اليوم : 25 أكتوبر , 2010

الخواجه حافظ الشيرازي

الخواجه حافظ الشيرازي
hafezيعتز الفرس بشاعرهم المفضّل ” حافظ الشيرازي” وهو الذي فاقت شهرته وشعبيته، حدود لغته حيث أصبح شاعرا محببّاً لدى الإيرانيين كافة، بل وشاعرا عالميا أهدى له الشاعر الألماني الكبير “جوته” أهم دواوينه الشعرية أي: “الديوان الغربي الشرقي”.

فاذا اعتبرنا الشاعر الإيراني “أبوالقاسم الفردوسي”، شاعر الملحمة الفارسية القديمة, و “العطار النيسابوري” شاعر التصوف, و”سعدي الشيرازي” شاعر الموعظة, فان “حافظ الشيرازي” هو شاعر الغزليات بلا منازع .

اسمه ونسبه:
شمس الدين محمد بن بهاء الدين المعروف “حافظ الشيرازي” من أعظم شعراء الغزل في الأدب الفارسي بل الأدب العالمي.
ولا يتوفّر سوى النزر اليسير عن حياة أشهر شاعر غنائي فارسي في التاريخ، وكثير من الاستشهادات والإشارت والتفاصيل التي تحفل بها المعاجم وكتب التاريخ عن حياة حافظ الشيرازي ليست مؤكّدة تماما.

مولده:
ولد حافظ في أوائل القرن الثامن في مدينة “شيراز” عاصمة ولاية فارس جنوب ايران.
تاريخ ولادته على أفضل تقدير عام 726ه/1325م وتاريخ وفاته على أفضل تقدير أيضاً عام 791ه/1388 أو 1389 وعلى هذا يكون قد عاش نحواً من خمس وستين سنة .
و على الرغم من شهرته العالمية، ليست ترجمته واضحة، والمؤكد به هو أنه رجل عالم عارف حافظ ومفسر للقرآن الكريم، أشار إلى هذا المعنى في شعره فقال:

“لم أر أحلى من شعرك يا حافظ … وذلك بسبب القرآن الذي تحفظه في قلبك”.
“إذا بلغ عشقك صراخ حافظ ، فستقرأ القرآن عن ظهر القلب باربع عشرة رواية”
“لم يجمع أحد من حفاظ العالم مثلي لطائف الحكم مع نقاط قرآنية”!.
ومع ذكره المرشد وشيخ الطريقة في أشعاره لم نعرف من هو مرشده ومربيه.

شيراز:
وإذا كانت المدن ترسخ وجودها على الأرض بالاتساع والعمران واستمرار البقاء , فإن بعضها يؤكد خلوده في غمار الزمان بأبنائه العظام. ولاشك أن شيراز تدين بشهرتها الواسعة الآبدة لعلمائها الكبار وعارفيها الفضلاء, ولكنها تدين بشهرتها خاصة لولديها العالميّين العظيمين: سعدي في القرن السابع الهجري, وحافظ في القرن الثامن.
تفيدنا كتب البلدان والتاريخ الإسلامي أن مدينة “شيراز” هي من المدن التي نشأت وازدهرت بعد الفتح الإسلامي وفي أحضان الحضارة الإسلامية الخالدة، ثم صارت عاصمة بلاد فارس الواسعة لأجل موقعها الجغرافي والإسترتيجي..
تقع مدينة  ” شيراز”  عاصمة محافظة  ” فارس ” من حيث الموقع الجغرافي، في الجنوب الغربي من إيران، وهي بمساحة 340 كم، ثالث مدن إيران من حيث المساحة ؛ حيث تأتي مرتبتها بعد “طهران” و”مشهد”، وتنتهي من ناحية الشمال بـ “اصفهان”، ومن الجانب الشرقي محاطة بـ “يزد” و”كرمان”، ومن الجنوب تجاور محافظة “هرمزكان”، كما هي منتهية من الجهة الغربية بـ “بوشهر”.  و بكثافة سكانية تزيد علی 1722331نسمة، تعد المدينة الرابعة على خريطة إيران من حيث السكان.
وشيراز تعني في ذاكرة من يقدر له زيارتها مدينة الجمال , وحاضرة العلم , والثقافة,  والرقة , والظرف الإيراني, مدينة البلابل والورود…
شيراز في وجدان الفرس, مثل أثينا في وجدان اليونانيين , وباريس في عيون الفرنسيين, وكي يفهم الإنسان سر جمال شيراز لابد أن يعرج على ديوان الشيراز بين سعدي وحافظ ,  فهما روح شيراز وأبرز معالمها وأشهر شعرائها .
وهي مدينة إسلامية بناها “محمد بن القاسم بن أبي عقيل ابن عم الحجاج”. وبها جماعة من التابعين مدفونون.
وقيل: شبهت بجوف الأسد لأنه لا يُحمل منها شيء إلى جهة من الجهات ويُحمل إليها، ولذلك سميت “شيراز”. وقيل: سميت بشيراز بن طهمورث.
وقد نسب إلى شيراز جماعة كثيرة من العلماء في كل فن، منهم: أبو إسحاق, إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الفيروزابادي ثم الشيرازي, إمام عصره زهداَ وعلماَ و ورعاً .
ومن المحدثين: القاضي أبو حسان الزيادي الشيرازي, كان فاضلاَ, بارعاَ, ثقة,  ولي قضاء الشرقية للمتوكل, وصنف تاريخاً. وكان قد سمع منه محمد بن إدريس الشافعي واسماعيل بن علية, و وكيع بن الجراح.
ومن الزهاد: أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي توفي بشيراز سنة 371 عن نحو مائة وأربع سنين وخرج مع جنازته المسلمون واليهود والنصارى.
ومن الحفاظ : أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن, الحافظ الشيرازي, وكان صدوقاً, ثقة, حافظاً, يحسن علم الحديث جيداً…
وأحمد بن منصور بن محمد بن عباس الشيرازي الحافظ , من الرحالين المكثرين…
وشمس الدين محمد بن بهاء الدين المعروف بلقب “حافظ الشيرازي”( صاحب هذه الترجمة). وإمام النحو سيبويه وسعدي الشيرازي , المتوفي سنة 690 هـ ق. وغيرهم كثير.
كانت مدينة شيراز معسكراً للمسلمين, لما حاصروا مدينة “اصطخر” ثم جدد حكامها عمارتها, وغدت مدينة عربية إسلامية كالدرة في إقليم فارس, وورثت مجد العاصمة القديمة اصطخر.
ثم أهملت شيراز وفقدت مكانتها حين انتقلت السلطة السياسية إلى البقاع الشمالية من إيران.
وربما كان من الطرف ومن المفيد أن نستجلي بعض محاسن شيراز في زمن حافظ نفسه. فلقد عاصره ابن بطوطة (703/1304-779/1377) وزار في ثنايا رحلته الواسعة الطويلة شيراز. وقد دخلها في سنة 727 (كان حافظ يحبو أو طفق يمشي في العام الأول من عمره) ويقول فيها: “وهي مدينة أصيلة البناء، فسيحة الأرجاء، شهيرة الذكر، منيفة القدر، لها البساتين المونقة, والأنهار المتدفقة, والأسواق البديعة, والشوارع  الرفيعة. وهي كثيرة العمارة , متقنة المباني, عجيبة الترتيب. وأهل كل صناعة في سوقها لا يخالطهم غيرهم.
وأهلها حسان الصور، نظاف الملابس، وليس في الشرق بلدة تداني مدينة دمشق في حسن أسواقها وبساتينها وأنهارها وحسن صور ساكنيها إلا شيراز. وهي في بسيط من أرض تحف بها البساتين من جميع الجهات وتشقها خمسة أنهار أحدها المعروف بركن آباد (تغنى به حافظ) وهو عذب الماء، شديد البرودة في الصيف سخن في الشتاء، فينبعث من عين في سفح جبل هنالك يسمى القُلَيْعة. ومسجدها الأعظم يسمى بالمسجد العتيق وهو من أكبر المساجد ساحة وأحسنها بناء. وصحنه متسع مفروش بالمرمر. ويغسل في أوان الحر كل ليلة… وبشماله باب يعرف بباب حسن يفضي إلى سوق الفاكهة. وهي من أبدع الأسواق. وأنا أقول بتفضيلها على سوق باب البريد من دمشق.
وأهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف وخصوصاً نساءها. وهن يلبسن الخفاف ويخرجن ملتحفات متبرقعات فلا يظهر منهن شيء. ولهن الصدقات والإيثار. ومن غريب حالهن أنهن يجتمعن لسماع الواعظ في كل يوم اثنين وخميس وجمعة بالجامع الأعظم. فربما اجتمع منهن الألف والألفان بأيديهن المراوح يروحّن بها عن أنفسهن من شدة الحرّ. ولم أر النساء في مثل عددهن في بلدة من البلاد”.
لقد قابل ابن بطوطة بين شيراز عاصمة ولاية فارس إذ ذاك ودمشق عاصمة بلاد الشام في حسن الأسواق والبساتين والأنهار، ولاسيما بين سوق الفاكهة في الأولى وسوق باب البريد في الثانية. وتلك مظاهر تتبدل مع الزمان في التنظيم وشكل العمران.

نشأته العلمية:
اتجه شمس الدين منذ نعومة أظفاره إلى الكتّاب والمدرسة, وأقبل خاصة على دراسة علوم الدين واللغة العربية والفارسية وبرع في ذلك كله، وحفظ القرآن الكريم وهو فتى فوصف بالحافظ، حتى غدا هذا الوصف لقباً له شُهِر به وتمسك هو به حتى جعله اسماً له يزهى به.  بل كان يعزو الفضل في لطف شعره وسحر بيانه إلى ما يرمز إليه  هذا اللقب. وله بيت من الشعر الفارسي يفيد هذا المعنى:

ما رأيت ألطف من شعرك يا حافظ                بالقرآن  الذي  يكنّه   صدرك

أساتذته:
وتتلمّذ علي يد علماء عصره وتعلم العلوم والتفسير والحكمة والادب العربي, كما وأنّه تأثر كثيرا بالشعر العربي الجاهلي, والأموي, والعباسي, وخاصة شعرأبي طيب المتنبي. بل ونرى في شعره تاثيرا لغزليات الخليفة الأموي يزيد بن معاوية (رضي الله عنه).

مهاراته في اللغة العربية:
وقد أجاد اللغة العربية إجادة تامة, واطّلع على التآليف العربية التي كانت متيسرة ورائجة في بلده شيراز.
درس “الكشاف عن حقائق التنزيل” لأبي القاسم جار الله الزمخشري (متوفى 538) و “المصباح” في النحو للإمام ناصر بن عبد السيد المطرزي، (متوفى 610) و “طوالع الأنوار من مطالع العلوم” في البلاغة وفي بقية العلوم للعلامة سراج الدين يوسف أبي يعقوب السكاكي (متوفى عام 626).
ونلاحظ أن هؤلاء المؤلفين جميعهم من إيران وخوارزم. وأحدهم وهو البيضاوي أبو الخير ناصر الدين عبد الله بن عمر نسبته إلى البيضاء وهي مدينة بإقليم فارس قريبة من شيراز تدعى اليوم تل بيضا، اسمها عربي مفرد في فارس، دعاها بهذا الاسم الجنود العرب الذين عسكروا فيها بعد إذ حصنوها حين حاصروا اصطخر زمن الفتح الإسلامي.

رحلاته:

وقد نشأ حافظ وشهر بعلمه واطلاعه على العلوم العربية, والآداب العربية والفارسية, وسمي معلماً في مدرسة شيراز. وهو قد أحب مدينته حب سلفه سعدي لها، ولكنه لم يقم على خلاف سعدي بأسفار طويلة …
وقيل : أمضى حافظ معظم حياته في شيراز, ولم يسافر سوى مرة واحدة كانت إلى مدينة يزد.

ديوانه:
تجدر الإشارة إلى أن الرحالة والكاتبة البريطانية ” غيرترود بيل” قامت بترجمة ديوان حافظ من الفارسية إلى الانجليزية.
كما ُترجم الديوان إلى معظم لغات العالم، وتحدّث عنه مفكّرون وفلاسفة كبار من أمثال : “غوته” , و “إيمرسون”, و “ادوارد فيتزجيرالد” مترجم رباعيات الخيام الذي وصف الشاعر بقوله: حافظ أفضل عازف على الكلمات”.

الأحوال السياسية:

تعرضت محاسن شيراز في القرن الثامن الهجري لعواصف سياسية وحروب داخلية دامية.
ذلك أنه لما انقرض الايلخانيون عمد بعض القادة والولاة إلى إعلان استقلالهم في ولايات إيران. فنشأت فيها دويلات محلية مستبدة تقيم حكمها على أساس روابط الأسرة فكانت تتنافس وتتطاحن وبقيت كذلك حتى فاجأها تيمورلنك المتعصب الغاشم في نهاية القرن الثامن بغزواته المدمرة.
حوصرت هذه المدينة في زمن حافظ نحو خمس مرات, وتداول حكمها الأمراء والملوك من تلك الأسر فكانت الحياة الاجتماعية فيها بين مدّ وجزر وشدة ويسر, تتعرض حيناً لوابل من الدماء, وتزخر تارة بالمحافل والأعياد، تتراخى العادات والأعراف فيها طوراً، ويسودها التقشف والزهادة طوراً آخر، وتتلاطم فيها السلطات تلاطم الأمواج في البحر المزبد…
أما حافظ فشق طريقه في قرض الشعر ولمع فيه عَلَماً مجلياً، وكان يراقب صروف الحياة دون أن يتورط في تياراتها ولا في صروفها المفاجئة. فلا نجد في شعره إلا إشارات خاطفة..
وقد شهد وهو في ريعان شبابه كيف استولى أبو إسحاق اينجوعلى شيراز مرة ثانية سنة 743 ولبث حاكماً لها عشر سنوات حتى سنة 754.
وقد تمكن “مبارز الدين محمد” مؤسس دولة المظفريين, أن يهزم أبا إسحاق حين داهمه على أبواب شيراز ؛ ففر إلى أصفهان, واحتمى بها حتى سنة 758 ه , حين وقع أسيراً في أيدي آل المظفر فسيق إلى شيراز التي حكمها من قبل, فأعدم في ميدانها, وأدرج مبارز الدين شيراز وأصفهان في عداد مملكته.
وما زالوا يتطاحنون حتى غشيهم صليل السيوف في جيش تيمور فأبادهم جميعاً.

شهرته:
طارت شهرة حافظ في الآفاق داخل إيران وخارجها و ترجم ديوانه إلى سبع وعشرين لغة. حتى أن الشاعر الألماني الشهير “غوته” قد عدّه أحد الأعمدة التي قام عليها صرح الآداب العالمية.
ومن المعروف أنّ شهرة حافظ الشيرازي في العالم العربي وكل العالم أقل من عمر الخيام بالرغم من الترجمات العديدة التي تمت لديوانه.
ويعزو النقاد السبب إلى أنّ شعر حافظ عسير الترجمة بسبب صعوبة ترجمة المفردات الفارسية التي يستخدمها فيما لا توجد مثل هذه الصعوبة في رباعيات الخيام بسبب تركيز الاخير على الفكرة والفلسفة والمضمون في شعره دون الاهتمام كثيرا بجماليات الشكل، فيما لا يمكن فصل مضمون الشعر لدى حافظ الشيرازي عن شكله الفني الرائع.
وقد أثار الشاعر المعاصر أحمد شاملو (المتوفي عام 2000) ، ضجة في أوساط القوميين الفرس عندما أعلن أنّ حافظ الشيرازي هو الشاعر الحقيقي للغة الفارسية, وأنّ الفردوسي ليس شاعرا إذا قورن بحافظ بل إنّه (ناظما) فقط.

من أشعار حافظ الشيرازي:
إنّ المواضيعَ الرئيسيةَ من غزليات الشيرازي كانت عن الحب، و احتفال النبيذِ، و تعرية نفاق أولئك الأشخاص الذين وَضعوا أنفسهم كأولياء أمور، وأمثلة عن الإستقامةِ الأخلاقية….
ففي مقدمة ديوانه المعروف “حافظ نامة”، أي “رسالة حافظ”، كتب قصيدة كان صدر البيت الأول فيها باللغة العربية وعجزه باللغة الفارسية، حيث أنشد:

ألا يا أيها الساقي أدر كأساً وناولها      كه عشق آسان نمود اول ولي افتاد مشكلها

إنّ العجز في البيت يشير الى أنّ ” العشق يبدو في بادئ الأمر يسيراً، ولكنّه يتضح لاحقاً انّه لا يجلب إلّا الهوان”.

ببوى نافه كاخرصبا زان طره بكشايد    زتاب جعد مشكينش جه خون افتاد در دلها

إذا ما تنوى رؤيته فلا تغب عنه يا حافظ         متى ما تلق مَن تهوى دع الدنيا و أهملها
بنو الدهر موتى ولكننا                خلدنا بعشقك في العالم
فيا شجر السرو كم دمعة         بكى الظلم فيها على الظالم!

***

ورغم أن شعر حافظ الذي يتضمنّه ديوانه يتحدّى التصنيف المألوف إلا أنّه يمكن تقسيمه إلى أربعة مواضيع:
1ــ قصائد تتعامل أساسا مع الحبّ الصوفي ومع النبيذ والأزهار والعشّاق كرموز.
2ــ وقصائد يعمد فيها الشاعر إلى الانتقال السريع من فكرة أو صورة لأخرى.
3ــ وقصائد شبيهة بالنوع الثاني غير أنها أكثر تكثيفا وعمقا من الناحية الفلسفية ويغلب عليها الغموض والأفكار البالغة التعقيد.
4ــ وأخيرا قصائد تحتوي على جرعة كبيرة نسبيا من النبرات السياسية والاجتماعية ويمكن أن نعزو هذا الملمح إلى المراحل المتعدّدة في حياة الشاعر.
ثم إنّ هناك أموراً أخرى لابد من جلائها.
ذلك أنّ شعر حافظ يختلف دارسوه وشراحه في حقيقة مقاصده, أكان يريد بالخمرة بنت الكرم, وبالأحباء بنات شيراز الشهيرات بالجمال والإغراء ذوات العيون السود السابية, والثغور النقية, والقدود المائسة, وضفائر الشعر المسبلة على الكتفين, والحديث الناعم, والشذا الفاغم,
أم يريد معاني غير ذلك يحار في تأملها الدرويش الصوفي ويغرق في لآلائها فكر الشاعر الحكيم.. أوكان حافظ يلازم حقاً خمارات المجوس وأديرتهم؟
أم كان يرمز بها إلى الظواهر المادية التي كان يتجاوز أشكالها إلى ما وراء ذلك من لُبانات مثالية عالية؟…
إنّ ذلك الإبهام يسبغ على أشعار حافظ صفة الرمز.
إن الحب والوجد والكأس والشراب والحبيب والربيع والخضرة والرياحين كلها أمور يميل إليها الطبع ويأنس بها القلب وتستلذها الفطرة الإنسانية، ولهذا قرنها الشعراء منذ القديم بأشياء مستحبة وملذوذة أو شبهوها بها، فالوجد يشبه النشوة, والحب يشبه السكر, والشراب بحسب ألوانه يذكر بالورد أو الياقوت ورائحة التفاح أحياناً وغيرها…
كما أنّهم شبهوا وجه الحبيب بالقمر أو الشمس, وثغره بالدر, وقوامه بالغصن, وشذاه بالعبير، وما إلى ذلك من صور شعرية فاتنة، ثم إنّ الربيع يحكي شباب العمر، وتكاد الخضرة والبساتين والرياحين تمثل الجنان..
وقد نستعمل في علم البيان المشبه به مكان المشبه, فتلك هي الاستعارة والمجاز, ويضاف إلى ذلك الكناية والتلميح , وما إلى ذلك من وسائل التعبير التي تضفي ستاراً على المقصود الحقيقي, ولكنها تلمح به أو تشف عنه، وذلك هو جوهر الرمز الشعري…

من شعره العربي:
إن التمكن من الثقافتين العربية والفارسية أفاد حافظاً في قريضه وبلاغته. وقد أشار في غزليته رقم 28 إلى استفادته من البلاغة العربية.
فهو يقول ما معناه: “ليس من الأدب التمدح وإظهار الفضل أمام الحبيب. ولهذا فلساني صامت ولكن فمي حافل ببلاغة العرب”.
وقد نسب إليه شعر بالعربية ولكنه لا يرتفع إلى مستوى شعره بالفارسية. والذي نظنه أن الشعر الذي نظمه بالعربية ينبغي أن يكون أكثر من الذي وصل إلينا نظراً لتضلع حافظ من هذه اللغة ومعرفة آدابها معرفة عميقة. وربما ضاع في المحن وفي غبار الزمن.

ألم يأنِ للأحباب أن يترحموا                         وللناقضين العهد أن يتندموا
ألم يأتهم أنباء من بات بعدهم                     وفي قلبه نار الأسى تتضرم
فيا ليت قومي يعلمون بما جرى                على مرتجٍ منهم فيعفوا ويرحموا
حكى الدمع عني والجوانح أضمرت              فيا عجباً من صامت يتكلم

قصيدته في وصف بغداد المنكوبة:

حبست بجفني المدامع لا تجري          فلما طغا الماء استطال على السكر
نسيم صبا بغداد بعد خرابهــــــا          تمنيت لو كانت تمر على قبــــــري
لأن هلاك النفس عند أولى النهى        أحب له من عيش منقبض الصــدر
طبيباً جس نبضي مداويـــــــــاً           إليك،فما شكواي من مرض تبـري
لزمت اصطباراًحيث كنت مفارقاً         وهذا فراق لا يعالج بالصبــــــــــــر
تسائلني عما يوم حصرهــــــــم           وذلك مما ليس يدخل في الحصـــر
أديرت كؤوس الموت حتى كأنه          رؤوس الاسارى ترجحن من السكر
لقد ثكلن ام القرى ولكعبـــــــــة          مدامع بالميزاب تسكب في الحجــر
بكت جدر المستنصرية ندبــــــة          على العلماء الراسخين ذوى الحجر
نوائب دهر ليتني مت قبلهــــــا           ولم أر عدوان السفيه على الحبـــر
محابر تبكي بعدهم بسوادهـــــا           وبعض قلوب الناس احلك من حبر

على أن العصر الثامن الهجري مع ما خامره من فتن واضطراب في مختلف أرجاء العالم الإسلامي الواسع لم ينفك عن متابعة الازدهار اللغوي والأدبي والعلمي وعن التقدم في أكثر مظاهر المدينة. ذلكم أن عناصر المدينة من سياسة وإدارة واقتصاد وعلوم وفنون لا تجري في تطورها على نسق واحد. وإذا شئنا أن نستعمل تعبيراً اجتماعياً حديثاً قلنا إن المتغيرات الحضارية والاجتماعية لا تتبع في تغيرها المستمر خطاً بيانياً واحداً. بل لكل منها خط بياني في تطوره وإن كانت جميعاً تلفها حضارة واحدة. وهكذا نجد في هذا العصر مع اضطرابه وفتنه وقلاقله من قل أشباههم وندر أمثالهم. وحسبنا هنا أن نشير إلى ثلاثة من معاصري حافظ ومواطنيه ممن بلغوا القمة في علومهم.
ولد عبد الرحمن عضد الدين الايجي (860؟/1281؟-756/1355) بايج من نواحي  شيراز. وولد مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الشيرازي الفيروزأبادي (729-816) في بلدة كارزين القريبة من فيروزآباد وقد درس في شيراز.
وولد السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني (740-813) في بليدة من نواحي جرجان في شمالي إيران. ولكنه التحق في سنة 779 بخدمة الشاه شجاع الذي جعله أستاذاً في مدرسة “دار الشفاء” في شيراز. وربما كان زميلاً لحافظ لبعض الوقت.
على أنّ بلاد العرب وبلاد الإسلام كلها كانت تتألق بالعلماء والشعراء والمؤلفين في هذا العصر كما في العصور الأخرى.نذكر على سبيل الإختصار:
الإمام ابن تيمية (728) والسلطان المؤرخ أبو الفداء (732)، وشهاب الدين النويري صاحب “نهاية الأرب في فنون الأدب” (733) وابن فضل الله العمري صاحب كتاب “مسالك الأبصار في ممالك الأمصار” (748) وشمس الدين الذهبي الحافظ المؤرخ (748) والشاعر عمر بن الوردي (749) وابن قيّم الجوزية (751) وابن هشام النحوي (761) وصلاح الدين الصفدي (764) وابن كثير المحدث والمؤرخ صاحب كتاب “البداية والنهاية” (774) ولسان الدين الخطيب الغرناطي الأندلسي (776) ومسعود بن عمر التفتازاني (793) وعبد الرحمن بن خلدون صاحب المقدمة والتاريخ المشهورين الذي رحل إلى مصر فأكرمه سلطانها الظاهر برقوق ثم قدم دمشق عند محاصرة تيمورلنك لها وقابل الطاغية على أبوابها(808).

النقد على أشعاره:
وقد انتُقد حافظ كغيره من الشعراء والعلماء…
هذا وقد قالت العرب قديماً: “من ألّف فقد استَهْدَف” أي من ألف كتاباً أو شعراً أو غيرهما فقد عرض تأليفه للنقد.
يستخدم حافظ  مصطلحات مثل «باده ومي» وتعنيان الشراب و«ميكدة» وتعني محل الشرب, ويقصد منهما معان عرفانية وليس المعنى الظاهري لمثل هذه الكلمات.
وقد أفرط القدماء في وصفه, فنعتوه بترجمان الأسرار.. التي لا تخلو من التكلف والاضطراب…
والغريب أن حافظ ينظر إليه في البلدان الناطقة بالفارسية اليومية كإيران وافغانستان والجمهوريات الجنوبية من الاتحاد السوفياتي السابق ليس فقط باعتباره شاعرا عظيما بل متنبئ أيضا أو ما يطلقون عليه لسان الغيب وترجمان الأسرار، بمعنى أن لشعره نكهة لها طابع القداسة والإلهام!!.
ويختلف النقاد والشعراء في عقيدة حافظ الشيرازي ونظرته للحياة.. وبعد وفاته مباشرة نسجت الكثير من القصص والأساطير عن حياته.
وفي العقود الأخيرة لجأ بعض الشعراء إلى نشر شعرهم المثير للجدل ممهورا باسم حافظ…

وفاته:
توفي حافظ الشيرازي عام 791ه/1388 أو 1389م. ودفن في حديقة سميت فيما بعد بالحافظية تكريما له.

******************
من مصادر البحث:

ديوان حافظ شيرازي از نسخه محمد قزويني
حافظ الشيرازي والتراث العربي أسرار الإبداع في شاعريته – د.عبد الكريم اليافي
موقع (التبيان)
موقع ( زاوية)
حافظ شيرازي   دكتورة.م انوار صفار  
wikipedia.orgwiki

الكاتب: الشيخ أبو محمد البلوشي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات