الثَّوريّ، وشَقيق البَلخيّ، وبَقِيَّة بن الوليد، وضَمْرَة بن رَبيعَة، ومحمد بن حِمْيَر، وخَلَف بن تمِيم، ومحمد بن يُوسُف الفِريابيّ، وإبراهيم بن بشّار الخراساني – خادمُه – وسهْل بن هاشم، وعُتبة بن السَّكَن. وعيسى بن خازم…
وحكى عنه: الإمام الأَوزاعيّ، وأَبو إسحاق الفَزاريّ.(رحمهم الله أجمعين).

رحلاته:
ظلَّ إبراهيم يَنتقل من مكان إلى مكان، زاهدًا وعابدًا في حياته، فذهب إلى الشام , وأقام في البصرة وقتًا طويلاً، حتّى اشتهر بالتقوى والعبادة، فتفقّه ورحل إلى بغداد، وجال في العراق والشام والحجاز..
وأخذ عن كثير من علماء الأقطار الثلاثة.
قال شَقِيق بن إبراهيم: قلتُ لإِبراهيم بن أدهم: تركتَ خُراسان؟
قال: ” ما تَهنَّأتُ بالعَيش إلاَّ في الشَّام، أَفِرُّ بدِيني مِن شاهِقٍ إِلى شاهِق، فَمَن رآني يقول: مُوَسْوَسٌ، ومَن رآني يَقول: جَمَّالٌ، يا شقيق! ما نبُلَ عندنا مَن نَبُلَ بالجهاد ولا بالحجِّ، بَل كان بعقل ما يَدخُلُ بَطنَه.
قال خلَف بن تميم: سأَلتُ إبراهيم: مُنذ كم قَدِمتَ الشَّام؟
قال: منذ أَربعٍ وعِشرِين سنة، ما جِئتُ لرباط ولا لجِهاد، جِئتُ لأَشبَع مِن خُبز الحلال.

توثيقه:
قال ابن معين رحمه الله: عابد , ثقة .
وقال ابن نمير والعجلي : ثقة.
وذكره ابن حبان في الثقات, وقال: كان صابرا على الجهد والفقه والورع الدائم والسخاء الوافر..
له ذكر في كتاب “الأدب” للبخاري. و روى له الترمذي حديثاً واحداً في الطهارة تعليقا.

من صفاته:
قال أبو إسحاق الفزاري: كان إبراهيم بن أدهم يطيل السكوت، فإذا تكلّم ربّما انبسط ، فأطال ذات يوم السكوت، فقلتُ له: لو تكلمتَ ؟
فقال: الكلام على أربعة وجوه:
فمِنَ الكلام: كلامٌ ترجو منفعته وتخشى عاقبته، فالفضل في هذا السلامة منه.
ومن الكلام: كلام لا ترجو منفعته ولا تخشى عاقبته، فأقلّ ما لك في تركه خفة المؤونة على بدنك ولسانك.
ومن الكلام: كلام لا ترجو منفعته ولا تأمن عاقبته، فهذا قد كفى العاقل مؤونته.
ومن الكلام : كلام ترجو منفعته وتأمن عاقبته، فهذا الذي يجب عليك نشره.
قال خلف: فقلتُ لابي إسحاق: أراه قد أسقط ثلاثة أرباع الكلام !
قال: نعم.
قال معاصروه : كان إبراهيم بن أدهم يبيع ثيابه وينفقها على أصحابه , وكانت الدنيا أهون عليه من ذاك العود.
وكان يعيش من العمل بالحصاد, وحفظ البساتين, والحمل , والطحن, ويشترك مع الغزاة في قتال الروم.
وكان يلبس في الشتاء فرواً ليس تحته قميص، ولم يكن يلبس خفين ولا عمامة. وفي الصيف شقّتين بأربعة دراهم , يتزر بواحدة ويرتدي بأخرى، ويصوم في السفر والحضر، ولا ينام الليل ، وكان يتفكر، فإذا فرغ من الحصاد أرسل بعض أصحابه فحاسب صاحب الزرع ويجيء بالدراهم , لا يمسها بيده, فيقول لأصحابه: اذهبوا كلوا بها شهواتكم، فإن لم يكن حصاد, أجر نفسه في حفظ البساتين والمزارع.
ومن صفاته رحمه الله أنّه كان منبسطا مع أصحابه.
قال بشر بن المنذر قاضي المصَّيصة: كنتُ رأيتُ إبراهيم بن أدهم كأنّه ليس فيه روح، لو نفحته الريح لوقع، قد اسودّ، متدرّع بعباءة، فإذا خلا بأصحابه فمِن أبسط الناس.
قال خلَف بن تَميم: دخل إبراهيم الجَبَل، واشترَى فَأْساً، فقَطَع حَطَباً، وباعه، واشترى ناطِفاً، وقَدَّمه إِلى أَصحابه، فأَكلوا، فقال يُباسطُهم: ” كأَنَّكم تأْكُلون في رَهْنٍ”.
كان إبراهيم بن أدهم إذا دُعِي إلى طعام وهو صائم , أكلَ ولم يقل إنّي صائم.
وأضاف الأوزاعي إبراهيم بن أدهم, فقصّر إبراهيم في الأكل.
فقال الأوزاعي: مالك قصّرتَ ؟!.
فقال: لأنك قصّرتَ في الطعام.(أي قدّمتَ طعاما قليلاً)
ثم عمل إبراهيم طعاما كثيرا, ودعا الأوزاعي.
فقال الأوزاعي: أما تخاف أن يكون سرفا ؟!
فقال: لا ! إنما السرف ما كان في معصية الله، فأمّا ما أنفقه الرّجل على إخوانه فهو من الدِّين.
وكان إبراهيم بن أدهم رحمه الله أعزبا, ما تزوّج طيلة حياته.
قيل لإبراهيم بن أَدهم: لو تَزوَّجتَ؟
قال: لو أَمكنَني أَن أُطَلّقَ نَفسي، لفَعَلتُ.
و كان زاهدا .
جاءه إلى المصيصة (من أرض كيليكيا) عبدٌ لأبيه, يحمل إليه عشرة آلاف درهم, ويخبره أنّ أباه قد مات في بلخ وخلف له مالاً عظيما، فأعتق العبد, و وهبه الدراهم, ولم يعبأ بمال أبيه.
وكان رحمه الله مستجاب الدعاء.
ذات يوم كان في سفينة مع أصحابه، فهاجت الرّياح، واضطربت السفينة، فبكوا، فقال إبراهيم : يا حي حين لا حي، ويا حي قبل كل حي، ويا حي بعد كل حي، يا حي، يا قيوم، يا محسن يا مُجْمل قد أريتنا قدرتك، فأرنا عفوك.. وبدأت السفينة تهدأ، وظل إبراهيم يدعو ربه ويكثر من الدعاء.
وكان أكثر دعائه: (اللهم انقلني من ذلّ معصيتك إلى عزّ طاعتك).
يقول الحسن بن عبد الفزاري: قدم علينا إبراهيم بن أدهم مرعش، وكان إذا جاء نزل على أبي، وأنا صبي، فجاء فقرع الباب .
فقال لي أبي: أنظر من هذا؟
فخرجتُ فإذا رجل آدم عليه عباءة، ففزعتُ منه, فدخلتُ فقلتُ:
يا أبتاه! رجل ما أعرفه، فخرج إليه أبي، فلمّا رآه اعتنقه, ثمّ دخلا, فأخذ يحدّثه… و وقفتُ أنا بين أيديهما، فقال له أبي: يا أبا إسحاق إنّ ابني هذا بليدٌ في التّعلّم، فادع الله أن يحبّب إليه العلم، وأن يرزقه حلالا، فأقعدني في حجره, ومسح برأسي ثمّ قال:
اللّهمّ علّمه كتابَك، وارزُقه رِزقاً حلالاً، فعلّمني الله تعالى كتابه، وجاء سلخ من النّحل فوقع في منزلي، فلم يزل يزيد حتى غلبني على تأبوت كتبي.

سخاءه:
وكان إبراهيم كريمًا جوادًا، فالعسل والسمن غالبًا ما يكونان على مائدته يطعم من يأتيه، سمعه أحد أصحابه ذات مرة وهو يقول: (ذهب السخاء والكرم والجود والمواساة، من لم يواس الناس بماله, وطعامه, وشرابه, فليواسهم ببسط الوجه , والخلق الحسن.. إياكم أن تكون أموالكم سببًا في أن تتكبروا على فقرائكم، أو سببًا في أن لا تميلوا إلى ضعفائكم، وأن لا تبسطوا إلى مساكينكم).
و قال مروان: كان إبراهيم سخيّاً جدّاً.
وقال أبو الوليد : ربّما جلس إبراهيم بن أدهم مِن أوّل اللّيل إلى آخره يكسّر الصنوبر فيطعمنا.
يقول سهل بن إبراهيم: صحبتُ إبراهيم بن أدهم في سفر فأنفق عليّ نفقته كلّها، ثمّ مرضتُ , فاشتهيت شهوة(شيئا), فذهب فأخذ حماره وباعه واشترى شهوتي فجاء بها.
فقلتُ: يا إبراهيم فأين الحمار؟!
قال: يا أخي بعناه .
قلتُ: يا أخي فعلي أيّ شيء نركب؟!
قال: يا أخي على عنقي.
قال: فحمله على عنقه ثلاث منازل.
قال الأوزاعي: ليس في هؤلاء القرّاء أفضل من إبراهيم بن أدهم, فإنّه أسخى القوم.
قال شفيق بن إبراهيم: بينا نحن ذات يوم عند إبراهيم إذ مرّ به رجل من الصناع, (وما سلّم عليهم) .
فقال إبراهيم: أليس هذا فلاناً.
قيل: نعم.
فقال لرجل: أدركه فقل له قال لك إبراهيم: ما لك لم تسلم.
قال: لا والله , إنّ امرأتي وضعت , وليس عندي شيء, فخرجتُ شِبه المجنون..
فرجعتُ إلى إبراهيم وقلتُ له..
فقال: إنّا لله .. كيف غفلنا عن صاحبنا حتى نزل به الأمر،
فقال: يا فلان ائت صاحب البستان فاستسلف منه دينارين, وادخل السوق فاشتر له ما يصلحه بدينار وادفع الدينار الآخر إليه، فدخلتُ السوق, و أوقرتُ بدينار مِن كلّ شَيء وتوجهتُ إليه فدقّقتُ الباب . فقالت امرأته: مَن هذا؟.
قلتُ: أنا أردتُ فلاناً.
قالت: ليس هو هنا.
قلتُ: فمري بفتح الباب وتنحّي، ففتحت الباب, فأدخلتُ ما على البعير وألقيته في صحن الدار وناولتها الدينار.
فقالت: على يدي مَن هذا؟.
قلتُ: قولي على يد أخيك إبراهيم بن أدهم.
فقالت: اللهم لا تنس هذا اليوم لإبراهيم.
وقال مضاء بن عيسى: ما فاق إبراهيم أصحابه بصوم ولا صلاة ولكن بالصدق والسخاء.

ورعه وخوفه من الله تعالى:
دخل إبراهيم بن أدهم المعركة مع الشيطان ومع نفسه مصممًا على الانتصار، وسهر الليالي متعبدا ضارعًا باكيًا إلى الله يرجو مغفرته ورحمته..
ورآه بعض أصحابه ـ وهو بمسجد بيروت ـ  وهو يبكي ويضرب بيديه على رأسه، فقال: ما يبكيك ؟
فقال: ذكرتُ يوما تتقلّب فيه القلوب والأبصار.
وكان رحمه الله يشتغل في بساتين, ولا يذوق من الفواكه والثمار شيئا.
يقول إبراهيم بن أدهم : سألتُ بعض المشايخ عن رزق الحلال.
فقال: إن أردت الحلال الصافي فعليك “بطرسوس”، فإنّ فيها المباحات والعمل الكثير، فأتيتها، فعملتُ بها أنظر في البساتين وأحصد، فبينما أنا على باب البحر جاءني رجل أنظر له … فإذا بخادم قد أقبل ومعه أصحابه، فقعد في مجلسه فصاح: يا ناظور، إذهب فآتنا بأكبر رمان تقدر عليه وأطيبه، فذهبتُ فأتيته بأكبر رمّان، فكسر رمّانة, فوجدها حامضة فقال: أنت عندنا كذا وكذا تأكل فاكهتنا ورمّاننا، لا تعرف الحلو من الحامض.
قلتُ: والله ما ذقتُها.
فأشار إلى أصحابه تسمعون كلام هذا، ثم قال لي: أتراك لو أنّك إبراهيم بن أدهم …
فلمّا كان من الغد ذكر صفتي في المسجد، فعرفني بعض الناس، فجاء الخادم ومعه عتق من الناس، فلمّا رأيته قد أقبل اختفيتُ خلف الشجر والناس داخلون، فاختلطتُ معهم وهم داخلون, وأنا هارب.
سئل إبراهيم بن أدهم: بم يتم الورع؟
قال: إنما يتم الورع بتسوية كل الخلق في قلبك، واشتغالك عن عيوبهم بذنبك، وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل، فكر في ذنبك وتب إلى ربك يثبت الورع في قلبك، واقطع الطمع إلّا من ربك.
كان ابن أدهم يستغيث من كرب وجده، ويبول الدم من كثرة خوفه، فطلب يوماً سكوناً من قلقه، فقال: يا رب إن كنتَ وهبتَ لأحد من المحبّين لك ما يستريح به، فهب لي، فقيل له في نومه: وهل يسكن محب بغير حبيبه؟
الجسم يذيبه الأسى  و السهد   … والقلب ينوبه الجوى والكمد
هم قد وجدوا وهكذا ما وجدوا … ما جنّ  بهم مثل جنوني أحد
شوق وجوى  ونار وجد  تقد …  مالي جلد ضعفت ما لي جلد
قال إبراهيم بن بشار: وقف رجل صوفي على إبراهيم بن أدهم، فقال: يا أبا إسحاق لم حجبت القلوب عن الله؟
قال: لأنها أحبت ما أبغض الله، أحبت الدنيا ومالت إلى دار الغرور واللهو واللعب، وتركت العمل لدار فيها حياة الأبد، في نعيم لا يزول، ولا ينفد، خالداً مخلداً في ملك سرمد, لا نفاد له, ولا إنقطاع .
قال إبراهيم : قلة الحرص والطمع: تورث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع: تورث كثرة الغم والجزع.
ونظر إلى رجل من أصحابه يضحك فقال له: لا تطمع فيما لا يكون .
فقيل له: كيف هذا يا أبا إسحاق ؟
فقال: لا تطمع في البقاء وأنت تعلم أن مصيرك إلى الموت، فكيف يضحك من يموت ولا يدري إلى أين يصير بعد موته، إلى جنة أم إلى نار ؟ ولا تيأس مما يكون, إنّك لا تدري أي وقت يكون الموت، صباحا أو مساء، بليل أو نهار؟
ثم قال: أوه أوه ! ثم خر مغشيا عليه.

زهده:
وكان إبراهيم راضيًا بحالة الزهد القاسية، وظل يكثر من الصوم والصلاة , ويعطف على الفقراء والمساكين إلى أن مات رضوان الله عليه .
قال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف:
فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة .
فالفرض: الزهد في الحرام .
والفضل: الزهد في الحلال .
والسلامة: الزهد في الشبهات .
قال عليّ بن بكّار: غزا معنا إبراهيم بن أدهم غزاتين، كلّ واحدة منهما أشدّ من الأخرى، فلم يأخذ سهماً ولا نفلاً، وكان لا يأكل من متاع الروم، نجيء بالطرائف والعسل والدّجاج فلا يأكل منه ويقول: هو حلال، لكنّي أزهد فيه، وكان يصوم، وغزا على برذون ثمنه دينار، وغزا في البحر غزاتين.
قال رجل لإبراهيم بن أدهم: يا أبا إسحاق، أحبّ أن تقبَلَ مني هذه الجُبّة كُسوةً.
قال إبراهيم: إن كنتَ غنيّاً قَبِلتُها منك، وإن كنتَ فقيراً لم أقبَلْها.
قال: فإنّي غني.
قال إبراهيم: كم عندك؟
قال: ألفان.
قال: فيَسُرُّك أن تكون أربعة آلاف؟
قال: نعم .
قال إبراهيم: أنت فقير؛ لا أقبَلها.

القناعة:
إنّ إبراهيم بن أدهم حصد ليلة ما يحصد غيره في عشرة أيام، فأخذ أجرته ديناراً.

تواضعه:
وكان إبراهيم بن أدهم شديد التواضع، لا يحبّ الكبر، كان يقول: (إياكم والكبر والإعجاب بالأعمال، انظروا إلى مَن دونكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم، من ذلل نفسه؛ رفعه مولاه، ومن خضع له أعزه، ومن اتقاه وقاه، ومن أطاعه أنجاه).

الإيثار:
قال فضيل العكي: رأيتُ إبراهيم بن أدهم إذا حصد يحصد ويستعين معه الضعفاء فيسبقهم في أمانه – يعني الموضع – فيحصده, ثمّ يشير إلى أصحابه أن اجلسوا، ثم يقوم فيصلي ركعتين, ثم يرجع إلى ما في أيديهم فيحصده دونهم, وهم جلوس , ثمّ يصلّي ركعتين, ثم يرجع إلى أمانه فيحصده.
قال ابن قديد: وكنتُ عنده يوماً جالساً في البيت, فأهديت إليه فاكهة ونحن جماعة في البيت .
فقال: يا ابن قديد دعه, لا آكل لا أنا ولا أنت منه شيئاً, ويأكله أصحابنا, فأكله أصحابنا ولم نذقه.
قال ابن بشار:
أمسينا ليلة مع إبراهيم وليس لنا شيء نَفطَرُ عليه، فرآني حزيناً فقال: يا ابن بشّار!  ماذا أَنعَمَ اللهُ علَى الفُقراء والمساكين مِن النَّعيم والرَّاحة، في الدنيا والآخرة؟ لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة، ولا حجّ، ولا صدقة، ولا صلة رحم! لا تَغتمَّ، فرزق الله مضمون، سيأتيك. نحن ـ والله – الملوك الأغنياء، تعجلَّنا الراحة، لا نُبالي على أيّ حال كنّا إذا أطعنا الله. ثم قام إلى صلاته، وقمتُ إلى صلاتي، فما لبثنا إلا ساعة، فإذا برجل قد جاء بثمانية أرغفة وتمر كثير، فوضعه .
فقال إبراهيم : كل يا مغموم، فدخل سائل فقال: أطعمونا .
فدفع إليه ثلاثة أرغفة مع تمر، وأعطاني ثلاثة وأكل رغيفين.

التفكر:
قال يوسف بن سعيد بن مسلم: قلتُ لعليّ بن بكار: كان إبراهيم بن أدهم كثير الصلاة؟
قال: لا ولكنّه صاحب تفكّر يجلس ليله يتفكر.
قال أحمد بن إبراهيم بن بشار: سألت إبراهيم بن أدهم عن العبادة .
فقال: رأس العبادة التفكر والصمت إلّا من ذكر الله، ولقد بلغني حرف (يعني عن لقمان) قال: قيل له: يا لقمان ما بلغ من حكمتك؟
قال: لا أسال عما قد كفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني .
ثمّ قال: يا ابن بشار! إنّما ينبغي للعبد أن يصمت أو يتكلم بما ينتفع به، أو ينفع به من موعظة أو تنبيه أو تخويف أو تحذير، واعلم أنّه إذا كان للكلام مَثَل كان أوضح للمنطق، وأبين في المقياس، وألقى للسمع، وأوسع لشعوب الحديث، يا ابن بشار! مثّل لبصر قلبك حضور ملك الموت وأعوأنه لقبض روحك، فأنظر كيف تكون .
ومثل له هول المطلع ومساءلة منكر ونكير، فانظر كيف تكون.
ومثل له القيامة وأهوالها وأفزاعها، والعرض والحساب والوقوف، فانظر كيف تكون، ثمّ صرخ صرخة وقع مغشياً عليه.
قال إبراهيم بن بشار: سمعتُ إبراهيم بن أدهم يقول: أذكر ما أنت صائر إليه حقّ ذكره، وتفكر فيما مضى من عمرك, هل تثق به, وترجو النجاة من عذاب ربك، فإنك إذا كنتَ كذلك شغلت قلبك بالأهتمام بطريق النجاة عن طريق اللاهين الآمنين المطمئنين الذين اتبعوا أنفسهم هواها, فأوقعتهم على طريق هلكاتهم, لا جرم سوف يعلمون، وسوف يتأسفون، وسوف يندمون: ” وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب منقلبون ” . (الشعراء).

حرصه في طلب العلم:
قال إبراهيم بن أدهم: خرجتُ أريدُ بيت المقدس فلقيتُ سبعة نفر فسلّمتُ عليهم وقلتُ: أفيدوني شيئا لعل الله ينفعني به.
فقالوا لي: أنظر كلّ قاطع يقطعك عن الله مِن أمر الدنيا والآخرة فاقطعه .
فقلت: زيدوني رحمكم الله .
قالوا: أنظر أن لا ترجو أحداً غير الله ولا تخاف غيره.
فقلت: زيدوني رحمكم الله .
قالوا: أنظر كلّ مَن يحبّه(الله) فأحبّه, وكلّ من يُبغضه فابغِضه .
قلت: زيدوني رحمكم الله .
قالوا: عليك بالدعاء والتضرع والبكاء في الخلوات، والتواضع والخضوع له حيث كنت، والرحمة للمسلمين والنصح لهم.
فقلتُ لهم: زيدوني رحمكم الله.
فقالوا: اللّهم حل بيننا وبين هذا الذي شغلنا عنك، ما كفاه هذا كله؟!.
فلا أدري السماء رفعتهم أم الأرض ابتلعتهم، فلم أرهم ونفعني الله بهم.
وكان إبراهيم رحمه الله إذا سافر مع أحد من أصحابه يحدثه إبراهيم، وكان إذا حضر في مجلس فكأنما على رؤوسهم الطير هيبة له وإجلالاً.
وربّما تسامر هو وسفيان الثوري في الليلة الشاتية إلى الصباح، وكان الثوري يتحرز معه في الكلام.

الأديب البارع:
كان إبراهيم بن أدهم , ينطق بالعربية الفصحى لا يلحن.
وكان إذا حضر مجلس سفيان الثوري وهو يعظ, أوجز سفيان في كلامه مخافة أن يزلّ.

من فضله وكراماته:
قال عيسى بن خازم النّيسابُورِيّ:
كنّا بمكّة مع إِبراهِيم بن أَدهم، فنَظَرَ إلى (جبل) أَبي قُبَيْس، فقال: لَو أَنّ مُؤمناً، مُسْتكمِلَ الإِيمان، يَهزُّ الجَبلَ لتَحَرَك.
فتَحَرَّكَ أَبو قُبَيسٍ، فقال: اسْكُن، ليسَ إيّاكَ أَرَدتُ.
قال الحارث بن النُّعمان:
كان إِبراهيم بن أَدهم يَجْتَنِي الرُّطبَ مِن شجر البَلُّوط .
وعن مكّيِّ بن إِبراهيم، قال:
قيل لابن أَدهم: ما تَبلُغُ مِن كرامة المُؤمن على الله عز وجل؟
قال: يبلغ من كرامته على الله تعالى لو قال للجبل: تحرّك، لتحرك، فتحرك الجبل، فقال: ما إيّاك عنيتُ.
وذكروا أنّه مرّ مع رفقة فإذا الأسد على الطريق فتقدّم إليه إبراهيم بن أدهم فقال له: يا قسورة إن كنت أمِرتَ فينا بشئ فامض لما أمِرت به وإلّا فعودك على بدئك.
قالوا: فولّى السبع ذاهبا يضرب بذنبه، ثمّ أقبل علينا إبراهيم فقال: قولوا: اللهم راعنا بعينك التي لا تنام، واكنفنا بكنفك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا الله، يا الله، يا الله.
قال بقيّة: كنّا في البحر مع “معيوف” فهبّت الرّيح، وهاجت الأمواج، واضطربت السفن، وبكى النّاس، فقيل لمعيوف: هذا إبراهيم بن أدهم، لو سألتَه أن يدعو الله، وكان(إبراهيم) نائماً في ناحية من السفينة, ملفوف رأسه, فدنا إليه فقال: يا أبا إسحاق ما ترى ما فيه الناس؟
فرفع رأسه، فقال: اللهم قد أريتنا قدرتك فأرنا رحمتك، فهدأت السفن.

رسائله:
قال محمد بن عبد الرحمن السروجي: كتب إبراهيم بن أدهم إلى بعض إخوانه:
أما بعد فعليك بتقوى الله الذي لا تحلّ معصيته، ولا يُرجى غيره، واتق الله، فإنّه من اتّقى الله عز وجل, عزّ وقوى، وشبع و رَوى، ورفع عقله عن الدنيا، فبدنه منظور بين ظهراني أهل الدنيا، وقلبه معاين للآخرة، فأطفأ بصر قلبه ما أبصرت عيناه من حبّ الدّنيا، فقذر حرامها وجانب شهواتها، وأضرّ بالحلال الصافي منها إلّا ما لابدّ له من كسرة يشدّ بها صُلبه، أو ثوب يواري به عورته مِن أغلظ ما يقدر عليه وأخشنه، ليس له ثقة ولا رجاء إلّا الله ، قد رفعت ثقته و رجاؤه من كل شيء مخلوق، ووقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء، فجد وهزل وأنهك بدنه لله حتّى غارت العينان, وبدت الأضلاع , وأبدله الله تعالى بذلك زيادة في عقله، وقوّة في قلبه، وما ذخر له في الآخرة أكثر، فارفض يا أخي الدنيا, فإنّ حبّ الدنيا يصم ويعمي، ويذلّ الرقاب، ولا تقل غدا وبعد غد , فإنّما هلك مَن هلك بإقامتهم على الأماني حتّى جاءهم الحق بغتة وهم غافلون، فنقلوا… إلى القبور المظلمة الضيّقة، وأسلمهم الأهلون والولد، فانقَطِع إلى الله بقلب منيب، وعزم ليس فيه شك,  والسلام.
قال يونس ابن سليمان أبو محمد البلخي: قرأتُ كتاب إبراهيم بن أدهم إلى عبد الملك مولاه:
أما بعد أوصيك بتقوى الله , إنّه جاءني كتابك فوصلك الله، تذكر ما جرى بيننا، فمَن رَعى حقّ الله وفّر حظّه, وسلم منه الناس، ومن ترك حظه و لم يراقب حقه , ولع به الناس، وذلك إلى الله، ولا حول لنا ولا قوة إلّا بالله، ثمّ إنّ القوم ناس مثلكم، يغضبون ويرضون، فكان الذي يقومهم إليه يرجعون، وبه يقنعون، وبه يأخذون، وبه يعطون، فأثنى عليهم أحسن الثناء. فاقتدوا بآثارهم وأفعالهم، حتّى أنتم على ملّتهم، وتمنون منازلهم، ثمّ إنّ الله تعالى أحسن إلينا وأبقانا بعد الجيران، فنعوذ بالله أن يكون إبقاؤنا لشرّ فإنّه لا يُؤمَن مكره، والأعمال بالخواتيم، وأنّه مَن خافه لم يصنع ما يحبّ ولم يتكلم بما يشتهي، وينبغي لصاحب الدّين أن يرجو في الكلام ما يرجو في الفعل، وأن يخاف منه ما يخاف من الفعل، وذلك إلى الله، فإن استطعت أن لا يكون عندك أحد هو آثر من الله فراقبه في الغضب والرضا، فإنه يعلم السر وأخفى، ويغفر ويعذب، ولا منجا منه إلّا إليه, فإن استطعت أن تكفّ عمّا لا يعنيك، وأن تنظر لنفسك، فإنّه لا يسعى لك غيرك، إنّ النّاس قد طلبوا الدّنيا بالغضب والرضا، فلم ينالوا منها حاجتهم، وإنّه مَن أراد الآخرة كان النّاس منه في راحة، لا يخدع من ذلها، ولا ينازعهم في عزّها، هو من نفسه في شغل، والناس منه في راحة، فاتق الله وعليك بالسداد، فإنّ مَن مَضى إنّما قدموا على أعمالهم، ولم يقدموا على الشرف والصوت والذكر، فإن الله تعالى أبَى إلّا عدلاً، أعاننا الله وإيّاكم على ما خلقنا له، وبارك لنا ولكم في بقية العمر، فما شاء الله. وأمّا ما ذكرت من أمر القصر فلا تشقوا على أنفسكم، إن جاءكم أمر في عافية فله الحمد، وإن كانت بليّة فلا تعدلوا بالسلامة، فإنّه مَن ترك مِن أمره ما لا ينبغي أحقّ بالجزع منكم، إنّا قد أيقنّا أنّ النّاس لا يذهبون بحقوق النّاس، والله معط كلّ ذي حقّ حقّه، وسعى النّاس لهم وعليهم، والجزاء غداً، فإن استطعتم أن لا تلقوا الله بمظالم فأمّا ما ظلمتم فلا تخافوا الغلبة , فإنّ الله تعالى لا يعجزه شيء، فمَن علم أنّ الأمور هكذا, فليكبر على نفسه وليقض ما عليها، فإنّ غدا أشدّه وأضره، حسبنا الله ونعم الوكيل، وأمّا مَن بقي مِن بقية الجيران فأقرهم السلام, فقد طال العهد .
قال إبراهيم بن بشار: كتب عمر بن المنهال القرشي إلى إبراهيم بن أدهم وهو بالرملة: أن عِظني عظة احفظها عنك، فكتب إليه: أما بعد فإن الحزن على الدنيا طويل، والموت من الأنسان قريب، وللنفس منه في كل وقت نصيب، وللبِلَى في جسمه دبيب، فبادر بالعمل قبل أن تنادى بالرحيل، واجتهد في العمل في دار الممر قبل أن ترحل إلى دار المقر.
وكتب إلى الثوري: مَن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن أطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه.

ورده في يوم الجمعة:
حدثنا إبراهيم بن بشار، قال: كان إبراهيم بن أدهم يقول هذا الكلام في كل جمعة إذا أصبح عشر مرات، وإذا أمسى يقول مثل ذلك:
“مرحباً بيوم المزيد، والصبح الجديد، والكاتب الشهيد، يومنا هذا يوم عيد، أكتب لنا فيه ما نقول: بسم الله الحميد المجيد، الرفيع الودود، الفعّال في خلقه ما يريد. أصبحتُ بالله مؤمناً وبلقاء الله مصدِّقاً، وبحجّته معترفاً، ومِن ذنبي مستغفراً، ولربوبية الله خاضعاً، ولسوى الله جاحداً، وإلى الله تعالى فقيراً، وعلى الله متوكلاً، وإلى الله منيباً، أشهد الله وأشهد ملائكته وأنبياءه ورسله وحملة عرشه، ومَن خلق ومن هو خالق بأنّ الله لا إله إلّا هو وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وأن الجنة حق، والنار حق، والحوض حق، والشفاعة حق، ومنكرا ونكيرا حق، ولقاءك حق، ووعدك حق، والساعة آتيه لا ريب فيها، وأن الله يبعث مَن في القبور، على ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعَثُ إن شاء الله، اللّهم أنت ربي لا ربَّ لي إلّا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك و وعدك ما استطعت، أعوذ بك اللّهم مِن شرّ كلّ ذي شر. اللّهم إنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي ذنوبي إنّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق فإنّه لا يهدي لأحسنها إلّا أنت، واصرف عنّي سيّئَها فإنّه لا يصرف سيئها إلّا أنت، لبيك وسعديك والخير كله بيديك، أنا بك و إليك , أستغفرك وأتوب إليك، آمنتُ اللهم بما أرسلتَ مِن رسول وآمنت اللهم بما أنزلت من كتاب، صلّى الله وسلم على محمد وعلى آله وسلم كثيرا, خاتم كلامي ومفتاحه، وعلى أنبيائه ورسله أجمعين آمين يا رب العالمين، اللّهم أوردنا حوضه، واسقنا بكأسه مشربا مريا سائغا هنيّاً لا نظمأ بعده أبدا، واحشرنا في زمرته غير خزايا ولا ناكسين ولا مرتابين ولا مقبوحين ولا مغضوبا علينا ولا ضالّين، اللّهم أدهمني من فتن الدنيا و وفّقنِي لما تحب من العمل وترضى، وأصلح لي شأني كله وثبّتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولا تضلني وإن كنتُ ظالما , سبحانك, سبحانك , يا علي , يا عظيم , يا باري , يا رحيم , يا عزيز , يا جبار، سبحان من سبَّحت له السموات بأكنافها، وسبحان من سبحت له الجبال بأصواتها، وسبحان من سبحت له البحار بأمواجها ,  وسبحان من سبحت له الحيتان بلغاتها , وسبحان من سبحت له النجوم في السماء بأبراقها، وسبحان من سبحت له الشجر بأصولها ونضارتها، وسبحان من سبحت له السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهنّ ومن عليهنّ، سبحانك , سبحانك , يا حي يا حليم، سبحانك , لا إله إلّا أنت وحدك.

الثناء العطر:
قال سفيان الثوري: كان إبراهيم بن أدهم يُشبِه إبراهيمَ الخليل، ولو كان في الصحابة لكان رَجُلاً فاضلاً.
قال خلَف بن تميم: سمعتُ إبراهيم يقول:
رآني ابن عَجلان، فاستَقبَل القبلةَ ساجداً، وقال: سجدتُ لله شُكراً حِين رأيتُك.
يقول عبد الرحمن بن مهدي: قلتُ لابن المبارك: ممّن سمع إبراهيم بن أدهم؟
قال: قد سمع من الناس، ولكن له فضل في نفسه، صاحب سرائر، ما رأيته يظهر تسبيحاً , ولا شيئاً من الخير، ولا أكل مع قوم إلّا كان آخرَ مَن يرفع يده.
قال الفريابي: سمعتُ رجلاً قال للأوزاعي: أيّهما أحبّ إليك إبراهيم بن أدهم أو سليمان الخواص؟
قال: إبراهيم بن أدهم أحب إلي، لأن إبراهيم يخالط الناس وينبسط إليهم.
نعته الإمام الذهبي: بالقُدوَة، الإمام، العارف، سيِّد الزّهَّاد …
قال ابن كثير: إبراهيم بن أدهم أحد مشاهير العباد وأكابر الزهاد.
كانت له همة عالية في ذلك رحمه الله.

يتبع….


تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات