اليوم : 1 ديسمبر , 2010

صفحات من حياة العلامة محمد شهداد السراواني رحمه الله

صفحات من حياة العلامة محمد شهداد السراواني رحمه الله
shahdadالشيخ الفقيه، العلامة، “محمد شهداد السراواني” رحمه الله تعالى؛ عالم فقيه ورع، وأحد أبرز العلماء في تاريخ بلوشستان المعاصر. ولد العلامة “محمد شهداد السراواني” في قرية “كهن ملك سوران” من توابع مدينة سراوان في بلوشستان، في أسرة عرفت أهلها بالالتزام والتدين سنة 1342 هـ.ق.

طلبه للعلم:
يعتبر الالتحاق إلى الكتاتيب، الوسيلة الوحيدة للدراسة وتعلم العلوم الشرعية، لذلك التحق الشيخ محمد شهداد السراواني بأحد هذه الكتاتيب، وتعلم القرآن الكريم على “ملا عثمان” في صباه، ودرس العلوم الإبتدائية. لكنه انصرف في البداية عن دراسة العلوم الشرعية والدينية. ثم بدت له في حياته حوادث كانت بمثابة نقطة تحول في حياته، حيث واصل دراسة العلوم الشرعية، وإلى ذلك أشار رحمه الله في ذكرياته حيث يقول: “ولكن بعد فترة من الوقت أنار الله تعالى لهذا العبد الحيران في طرق الضلالة، مصابيح الهداية، والله يهدي من يشاء. فقد توفي شقيقي الأصغر، وحسب قول الله تعالى “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم” فكان لوفاته أثر كبير في نفسي، ودفعتني إلى الإنابة إلى الله تعالى، ووقعت خشية إلهية في قلبي وتذكرت المعاد، وأجمعت أن استرد الفلاح الذي أفقدته”.
واتفق للشيخ شهداد السراواني بعد هذه الحادثة أن جاء “الشيخ عبد الرحيم” الذي كان من أقارب أمه من قرية “ناهوك”، إلى قرية “كهن ملك” وبدأ نشاطاته في القرية كإمام للمسجد حسب طلب أهل هذه القرية. وانتهزالشيخ شهداد هذه الفرصة لمواصلة دراسته للعلوم الشرعية، فقرأ بعض الكتب الإبتدائية والفارسية على “الملا عبد الرحيم”. ثم سافر من غير دليل ومن غيرمعرفة سابقة بطريق “سرباز” إلى هذه المنطقة، ووصل بعد سفر طويل إلى قرية “دبكور” من توابع “سرباز”، وتلمذ على العالم البارز والمجاهد الكبير العلامة القاضي “عبد الله ملازاده” والد الشيخ العالم الفاضل مؤسس جامعة دارالعلوم زاهدان الشيخ “عبد العزيز” رحمه الله. ودرس على سماحة هذا العالم الرباني لمدة سنتين، وقرأ الكتب الابتدائية من علم الفقه مثل القدوري، وكنز الدقائق، ومنية المصلي، ثم عاد في بداية سنة 1360 هـ.ق من “سرباز” إلى “سراوان”.

الرحلة إلى الهند:
ثم سافر إلى الهند، في ذي القعدة سنة 1360هـ.ق، التي كانت آنذاك من مستعمرات الدولة البريطانية، بهدف متابعة دراساته الشرعية في المراكز العلمية الكبيرة الموجودة في تلك البلاد. وقد كانت الرغبة إلى التعلم والحنين إلى اكتساب العلوم الشرعية رفيقان له في هذه الرحلة التي بدأها من قرية “سوران” (في بلوشستان إيران) على الأقدام.
والتحق العلامة سراواني رحمه الله بشفاعة من قبل “القاضي عبد الصمد” الذي كان ينشط كقاض من جانب حاكم “القلات” في منطقة “سرياب” في مدينة “كويتا” (عاصمة إقليم بلوشستان باكستان حاليا)، بالجامعة النصيرية (التي أسسها والي القلات المرحوم أحمد يارخان وخصصها لتعليم الطلبة البلوشستانيين، وكان رحمه الله ينفق على هذه المدرسة من خاصة ماله).
خلال سنة كاملة  استطاع أن يتعلم مبادئ العلوم والفنون العربية من صرف مير ونحو مير، وشرح مائة عامل وهداية النحو في المدرسة المذكورة. وهي السنة التي تخرج فيه العلامة الراحل الشيخ “عبد العزيز” رحمه الله من جامعة ديوبند.
ذكر العلامة “السراواني” في مذكراته: “في هذه الأيام يعني في السنة 1360 هـ.ق رجع العلامة الشيخ عبد العزيز رحمه الله ابن الشيخ القاضي عبد الله من مدينة دهلي في الهند مع عدد من العلماء الذين تخرجوا من جامعة ديوبند إلى منطقة دهادر، والمدرسة التي كنت أدرس فيها، ثم قصدوا بلادهم بعد إقامة أيام. هكذا كانت سنة بداية دراستي للعلوم الشرعية هذه السنة التي تخرج فيها العلامة عبد العزيز رحمه الله تعالى”.
في سنة 1361هـ.ق أمر حاكم “القلات” رئيسَ المدرسة النصيرية فضيلة الشيخ “محمد شريف الكشميري” أن يختار جماعة متشكلة من ثلاثين طالبا من ذوي الاستعداد ويرسلهم على نفقة حاكم “القلات” إلى “جامعة ديويند”. استجابة لهذا الحكم، أرسل ثلاثون طالبا من الطلبة النخب للمدرسة تحت إشراف أستاذين بارزين من محطة القطارات في “سيبي” بالقطار إلى “ديوبند” وكان العلامة “محمد شهداد السراواني” واحدا من هذه الجماعة.

في جامعة ديوبند:
التحق العلامة “محمد شهداد السراواني” سنة 1361 بجامعة ديوبند في الهند، ودرس في علوم الفقه والمنطق والكلام والأدب العربي وغيرها من العلوم الإسلامية، وانتفع من أساتذة وشخصيات بارزين كفضيلة الشيخ العلامة “حسين أحمد المدني” وشيخ الأدب “إعزاز علي”، وشيخ المعقول والمنقول الشيخ “إبراهيم البلياوي”، والشيخ “عبد السميع” رحمهم الله تعالى، وعدد آخرين من الشخصيات الأكابر في الهند وقادة النهضة الإسلامية في الهند، وتعلم منهم دروس الحرية والشجاعة والشهامة جنبا إلى العلوم الشرعية والدينية.
بعد تحرير الهند من الإستعمار البريطاني سنة1367 هـ.ق، وتقسيمها إلى الهند وباكستان، عندما أكمل رحمه الله دراساته الشرعية رجع إلى إيران، وبدأ نشاطاته وجهوده الدعوية والتربوية في قرية “سوران” من توابع مدينة “سراوان” في المجالات العلمية والثقافية، وتطرق إلى تدريس العلوم الشرعية والدعوة، وبث الثقافة والأمور المذهبية بين الناس؛ وجلس لخصومات الناس وإجابة مسائلهم، ووقف في وجه المفاسد والمعاصي.
الجهود المستمرة والمساعي الكثيرة التي كان يبذلها في سبيل الخدمة للشعب أذاعت له صيتا حسنا في العلم والخطابة في المنطقة، حيث قصده الناس من مختلف المناطق والتفوا حول هذا المشعل للعمل والمعرفة.

الرحلة الأولى للحج:
سافر رحمه الله تعالى سنة 1369هـ.ق، في شهر شوال من طريق “آبادان” والكويت لأداء فريضة الحج إلى الحرمين الشريفين، ووفق في هذه الرحلة أن يزور بيت الله الحرام والحرم النبوي، وقام بمناسك الحج ورجع إلى البلاد بسلامة وعافية.

النشاط في مدرسة “مجمع العلوم سرجو” الدينية:
تبادل الكثيرون من أهل التقوى والإيمان والفضل من منطقة “سرجو”  سنة 1357 آرائهم  في تأسيس مدرسة مجمع العلوم الدينية. وقرر في تلك الجلسة التي كان قد حضرها كبار علماء بلوشستان والقادة الدينيين كفضيلة الشيخ “عبد العزيز ملازاده”، والشيخ “السيد عبد الواحد سيدزاده” والشيخ “قمر الدين ملازهي” رحمهم الله، أن تؤسس هذه المدرسة في منطقة “سرجو” وأن يتولى العلامة السرواني إدارة هذه المدرسة، لكنه اعتذر من القيام بتوليتها في السنة الأولى، وتقبل العلامة “عبد الواحد سيد زاده” رئاستها. ثم بعد سنة من تأسيسها نقل العلامة “السرواني” من قرية “سوران” إلى “سرجو” وتولى إدارة المدرسة المذكورة لمدة 25 سنة (إلى سنة 1401 هـ.ق).
هاجر فضيلته رحمه الله في نفس هذه السنة إلى مدينة “زاهدان” بإشارة بعض الأحبة، ومع قبول مسؤولية القضاء في محكمة الثورة الإسلامية، اشتغل بالخدمة في هذه المدينة كحاكم الشرع، وخلال هذه المدة إيضا لم تفته الخدمة التدريسية، ولم يغفل من أن يواصل نشاطه التعليمي، حيث قام بالتدريس في مدرسة “حماديه جام جم” في زاهدان.

مكانته العلمية:
كان العلامة رحمه الله فقيها بصيرا متبحرا، واشتهر بين الناس بتبحره في هذا العلم؛ وعندما كان يستفتيه أحد فكان يرد عليه من غير المراجعة إلى الكتاب والمنابع. لأجل ذلك لقبه بعض العلماء بـ” فقيه بلوشستان”.
كذلك كانت له مهارة وبراعة في علمي المنطق والفلسفة، وكان يستند في أقواله وخطبه على أسس وقواعد المنطق. وعندما كان يبحث في كل موضوع يقسمه إلى الصغرى والكبرى، ثم يستنبط نتيجته المنطقية، وكان جديرا بذلك، فهو من خاصة تلامذة شيخ المعقول والمنقول الشيخ “إبراهيم البلياوي” رحمه الله.

الخصائص الأخلاقية:
مع أن العلامة “محمد شهداد السراواني” كان من العلماء المتفوقين في العلوم الشرعية والإسلامية ويملك هيبة وكلمة مسموعة بين أقاربه وتلامذته، لكنه كان مع ذلك من أكثر الناس تواضعا، وكان مجلسه دائما مجلس المحبة والمودة، ولكنه كان صريحا وواضحا في بيان الحق والحقيقة والدفاع عنها.

مؤلفاته:
لقد خلف رحمه الله تصانيف علمية قيمة من أبرزها:
1- زبدة العقائد.
2-سرورشهيدان (سيد الشهداء).
3- قول معقول درحكم آمبول (القول المقول في حكم الحقنة).
4- نماز مصور (الصلاة المصورة).
5-فضيلة الجمعة.
6- بيت المقدس والفتوحات الإسلامية.
7- جامع المسائل (في مجلدين).
8- قصة وفاة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
9- إثبات وجود الرب عزوجل.
10-رفع الالتباك عن حكم التنباك.
11- فضائل ومسائل لرمضان.
ألّفت أكثر هذه الكتب باللغة الفارسية.

وكذلك ترجم رحمه الله بعض الكتب من الأردية والعربية إلى الفارسية، منها:
1-تفهيمات سيدنا على رضي الله عنه.
2- زواج أم كلثوم.
3- تيسير المنطق.
4- نماز كامل (الصلاة الكاملة).
5- علوم القرآن.

إلى الرفيق الأعلى:
توجه العلامة “محمد شهداد السراواني” في شعبان سنة 1407 للشماركة في اجتماع الدعوة والتبليغ في منطقة “بنجکور “إلى باكستان، وحضر في إلاجتماع الرائع الذي انعقد في تلك المدينة، ولكن وافته المنية قبل انتهاء الجلسة، والتحق من بين تلك الجماعة إلى الرفيق الأعلى؛ وكأن ذلك كان من مشيئة الرب عز وجل أن لا يعود هذا العالم من رحلته هذه إلى إيران مرة أخرى، ودفن جثمانه في تلك المنطقة.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات