اليوم : 9 نوفمبر , 2010

الإعجاز القرآني وتفصيله

الإعجاز القرآني وتفصيله

لماذا سمي القرآن معجزة النبي صلی الله عليه وسلم، وما هي وجوه الإعجاز، ولماذا عجز الناس كلهم أن يأتوا بمثله؟ وهل هذا صحيح أن البشر لم يقدروا علی أن يأتوا بمثله طيلة أربعة عشر قرناً؟ لقد ألف كثير من المؤلفين حول هذا الموضوع قديماً وحديثاً؛ ويحتاج بيان هذا إلی شيء من التفصيل.وإلی القراء الكرام أهمّ ما بدا لنا في هذا الموضوع:

وجوه إعجاز القرآن الكريم
الوجه الأول:
أنه تحداهم بالإتيان بمثل القرآن، ولمعرفة هذا الوجه يجب أن نلقي أولا نظرة إلی البيئة التي نزل فيها هذا الكتاب. كيف كانت تلك البيئة؟ وكيف كانت حال الشخص الذي نزل عليه هذا الكتاب؟ وما هي الإمكانيات التي تؤهل الشخص علميا حتی يستطيع أن يعدّ كتابا مثل القرآن الكريم الذي هو جامع لعلوم الأولين والآخرين، ويحتوي علی تعاليم قيمة تتعلق بجميع شعب الحياة، ويقدم نظاماً شاملاً لتربية الفرد والمجتمع تربية بدنية روحية. وفيه أصول وقواعد تفيد الإنسان في جميع شؤون الحياة من تدبير المنزل إلی سياسة المدن والبلاد.
أما المنطقة التي أنزل فيها هذا الكتاب فهي منطقة حارّة جافة رملية يقال لها بطحاء مكة؛ إنها لم تكن منطقة زراعية، ولا صناعية، ولا لها طقس جميل ممتع حتی يتمناها هواة السياحة والتنزه، ولا فيها طرق ممهدة يسهل المشي عليها. إنها كانت أرضا منقطعة عن العالم؛ وشبه جزيرة لا تری فيها إلا جبالاً يابسة أو رمالاً حارة. ولا ترى فيها أشجاراً باسقة ولا حدائق خضراء، وقد تقطع مسافة بعيدة لا تمر بقرية عامرة تنزل فيها، ولا توجد فيها مدن كبيرة، وإنما هي قری وأرياف يسكنها رعاة الإبل والغنم. وأما النشاطات العلمية والثقافية فلا تشاهد في مدنها الصغيرة فضلاً عن أريافها، مدرسة ولا كلية ولا جامعة.
نعم! يمتلك أهلها قريحة شعرية وفصاحة وبلاغة فطروا عليها، وهم يفوقون غيرهم فيها؛ إنهم قادرون علی إنشاء الشعر والعبارات؛ وعندما يريدون الكلام كأنهم يرعدون ويبرقون ويمطرون.فتاة منهم تستطيع أن تنشد أشعاراً يعجز عنها الأدباء، ويوجد في هذه المنطقة أناس قليلون يمارسون مهنة التجارة وتصدير الأموال وتوريدها.
في هذه المنطقة وفي إحدي مدنها القديمة ولد النبي الأمي الذي نزل عليه القرآن في أسرة كريمة عرفت بالبر والخير لدی الجميع.
وإليكم بعض أحواله:
توفي أبوه وهو في بطن أمه، فولد يتيماً. ولما بلغ السابعة من عمره توفيت أمه؛ وبما أن أباه كان جواداً كريماً لم يترك مالاً يستفيد منه ولده، فعاش وترعرع في ضيق المعيشة، فلم يجد فرصة للتعلم في بداية عمره؛ كيف وهو لا يجد معهداً للعلم ومركزا للثقافة في مكة. أما القوم الذين هو ينتمي إليهم فلا نشاطات علمية لهم، بل هم أمييون لا يعلمون القراءة ولا الكتابة. فالنبي صلی الله عليه وسلم بحكم تلك الأوضاع والظروف بقي أمياً ولم يتعلم القراءة والكتابة. ولم يكن بمكة عالم يجلس إليه ويتعلم منه تلك العلوم التي توجد في القرآن الكريم.
واقتضت حكمة الله تعالی أن يبقى النبي صلی الله عليه وسلم أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولم يلتفت إلی إنشاد الشعر والقصيدة الذي كان سائدا في تلك البيئة، وكان الناس يتنافسون فيه، فلم ينشد شعراً ولا قصيدة، ولم يشارك في الحفلات الشعرية.
نعم! نشأ منذ صغره كريماً شريفاً ذا فهم وفراسة عجيبة نموذجاً في الخلق والدين والأمانة، ولأجل هذا كان يحترمه كبار العرب حتی المستكبرين منهم ويلقب بـ”الأمين” عند أهل مكة.
وشاءت حكمة الله أن يبقى هذا الأمي أربعين سنة في قومه، فلم يسافر إلی بلدة راقية حتی يقال إنه تعلم العلم من أهلها، وإنما قام برحلتين قصيرتين لأجل التجارة إلی الشام.
فهذا الأمي الذي لم يمس كتاباً ولا قلماً أربعين سنة من عمره ولم يُسمَع منه شعر ولا قصيدة، فاذا أجري علی لسانه كلام بليغ يسمى قرآناً، عجز البشر أن يأتوا بمثله. ألا يدل هذا على كونه معجزة، سيما إذا تحدی الناس جميعاً وطالبهم أن يأتوا بسورة من مثله إن كانوا في شك منه. ثم تدبر من ناحية أخری أن القرآن يتحداهم وهم يسعون بأموالهم وأنفسهعم ليهزموه ويقضوا عليه، ولكن مع ذلك لم يجترأ أحد منهم أن يأتي بسورة قصيرة من مثله. هب أنهم استطاعوا أن يأتوا بمثله، ولكن إتيان رجل أمي بالقرآن وهو لم يمارس إنشاد شعر ولا قصيدة، ألا يدل علی كونه معجزة؟ وهذا شيء لا ينكره جاهل، فضلاً عن عالم.

الوجه الثاني:
– للإعجاز القرآني، أن القرآن نزل لهداية البشر جميعاً، ولكن خاطب العرب بلا واسطة وهم قوم لم يمارسوا علماً ولا فناً، غير أنهم فطروا علی الفصاحة والبلاغة وفاقوا الآخرين فيهما، فالقرآن يتحداهم ويطلب منهم إن كانوا في شك منه فليأتوا بسورة من مثله، ولو كانت هذه المِثلية باعتبار المعنی فحسب كان لهم أن يقولوا ليس هذا مجالنا، ولكن القرآن الكريم عمم التحدي سواء باعتبار اللفظ أو المعنی، فكأنه خيّرهم إن لم يأتوا بمثله معنی فليأتوا بمثله لفظاً، فلماذا لم يفعلوا ذلك وهم فرسان الفصاحة والبلاغة؟ ثم القرآن الكريم تحداهم وأثار غيرتهم بأن يجتمعوا ويتعاونوا جميعاً لعلهم يقدرون علی ذلك، ولكنهم سكتوا تجاه هذا التحدي السافر وعجزوا أن يأتوا بمثل سورة قصيرة منه. ولا يخفی ما قام به العرب كبرائهم من جهود مضنية للقضاء علی الإسلام. إنهم لم يقصروا في مخالفة النبي صلی الله عليه وسلم والصد عن سبيل الله، بدأوا بإيذاء النبي صلی الله عليه وسلم وأصحابه ليصدوهم عن سبيل الله، فلما رأوهم أنهم صامدون، اختاروا طريق الملاطفة، فأرسلوا عتبة بن ربيعة، فأتی النبي صلی الله عليه وسلم ممثلاً قومه ليعرض عليه المال والجمال والملك حتى يترك الدعوة إلی الله، ولكن النبي صلی الله عليه وسلم قرأ آيات من كتاب الله ردّاً علی ما عرضوا. فلما لم ينجح العرب في مهمتهم استعدوا للحرب وبذلوا النفس والنفيس ليصدوا عن سبيل الله.
والجدير بالذكر أنهم فعلوا ما استطاعوا ولكن لم يدّعوا أنهم يقدرون علی أن يأتوا بمثل سورة منه، فعجزهم وسكوتهم إزاء تحدي القرآن الكريم، لدليل واضح أن القرآن ليس من كلام البشر وإنما هو كلام الله المعجز الذي ليس بوسع البشر أن يأتوا بمثله.
ومما يعجب أن الأمر لم ينته إلی هذا، بل ثبت أن كثيراً من العرب سيما الذين رزقوا شيئاً من الإنصاف اعترفوا بأن هذا كتاب لا يمكن لأي بشر أن يأتي بمثله، وقد أسلم أناس منهم واهتدوا كما حرم البعض منهم مع اعترافهم بحقانيته، وإليكم قصص تدل علی اعترافهم بذلك:
1ـ ذكر الإمام السيوطي نقلاً عن ابن اسحاق والبيهقي من طريق عكرمة أو سعيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً ويرد قول بعضكم بعضاً، فقالوا فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأياً نقوم به، فقال بل أنتم، فقولوا لأسمع، فقالوا نقول كاهن، فقال ما هو بكاهن، لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكاهن وسحره، فقالوا نقول مجنون، فقال وما هو بمجنون ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقة ولا تخالجه ولا وسوسته، قال فنقول شاعر، قال فما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قال فنقول ساحر، قال فما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده، فقالوا ما تقول يا أبا عبد شمس؟ قال والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لمعذق وإن فرعه لجنى، فما أنتم بقائلین من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول لأن تقولوا ساحر، فتقولوا: هذا ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه وبين المرء وبين أخيه وبين المرء وبين زوجته وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عند ذلك، فعجلوا يجلسون للناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره. [الخصائص الكبرى 1/ 113] .
ولكن ذهبت جهودهم سدی، فأسلم كثير من العرب وصدروا من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلی الله عليه وسلم وانتشر ذكره في بلاد العرب كلّها.
2ـ وذكر السيوطي نقلاً عن ابن اسحق والبيهقي وأبونعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام النضر بن الحارث بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، فقال يا معشر قريش إنه والله لقد نزل بكم أمر ما ابتليتم بمثله؛ لقد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانة، حتی إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم ساحر؛ لا والله ما هو بساحر، قد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن، لا والله، ما هو بكاهن، وقد رأينا الكهنة وحالهم وسمعنا سجعهم، وقلتم شاعر، لا والله ما هو بشاعر، لقد روينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه، وقلتم مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بجنقه ولا وسوسته ولا تخليطه. يا معشر قريش انظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم. [الخصائص 1/ 114]
وأخرج مسلم عن أبي ذر، قال انطلق أخي أنيس إلی مكة ثم أتاني فقال لقيت رجلاً بمكة يزعم أن الله أرسله، قلت: ما يقول الناس؟ قال: يقولون إنه شاعر وساحر وكاهن، وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله علی أقراء الشعر، فوالله ما يلتئم علی لسان أحد بعدي إنه شعر، ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. قال أبوذر فارتحلت حتی أتيت مكة فأقمت بها ثلاثين من بين يوم وليلة، وما لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتی تكسرت عطن بطني، وما وجدت علی كبدي سخفة جوع. [الخصائص الكبری للإمام السيوطي 1 / 116]

استماع كبار المشركين للقرآن تخفّيا
أخرج ابن اسحاق والبيهقي عن الزهري قال: حدثت أن أبا جهل وأباسفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلی الله عليه وسلم وهو يصلی بالليل في بيته، وأخذ كل رجل منهم مجلساً ليستمع منه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتی إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فتلاوموا. قال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهاءكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلی مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتی إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرّة، ثم انصرفوا، فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتی إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق فقالوا لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا علی ذلك، ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتی أتی أباسفيان في بيته، فقال أخبرني أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال يا أبا ثعلبة لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، فقال الأخنس وأنا والذي حلفت، ثم خرج من عنده حتی أتی أباجهل فدخل عليه بيته، فقال يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتی إذا تجاثينا علی الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتی ندرك هذه والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه، فقام الأخنس بن شريق. [الخصائص الكبرى للامام السيوطي 1/116].
فهذا ما اعترف به الأعداء الألداء، فهم بهذا الاعتراف اعترفوا بعجزهم أمام التحدي القرآني، ولو كان هذا كلام البشر لم يعجزوا أن يأتوا بمثله.
ولو استطاعوا أن يقدموا سطرين مثل القرآن لما ضحّوا بأموالهم وأنفسهم للقضاء علی الإسلام. إنهم اعترفوا بالواقع، لأنهم كانوا واقعیين لا يكذبون، وإن كانوا خاطئين في اعتقادهم، ثم إنهم كانوا يعلمون لو ادعوا الإتيان بمثل القرآن، سوف يفتضحون أمام البلغاء وأهل الفصاحة من العرب. ومن ثم نری أن أكثرهم سكتوا، ومنهم من اعترف بالحق، ومن هذا القبيل اعتراف أسعد بن زرارة، لقد اعترف أمام سيدنا عباس بن عبدالمطلب عمّ النبي صلی الله عليه وسلم.
أخرج أبو نعيم عن الزهري أن أسعد بن زرارة قال يوم العقبة للعباس: نحن قد قطعنا القريب والبعيد وذا الرحم ونشهد أنه رسول الله أرسله من عنده ليس بكذاب، وإن ما جاء به لا يشبه كلام البشر. [الخصائص 1/116] .
وأخرج ابن سعد عن يزيد بن رومان ومحمد بن كعب والشعبي والزهري وغيرهم قالوا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني سليم يقال له قيس بن نسيبة، فسمع كلامه وسأله عن أشياء، فأجابه، فأسلم ورجع إلی قومه فقال لهم: «قد سمعت ترجمة الروم وهينمة فارس وأشعار العرب وكهانة الكاهن وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمد شيئاً من كلامهم، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه، فقدموا عام الفتح فأسلموا وهم سبعمائة، وقيل كانوا ألفاً. [الخصائص 1/ 116]

الوجه الثالث:
– من وجوه إعجاز القرآن، أنه تنبّأ بالمغيبات وما يقع من حوادث في المستقبل، فتحقق ما أخبر به القرآن ووقع ما تنبأ. أخبر القرآن الكريم بغلبة الفارس علی الرومان، ثم نبّأ بأن الرومان سوف يغلبون علی أهل فارس في بضع سنين، أي في أقل من عشر سنين. فلما نزلت الآيات الأولی من سورة الروم وعلم بها الكفار والمشركون، استبعدوها في القياس، بل رأوها ضرباً من الخيال، واشترطوا مع المسلمين أن الروم إذا انتصروا فعلاً، فإنهم يعطون المسلمين عدداً من الإبل؛ وإن لم تتحقق هذه النبوءة فإن المسلمين يعطونهم إياها.
وكان ابوبكر رضي الله عنه الذي كان شريكاً في هذا الشرط، حدد لتحقيق النبوءة خمس سنوات، ولكن لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ذكر له أن البضع متردد بين الثلاث إلی التسع، فليحدد تسع سنين، ففعل أبوبكر ذلك. وكذلك سائر النبوءات القرآنية ظهر منها صدق ما أخبر به القرآن.

الوجه الرابع:
– من وجوه إعجاز القرآن، أنه ذكر من أحوال الأمم السالفة وشرائعهم وتاريخهم ما لم يقدر عليه علماء بني إسرائيل، والذين أوتوا الكتاب، ومن لا يعرف أن النبي صلی الله عليه وسلم الذي أنزل عليه القرآن، لم يدرس في مدرسة ولم يتعلم من عالم ولم يقرأ من كتاب، ثم يری هذا الكتاب يتحدث عن تاريخ بدء الخلق إلی زمن الرسول صلی الله عليه وسلم، يتحدث عن أحوال الشعوب والرجال والشرائع السابقة بالإجمال حيناً وبالتفصيل حيناً آخر. وكل ذلك بالصدق والصحة بحيث لا يبقي مجالاً للشك والريب أنه كلام الله علام الغيوب، وليس من كلام البشر.

الوجه الخامس:
– من وجوه إعجاز القرآن الكريم، أنه أخبر في كثير من آياتها عمّا كانت تخفي صدور كثير من الناس، ثم اعترف أصحاب تلك الصدور بما أخبر القرآن الكريم؛ فهل يقدر أحد على مثل هذا إلا الله الذي هو عالم الغيب والشهادة؟ ومن تلك الآيات قوله تعالی:
{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَالله وَلِيُّهُمَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122]
ومنها قوله تعالی:
{وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ} [مجادلة: 8]
فما كان أحد يدري ما في صدورهم ولا هم أخبروا أحدا، ولكن الله سبحانه علم ما في الصدور.

الوجه السادس:
– من وجوه إعجاز القرآن الكريم، أن القرآن تنبّأ بالنسبة إلی أفراد أو طوائف أنهم لن يقدروا علی فعل كذا وكذا، فكان كما قال القرآن، فلم يقدروا مع أنهم كانوا يملكون إمكانيات لفعل ما يريدون؛ كما أخبر القرآن الكريم أن اليهود لا يتمنون الموت أبداً، و إنهم لو كانوا صادقين في إدعائهم أنهم أولياء الله من دون الناس، فعليهم أن يتمنّوا الموت، لأن المولی يتمنّی لقاء الله. فكانت فرصة اليهود الذين كانوا يعادون المسلمين ويتمنون هزيمتهم سيما المكذبين منهم أن يتمنوا الموت في المجالس، حتى يسمع الآخرون، فتثبت لديهم عدم صدق القرآن، ولكن التاريخ يشهد أنهم لم يفعلوا ذلك. لماذا؟ لأنهم كانوا يعرفون جيداً أن القرآن كلام الله حقاً. إنهم إن يتمنوا الموت يموتوا، فلم يجترئ أحد من اليهود أن يتمنّی الموت ولو باللسان.

الوجه السابع:
– من وجوه الإعجاز، تلك الحالة أو الكيفية التي تعتري كل إنسان – سواء كان مؤمناً أو كافرا – عند استماع القرآن الكريم، كما وقع ذلك لجبير بن مطعم وهو لم يسلم بعد.
جاء جبير إلی النبي صلی الله عليه وسلم وهو يقرأ سورة الطور في صلاة المغرب، فاستمع إليها. يقول جبير: كأن قلبي بدأ يطير؛ هنالك وقع الإسلام في قلبي وأثّر فيه، وكان النبي صلي الله عليه وسلم يتلو هذه الآيات:
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37)» [طور: 37- 35]

الوجه الثامن:
– من وجوه الإعجاز، أن التالي والمستمع لا يملّان من التلاوة والاستماع، بل يزدادان شوقاً وحباً مهما زادت القراءة والاستماع. أما سائر الكتب فليست كذلك. فأي كتاب مُمتع تحبه، إذا قرأته مراراً مللت منه، ثم لا ترغب إليه مثل المرة الأولی، ولكن القرآن ليس كذلك.

الوجه التاسع:
– من وجوه الإعجاز أن الله سبحانه وتعالی ضمن بقائه وحفظه من كل تحريف وتغيير إلی يوم القيامة، وقد حقق الله تعالی ما أراد، وأوفی بعهده، فتجد منذ نزول القرآن الكريم إلی يومنا هذا المئات والآلاف من أبناء المسلمين يحفظون القرآن في صدورهم، ولم يخل زمان من حفظة القرآن الكريم، ومن ثم نری إذا أخطأ عالم كبير من العلماء في كلمة من القرآن أو حركة منه يذكره بذلك صبي من صبيان المسلمين ولا يبالي، فلا يوجد مثل هذا الكتاب عند أي دين من الأديان، ولا يعدله أي كتاب من الكتب. وأما كتب الأديان الأخری البعض منها لا تعرف لغتها الأصلية، و البعض منها لا يدري أحد بأي مراحل مرت حتی وصلت إلی هذه الحالة.
ومن الجدير بالذكر أن القرآن الكريم انتشر في العالم انتشاراً واسعاً لا يدانيه كتاب آخر مع ما كان المسلمون يعانون من قلة إمكانيات الطباعة والنشر.
وأما حفظه وصيانته، فلم يتوقف علی طريق الكتابة والمصحف، بل شاء الله أن يكون محفوظاً في صدور العباد، وذلك لأن الكتب والمصاحف قد تتعرض للحرق والضياع، ولكن الصدور باقية ببقاء أصحابها، فإن فقدت النسخ القرآنية والمصاحف اليوم (لا قدر الله ذلك) فسوف يجتمع الحفظة ويكتبون القرآن من جديد في ساعات دونما أي مشكلة، فكل هذا يدل علی أنه كلام الله حقاً. فكما أن الله سبحانه باق لا يزال، فكذلك كلامه باق إلی الأبد لا يقدر أحد أن يغيّره، فلا ريب فيه وفي أنه معجزة واضحة خالدة.

الوجه العاشر:
– من وجوه إعجاز القرآن تلك العلوم والمعارف التي لا يحيطها كتاب ولا يمكن لأحد أن يحیط بها في المستقبل. كلمات مختصرة وعبارات موجزة تحتوي علی معارف جمة وعلوم شتی تقدم نظاما شاملا للحياة وشعبها المتنوعة. تتكلم بشأن الفرد والمجتمع، من تدبير المنزل إلی سياسة المدن و البلاد، فلا تترك مجالاً إلا وتسلط الأضواء عليه.
وليس ما يقدمه القرآن نظرياً وعلمياً فحسب، بل طبق عملياً فأحدث انقلاباً عظيماً في الفكر والعمل والخلق والاجتماع والمدنية، لا يوجد له نظير في القرون المتقدمة والمتأخرة؛ فهل يكن أن يكون هذا الانقلاب الشامل والمحير للعقول نتیجة فكر إنسان واحد، أميّ نشأ في الأميين؟ كلا! بل كل ذلك من قدرة الله وحسن تدبيره وبركة كلامه.
مخدرات سراپرده هاي قرآني چه دلبرند كه دل مي برند پنهاني
(المعاني الجميلة المخبوءة القرآنية، كأنهن جميلات يأخذن بمجامع القلوب).
هذه هي التأثيرات القرآنية التي تحيّر العقول، ويقف عندها كل عاقل ذي بصيرة حائراً، فلا يجد بداً إلا أن يعترف أن القرآن كتاب الله حقاً، إن لم تطمس بصيرته بالعناد والعصبية، وقد اعترف بذلك عدة من المؤلفين النصاری الذين تدبروا في القرآن، فلم يملكوا إلّا أن يقولوا إنه كتاب ليس كمثله شيء؛ ومنهم المستشرق الفرنسي المدعو بالدكتور «ماردريس» التي عينته وزارة المعارف الفرنسية لترجمة اثنتين وستين سورة من القرآن الكريم، فاعترف بما يلي:
«أما أسلوب القرآن فهو أسلوب الخالق جل وعلا. فإن الأسلوب الذي ينطوي على كنه الكائن الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهياً. والحق الواقع أن أكثر الكتاب شكّا وارتيابا قد خضعوا لسلطان تأثيره. وإن سلطانه على الخمسمائة الملايين المسلمين المنتشرين على سطح المعمورة يبلغ إلى حد جعل “المبشرين” الأجانب يعترفون بالإجماع بعدم إمكان إثبات حادثة واحدة محققة ارتد فيها أحد المسلمين إلى الآن».
ومما يثير العجب أن هذا الاعتراف صدر من مستشرق نصراني، وذلك في زمان غفل المسلمون عن كلام الله و تلاوته والعمل بتعاليمه الغراء.
ويا ليت شاهد الرجل حياة المسلمين الأوائل حيث طبق القرآن في جميع شعب حياتهم وآياته كانت جارية علی ألسنتهم. وكذلك اعترف “المستر وليم ميور” في كتابه «حياة محمد» والآخرون من النصاری ممن رزقوا شيئاً من الإنصاف؛ وقد ألّف الدكتور “شیلي شميل” كتاباً مستقلاً في هذا الموضوع.
قد قدمنا إليكم عشرة وجوه من الإعجاز القرآني، والآن ندعوكم إلی أن تلقوا نظرة إجمالية إلی حياة النبي صلی الله عليه وسلم، حتی تدركوا في ضوءها إعجاز القرآن الكريم.
انظروا إلی حياته الطيبة المباركة؛ يولد يتيماً ولا يدخل كُتّابا ولا مدرسة؛ لا يمس قلماً ولا كتاباً، ولا يدري كتابة اسمه؛ يترعرع ويشيب في هذه الحالة. لا يمارس إنشاد الشعر والقصائد، ولا يشترك في الاحتفالات الشعبية حتی يلقي خطاباً أو محاضرة، إلی أن يبلغ الأربعين من عمره؛ فيصير كهلاً، فإذا يجري علی لسانه كلام معجز شامل للحقائق في نهاية البلاغة والفصاحة؛ كلام يحير العقول ويعجز الناس حتى العلماء والأدباء أن يأتوا بمثله، فيتحدی به العرب والعالمين جميعاً قائلاً من قِبَل رب العالمين: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [بقره: 23]
هنالك يعاديه ويخالفه قومه الذين لقبوه أميناً قبل ذلك، فإذا وجدوا أنه لا يمتنع من دعوة الحق عرضوا عليه المال والحكم، ولكنه لا يقبل ما عرضوا عليه، فيشتد أذی قومه، فيؤذونه ويؤذون أصحابه، ولكنه يتحمل كل ذلك ويصبر على الأذی، ويواصل الدعوة إلی الله ولا یتقاعس، حتی إذا وجدهم يؤامرون قتله، فيغادر الوطن إلی المدينة، ولكن القوم لا يدعونه هناك أيضاً، فيتآمر العرب وأهل الكتاب علی القضاء عليه وعلی الجماعة المؤمنة التي معه، فيهاجمون علی المدينة مراراً ولكنهم لا يجترأون أن يأتوا بمثل القرآن، والقرآن لا يزال يثير غيرتهم ويتحداهم، ولكنهم لا يجيبون.
ومن الجدير بالذكر أن النبي صلی الله عليه وسلم أيضاً لا يستطيع أن يأتي بمثل هذا القرآن، لأن كلامه وحديثه يختلف تماماً عن القرآن، ويعرف ذلك من له أدنی مناسبة باللغة العربية. وإلی هذا تشير هذه الآية:
{قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي}.
تدبروا المعجزات القرآنية الواضحة التي تدل علی أن القرآن كتاب الله، وتدبروا من ناحية أخری المفاهيم والحقائق التي يتحدث عنها القرآن الكريم. كل ذلك يثیر العجب ويدل علی أنه من عند الله الحكيم.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات