اليوم : 8 مارس , 2011

الأئِمّة الأَربعة وخصائِصُهم

الأئِمّة الأَربعة وخصائِصُهم
imams4في القرون الثلاثة الأولى التي شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخير، ظهر مجتهدون وفقهاء كثيرون، اشتهر من بينهم على مر السنين، أربعة: أبو حنيفة النعمان بن ثابت في العراق، وأبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي في المدينة المنورة، وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي القرشي عالم قريش وفخرها في بغداد ثم في مصر، وأبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني إمام أهل الحديث وقدوتهم وفقيه أهل العراق في زمانه.

درسوا كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيرة الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة رضي الله عنهم وتاريخ من سبقهم ومن عاصرهم من خيار الأمة الإسلامية، وأخذوا عنهم العلوم الإسلامية، واجتهدوا فيها طاقتهم حتى نبغوا وصاروا من أعلام العلماء وورثة الأنبياء علما وبلاغا ومن أئمة الهدى نصحا للأمة وإرشادا وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وقاموا في عصورهم بدور مهم في خدمة الإسلام، دراسة لعلومه، وفهم أحكامه -أصوله وفروعه- واستنباطها من مصدرها الصحيح، ومنبعها الصافي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قاموا بنشر علومه بين المسلمين، فاستنارت بهم الأمة في شؤون دينها ودنياها، ونهضت في ثقافتها علما وخلقا وازدهرت بهم الحياة، فكانت خير أمة أخرجت للناس، إيمانا وإخلاصا، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، بالحكمة والموعظة الحسنة وجدالا بالتي هي أحسن. رحمهم الله رحمة واسعة وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.  
لقد تحدث الإمام العلامة أبو الحسن على الحسني الندوي رحمه الله  في كتابه القيّم “رجال الفكر والدعوة” عن دور الأئمة الأربعة في الدفاع عن الإسلام والمسلمين، وبيان أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل عصر ومصر، بمقال جيد وحديث رائع. أنقله هنا، رجاء أن يستفيد به القراء الكرام:

لقد كان مِن لُطف الله بهذه الأمة، وكان من التيسير،‌ أن قيَّض لهذه المهمّة الجليلة رجالاً يُعَدون من الأفذاذ والنوابغ الذين أنجبتهم الإنسانية  فقهاً وأمانة ، وإخلاصاً وكفاية.
كان منـهم هؤلاء الأربعة ( أبوحنيفة م 150هـ . ومالك م 179 هـ .   والشافعي م 204 هـ . وأحمدُ بنُ حنبل م  241 هـ . ) الذين قُدِّر لفقهـهم أن يعيش إلی هذا اليوم ويخضع له العالم الإسلامي.
وقد فاق هؤلاء في فهمـهم الدقيق الواسع، ووقفوا حياتـهم ، واستعملوا مواهبـهم بسخاء في تكوين هذه الثروة الفقهية والقانونية التي لا تعادلها ذخيرةٌ فقهية في العالم، والتي لا تزال مَرجعاً ومادة واسعة للتشريع لهذا العصر. وقد توفّر هؤلاء على هذه الخدمة التي تَدين لها الأمة ويدين لها العالم، وآثروها على كل راحة ولذة وجاه ومنصب في الحياة، وقد خابَ ملوك عصرهم وامراؤهم ، وخابت الأطماع والإغراءات أن تشغل قُلوبهم، أو تَتوزَّع عقولَهم وأوقاتهم.
وقد عُرض على أبي حنيفة منصب القضاء الذي كان منصباً كبيراً وشرفاً عظيماً مرتين، فرفض وامتنع، ومات في السجن. وقد ضُرب مالكٌ مئتي سوطٍ لأجل مسألة جهر بها وخُلعت كتفاه، وهي أن طلاق المكره ليس بشيء. وقَضى الشافعي معظمَ حياته في عُسْر وضَنك ، وبذلَ صحته وقوته في استنباط الأحكام وتدوين الفقه. وعارض أحمدُ بن حنبل اتجاهَ حكومةٍ هي كبرى الحكومات وأقواها على ظهر الأرض في عصره، ودافع عن السنُّة والفكر الإسلامي الصحيح، حتى عُوقب وعُذّب وضُرب وسُجن.
وقد أنتجَ كلُّ واحد منهم ثروةً علمية، وخلّف تراثاً فقهياً ينوء بالمجامع العلمية والمؤسسات الكبيرة في هذا العصر؛  فقد رُوي أن أبا حنيفة قال ستينَ ألف مسألةٍ. وقال بعضهم: ثمانيةً وثلاثين ألفاً في العبادات، وخمسة وأربعين ألفاً في المعاملات. ( ضحی الإسلام : ج 3 ص 188 نقلاً عن مناقب أبي حنيفة للمكي: 96 )
وقد ذكرشمس الأئمة الكردري: أنَّ عدد المسائل التي دوَّنها يبلغ إلى ستمِئةِ ألف. (“سيرة النعمان” للعلامة شبلي النعماني، نقلاً عن “قلائد عقود العقيان”)
ومهما كان العدد مبالغاً فيه فلاشك أنه أنتج ثروة فقهية ضخمة هي أساس هذا الفقه الحنفي الذي استطاع أن يحكُم المساحة الكبرى في المملكة الإسلامية أيام ازدهارها، ويكونَ دستور مملكة هي أرقى المملكات في عصرها هي الدولة العباسية. وكذلك شان مالك في الفقه، فكتابه “المُدوَّنة” الذي هو مجموعتُه الفقهية، تبلغ نحو ست وثلاثين ألف مسألة. (ضحى الإسلام :2/215 ). وكتاب “الأم” الذي هو إفادات الشافعي، مجموعة فقهية ضخمة تقع في سبعة أجزاء. ( انظر: ترجمة أبي بكرٍ الخلال في شذرات الذهب 2 / 261) وقد جمع أبوبكر الخلال ( م  311 هـ ) مسائل الإمام احمد في أربعين مجلدا. (الجامع لعلوم الإمام أحمد بن حنبل)
… لقد كان وجود هؤلاء الفقهاء والمجتهدين والمشرّعين في قرون الإسلام الأولى بُرهاناً ساطعاً علی صلاحية هذه الأمة للبقاء والانتشار، وقد أوجدت بفضل مساعيهم ونبوغهم وحدة الأمة العلمية في اجتماعها ومعاملاتها وسياستها المالية، وهذه الوحدةُ عاملٌ مهم من عوامل الوحدة الدينية والفكرية، وبذلك أمِنت هذه الأمةُ من تلك الفوضى الاجتماعية والتشريعية التي أصيبت بها الأمم والديانات في عهدها الأول، والتي تدرَّجت بها إلى حياة لادينية تسير فيها على النظم اللادينية أو تقتبسُ التشريع الأجنبي الثائر على روح دينها ومبادئه، وألجأتها إلى التمسك بمبدأ فصل الدين عن السياسة، الذي هو الخطوة الأولى الحاسمةُ إلى الإلحاد والارتداد.

رجال الفكر والدعوة في الإسلام، ج 1 ص 105

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات