اليوم : 26 أكتوبر , 2010

إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم (تفسير آيتي 23 و24 من سورة البقرة)

إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم (تفسير آيتي 23 و24 من سورة البقرة)

«وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(23) ‏ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ‏(24) »

التفسير المختصر
{ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا } من صدق هذا القرآن الذي تتابع إنزالنا له {على عَبْدِنَا } محمد، {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} فحاولوا أن تأتوا بسورة مماثلة من سور القرآن في بلاغتها وأحكامها وعلومها، لأنكم أهل اللغة العربية ولكم مهارة فيها؛ {وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وادّعوا الذين يشهدون لكم أنكم أتيتم بسورة مماثلة له، فاستعينوا بهم إن كنتم صادقين. {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ‏} فإن لم تستطيعوا الإتيان بسورة مماثلة للقرآن ولن تستطيعوا ذلك بحال لأنه ليس في طاقة المخلوقين، فالواجب عليكم أن تجتنبوا الأسباب التي تؤدي بكم إلى عذاب الآخرة، وهو النار التي وقودها وحطبها من الكافرين ومن الأصنام وقد هيأت لتعذيب المنكرين.

فقه الحياة أو الأحكام
المناسبة: الآية الثالثة والعشرون، والرابعة والعشرون من سورة البقرة تثبتان رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مضى ذكر التوحيد قبلهما. إنّ الهداية التي جاء بها القرآن الكريم لها ركنان أساسيان، وهما التوحيد والرسالة، وفي هاتين الآيتين ذكرت الرسالة كما ذكر التوحيد في الآيتين السابقتين بالدليل والبرهان. إن الله سبحانه و تعالى قبل أن يثبت التوحيد ذكر أموراً وأفعالاً لا يقدر عليها إلا الله كخلق السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات من الأرض؛ فهل إله غير الله يفعل ذلك؟ إذن ثبت أنه لا تليق الألوهية إلا بالله الواحد الخالق، فلا معبود بحق سواه.
وكما أنّ البشر عجز أن يخلق السماوات والأرض، كذلك عجز أن يأتي بكلام مثل كلام الله تعالى، فعجزُ البشر جميعاً برهان واضح على أن القرآن كلام الله تعالى وليس بكلام بشرٍ؛ وقد تحدّى الله سبحانه وتعالى البشرية كلّها إن لم يصدقوا أنه من الله تعالى، أن يأتوا بسورة من مثله، ثم خيّرهم أن يتعاونوا جميعاً ويأتمروا معاً لعلهم يقدرون. ثمّ لم يكتف بهذا بل هدّدهم بالنار وخوّفهم من سوء العاقبة إن لم يؤمنوا و لم يأتوا بمثله.
فالقرآن معجزة النبي الخالدة على مرّ العصور والأيام، ودليل واضح على صدقه وحقانية رسالته، وأن معجزاته لكثيرة وعجيبة، ولكن المعجزة الكبرى هي المعجزة العلمية وهي القرآن الكريم، وإن لهذه المعجزة مزية وخصيصة من بين المعجزات الأخرى، وتلك خلودها ودوامها بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بينما المعجزات الأخرى التي ظهرت على أيدي الأنبياء كانت تنتهي بعد أن انتقلوا إلى رحمة الله. ولكن القرآن معجزة باقية إلى يوم القيامة.
{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ …}
قال الإمام الراغب الإصفهاني: الريب أن تتوهم بالشيء أمراً مّا فينكشف عمّا تتوهمه. [المفردات في غريب القرآن للراغب ص:212] .
وقد نفى الريب عن أهل العلم ولو كانوا غير مسلمين، كما قال الله تعالى: {ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون}وقال في بداية سورة البقرة: {لا ريب فيه} وهنا قال: {إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله}. والسورة معناها القطعة المحدودة من جملة القرآن.وفي القرآن الكريم مائة وأربع عشرة سورة، بعضها صغيرة وبعضها كبيرة، وفي هذا الموضع جاء بلفظ النكرة إشارة إلى أن الناس عاجزون أن يأتوا بمثل سورة صغيرة من القرآن، فضلاً عن كبيرة، فالقرآن الكريم يخاطب البشر أجمعين ويتحداهم إن لم يؤمنوا بهذا الكتاب ولم يصدقوا النبي الذي جاء به فعليهم أن يصنعوا سورة مثل سورة صغيرة منه، فإذا عجزوا عن ذلك فليعلموا أن هذا فوق كلام البشر، ولا ريب أنه كلام الله العزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
ولقائل أن يقول: إذا عجزنا نحن عن الإتيان بمثله فليس من اللّازم أن يعجز عنه جميع الناس والجماعات؛ فرد الله هذه الشبهة بقوله: {وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين}. والشهداء جمع الشاهد ومعناه الحاضر والموجود، وإنما سمى الشاهد شاهداً لأنه يشهد في المحكمة؛ والمراد بالشهداء في هذه الآية إما هو عامة الناس الموجودين في العالم، فيكون المعنى: “ادعوا الناس جميعاً لهذه المهمة واستعينوا بهم”، أو المراد بالشهداء الأصنام. فالكفار كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها تشهد لهم يوم القيامة.
في الآية الثانية خوّف الكفار إن لم يفعلوا ذلك أي يأتوا بمثل القرآن ولم يؤمنوا به فعليهم أن يتفكروا كيف ينقذون أنفسهم من النار التي أعدت للمكذبين المنكرين أمثال هؤلاء، فقال عز من قائل: «فإن لم تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين».
ومن الجدير بالتدبر أن القوم الذي كان يخالف الإسلام والقرآن، وكان يضحي بكل ما عنده من نفس ونفيس ليصد عن سبيل الله، أعطى فرصة ليأتي بسورة من مثل القرآن، ثم قيل له لن تستطيع أن تفعل ذلك، فلم يجترأ أحد منهم أن يأتي بمثل القرآن وعجزوا جميعاً. أليس هذا اعترافاً منهم أن القرآن كلام الله وليس في طاقة البشر أن يأتوا بمثله؛ فثبت أن القرآن كتاب الله ومعجزة واضحة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ معجزة خضعت أعناق الناس لها إلى الأبد.

القرآن المعجزة الخالدة إلى يوم القيامة
كانت معجزات الأنبياء عليهم الصلوات والسلام باقية إلى حياتهم ولكن القرآن معجزة خالدة إلى يوم القيامة، وبإمكان أي مؤمن أن يتحدى رجال العلم أن يأتوا بمثله.
وقد تكلم الإمام السيوطي في كتابه «الخصائص الكبرى» بشأن معجزتين خالدتين للنبي صلى الله عليه وسلم أحدهما القرآن الكريم، والثانية ما يشاهد في المنى أن الحصيات التي ترمي بالجمرات لا تبقى بعد مدّة. يقول الإمام السيوطي: هي آية مستمرة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن. ثم ذكر أحاديث أخرجها أبو نعيم والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري: قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حصى الجمار فقال: “ما تقبل منه رفع ولو لا ذلك لرأيتها مثل الجبال”. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن حصى الجمار يرمي وهو كما ترى فقال: “إنه ما تقبل من الجمار رفع ولو لا ذلك لكان مثل ثبير (جبل معروف)”.
وعن ابن عباس قال: “وكل الله به ملكاً ما يتقبل منه رفع وما لم يتقبل ترك”. وقال أبو نعيم: “هذه آية بينة تشهد بصحة نبوة نبينا صلي الله عليه وسلم”. [الخصائص الكبرى، 2/287].
من المعلوم أن هذه الحصيات لم تكن ترفع من قبل الحكومة في الأزمان الماضية وسمعنا أن الحكومة الحالية تهتم بنقلها إلى أماكن أخرى في هذا الزمان.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مزيد من المقالات