اليوم : 8 ديسمبر , 2010

قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني الحنفي

قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني الحنفي

damghaniاسمه ونسبه: علي بن محمد بن علي, قاضي القضاة , أبوالحسن الدامغاني الحنفي . ابن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن عليّ.
مولده:
ولد سنة ست وأربعين و أربعمائة (446 ه) في بغداد.
أصله من دامغان, بلاد فارس.

دامغان:
مدينة عريقة في شمال ايران.
وقد ورد ذكرها في مصادرنا القديمة, قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: بلد كبير بين الري ونيسابور وهو قصبة قومس.
قال مِسعر بن مُهلهل الدامغان: مدينة كثيرة الفواكه … والرياح لا تنقطع بها ليلاً ولا نهاراً …
وذُكر من عجائبها:
مقسم للماء كسروي عجيب, يخرج ماؤه من مغارة في الجبل؛ ثم ينقسم إذا انحدر عنه على مائة وعشرين قسماً , لمائة وعشرين رستاقاً, لا يزيد قسم على صاحبه, ولا يمكن تأليفه على غير هذه القسمة وهو مستطرف جداً …
وبالدامغان فيها تفاح يقال له: “القومسي” جيد, حسن, أحمر, يُحمل إلى العراق,
وبها معادن زاجات, وأملاح ولا كباريت فيها, وفيها معادن الذهب الصالح …

قدمت دامغان للعالم الإسلامي  جماعة وافرة من أهل العلم.
منهم:
إبراهيم بن إسحاق الزراد الدامغاني، وقاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الدامغاني وغيرهم من الأئمة والدعاة.
فتحها عبد الله بن عامر بن كريز في خلافة عثمان رضي الله عنه سنة ثلاثين.

شيوخه:
تفقّه على والده، وسمع الحديث من القاضي أبي يعلى بن الفراء, وأبي بكر الخطيب, والصريفيني, وابن النقور…

توليه القضاء:
تولى القضاء في سن مبكر,  سنة 472 الهجري. وهذا يشير إلى ذكاءه الفذ, وفطنته الحادة …
و ولي القضاء لأربعة خلفاء : القائم والمقتدي والمستظهر و المسترشد.
وكان الدامغاني رحمه الله يثني عليهم , ويرشدهم إلى الخير, ويجلّهم ولكن دون تخاذل و انكسار…
ولمّا ذكر الخلفاء نعتهم ب “الإمام ” يقول الدامغاني: بلغني أنّ “الإمام” المستظهر بالله أنشد قبل موته بقليل وهو يبكي:
يا كوكباً ما كان أقصر عمره … وكذاك عمر كواكب الأسحار
قال ابن كثير: ولي القضاء بباب الطاق من بغداد , وله من العمر ست وعشرون سنة, ولا يعرف حاكم قضى لأربعة من الخلفاء غيره إلا شريح.

مواقف من حياته:
موقفه مع أبي بكر الشاشي, يقول ابن الجوزي:
وقد روى رفيقنا أبو سعد السمعاني قال: سمعت أبا الحسن علي بن أحمد الأزدي يقول: دخل أبوبكر الشاشي على قاضي القضاة الدامغاني زائرا له , فما قام قاضي القضاة , فرجع الشاشي وما قعد؛ وكان ذلك في سنة نيف وثمانين, فما اجتمعا إلّا بعد سنة خمسمائة في عزاء لابن الفقيه, فسبق الشاشي فجلس..
فلما دخل الدامغاني قام الكل سوى الشاشي.. فإنه ما تزحزح.
فكتب قاضي القضاة إلى المستظهر يشكو الشاشي أنه ما احترم نائب الشرع..  
فكتب المستظهر ماذا أقول له أكبر منك سناّ؟! و أفضل منك , وأورع منك, لو قمت له كان يقوم لك..
وكتب الشاشي إلى المستظهر يقول: فعل في حقي.. و صنع.. و وضع مرتبة العلم والشيوخة.. وكتب في أثناء القصة ..
حجاب  وإعجاب  وفرط تصلف.. ومد يد نحو العلا بتكلف .. فلو كان هذا من وراء كفاية .. لهان, ولكن من وراء تخلف…
فكتب المستظهر في قصته يمشي الشاشي إلى الدامغاني, ويعتذر فمضى إمتثالا للمراسم.
وكنّا معه فقام له الدامغاني قياما تاما, وعانقه واعتذر إليه, وجلسا طويلا يتحدثان.. وكان القاضي يقول : تكلم والدي في المسألة الفلانية واعترض عليه فلان, وتكلم فلان في مسألة كذا وكذا.. واعترض عليه والدي.. إلى أن ذكر عدة مسائل..
فقال له الشاشي: ما أجود ما قد حفظتَ أسماءَ المسائل…

نماذج أقضيته:
كان قد تقدم إليه “المستظهر” بسماع قول بعض الناس فلم يره أهلا, فلم يسمع قوله, وسمع أبا البركات بن الجلاء الأمين قال: حضر أبو الحسن الدامغاني وجماعة أهل الموكب باب الحجرة, فخرج الخادم أنّ أمير المؤمنين يحبّ يسمع كلامك, يقول لك: أنحن نحكمك أم تحكمنا؟.
قال: فقال كيف يقال لي هذا وأنا بحكم أمير المؤمنين؟!
فقال: أليس يتقدم إليك بقبول قول شخص فلا تفعل, قال: فبكى, ثم قال لأمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين! إذا كان يوم القيامة جيء بديوان فسئلتَ عنه, فإذا جيء بديوان القضاء كفاك أن تقول: وليته لذاك المدبر إبن الدامغاني ؛ فتسلم أنت وأقع أنا , قال: فبكى الخليفة وقال افعل ما تريد…

آراء العلماء فيه:
قال الذهبي في العبر: (ج 1 / ص 240)
وكان ذا حزمٍ, و رأيٍ, وسؤددٍ, وهيبة وافرة , وديانةٍ ظاهرة.
ويقول عنه ابن الجوزي في المنتظم:
وكان فقيها, متديّنا, ذا مروءة وصدقات وعفاف, وكان له بصر جيد بالشروط والسجلات…
ويقول عنه الصفدي في الوافي:
وبرع في المذهب… وكان كثير المحفوظ..  و كان ذا دين وعفاف ومروءة وصدقات…

وفاته:
وهو أحد من قتله الطبّ؛ لأنَّ جوفه علا , فظنُّوه استسقاءً, فأعطوه الحرارات وحموه البوارد، وكان في جوفه مادَّة داؤها البقلة، فلم يمكّنوه من شرب الماء، فلمَّا أنضجتها الحرارات بان لهم الخطأ، وأنشد عند موته:
والناسُ يَلْحَوْن الطَّبيب وإِنَّما  … غلط الطَّبيب إصابة المقدورِ
توفي في بغداد سنة 513 هـ عن 67 عامًا، وقبره عند مشهد أبي حنيفة رحمه الله.
رحم الله القاضي وأسكنه فسيح جناته , وجزاه عنا وعن المسلمين خير الجزاء  

****************************
المراجع:
العبر في خبر من غبر –  الذهبي.
الوافي بالوفيات – الصفدي (ج 7 / ص 34)
موقع قصة الإسلام
الروض المعطار في خبر الأقطار – محمد بن عبد المنعم الحِميري  (ج 1 / ص 231)

الكاتب: الشيخ أبو محمد البلوشي


تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات