اليوم : 30 سبتمبر , 2010

عماد الدين الكاتب الإصبهاني

عماد الدين الكاتب الإصبهاني
emad-esfahaniأديب وشاعر، متولي الكتابة لملكين عادلين صالحين من ملوك الإسلام والمسلمين، هما نورالدين وصلاح الدين، وأحد النجوم اللامعة في سماء الأدب والشعر الإسلامي، والذي بلغ أعلى الدرجات في الفصاحة وصناعة الكتابة، صاحب النظم والنثر المحسنين البليغين.

إسمه ونسبه:
إسمه الكامل: الشيخ محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود ابن هبة الله بن أله (بمعنى العقاب) الأصبهاني. ولقب بالكاتب لتوليته الكتابة لنورالدين الزنكي وصلاح الدين الأيوبي رحمهما الله تعالى.

مولده:
ولد بأصبهان في بيت من بيوت الرياسة والكتابة فيها، فوالده صفي الدين محمد من أعيانها، وعمه العزيز أحمد بن حامد من شعرائها، وقد وزر للسلطان محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي.

مدينة إصبهان:
تقع هذه المدينة التي نبغ فيها العلماء في كل فن، في وسط ايران وتميل إلی غربها أكثر، وهي في جنوب العاصمة طهران تبعد عنها 313 أو 420 كيلومتراً، ما يزيد في حسنها أن عرضها شمالي وطولها شرقي. درجتها في خط الإستوا 32 و 38 . قد فاقت بجودة تربتها واستعدادها للزراعة وعذوبة مائها وطيب هوائها علی أكثر المدن الإيرانية، ومما زاد في حسن موقعها وجمالها أنها تقع علی ضفة النهر المشهورة بـ “زاينده رود” وهو يجري اليوم داخلها ومن هنا كان كثير من الملوك والأمراء يؤثرون اصبهان علی غيرها من المدن عاصمة للبلاد.
وذكر في كتاب “جغرافيا ايران” ص 85: أن اصفهان كانت عاصمة ايران في عهد آل بويه والسلاجقة والصفويين.
أما حدود اصفهان ومساحتها اليوم فهو كالتالي: يحيط بها من الشمال “أردستان” ونواحي “كاشان” و”كلبايكان” ومن الجنوب مدينة “ابازه” و”بهبان” ومن الشرق مدينة “يزد” و”نائين” ومن الغرب نواحي “بختياري” وحدود منطقة “خوزستان”. (جغرافياي ايران ص 86 المقرر للسنة الثانية من الثانوية الحكومية)
فلا شك أن اصفهان ثالثة مدن ايران بعد العاصمة وتبريز.
وقد بالغ بعض، فقالوا: اصفهان نصف جهان، أي اصفهان نصف الدنيا.
نظراً لأهميتها وتبيين مميزاتها، أصبحت اصفهان محط أنظار الناس ومثار إعجابهم، فعلت بهذا منزلتها وزادت أهميتها واحتلت مكاناً علياً بين بقية المدن المجاورة لها، وظهر هذا الأثر بكثرة فيمن خرّجت من العلماء الأئمة والصناع المهرة والتجار الحاذقين. قال ميرزا حسن الأنصاري: نظراً لأهمية اصفهان هاجرت قبائل من العرب إليها من بني ثقيف وبني تميم وخزاعة وعبد القيس وبني خبة. (تاريخ اصفهان ص 13)
بل كان بعض التابعين يتمنی أن يكون من أهل اصفهان، فهذا سعيد بن المسيب التابعي الجليل يقول: لو لم أكن رجلا من قريش لأحببت أن أكون من أهل فارس أو اصبهان. وفي رواية أخری لأبي نعيم: لو تمنيت أن أكون من أهل بلد لتمنيت أن أكون من أهل اصبهان. (مقدمة الطبقات لأبي الشيخ ص 3 واخبار اصفهان 1/39 اسناده حسن لأبي النعيم)
فلا عجب إذاً أن تصبح اصفهان دار السنة فيما بعد ومهاجر العلماء ومحط رحلهم، وكان المساجد والمدارس محل نشاط العلماء، وقد بنی نظام الملك في القرن الخامس عدة مدارس في عدة مدن، منها اصفهان وبغداد والبصرة وهراة و نيشابور. (گنجينه آثار تاريخي اصفهان 59، تاريخ اصفهان ص 216، تاريخچه اوقاف اصفهان)..

رحلته في طلب العلم:
اعتنى والد عماد الدين بتعليمه باكراً، فأسمعه الحديث من شيوخها، وعمره نحو ست سنوات.
قطع عليه تعليمه آنذاك المحنة التي ألمت بعمه العزيز وانتهت به سجيناً بقلعة تكريت، وكان واليها حينئذ نجم الدين أيوب والد صلاح الدين، وقد سعى في إنقاذه فلم يفلح، حيث قتل سنة 526هـ/1132م، وأصابت هذه المحنة أباه فاعتقل، فلما أفرج عنه توجّس شرّاً من بقائه بأصبهان، فخرج منها بأهله نحو العراق خائفاً يترقب، فوصل إلى بغداد سنة 534هـ/1140م، وعمر العماد نحو الخامسة عشرة، فانتظم في المدرسة النظامية، ودرس على شيوخها الفقه الشافعي حتى أتقنه، وفنون الأدب حتى برع فيها، وممن كان يدرس معه في تلك الفترة محي الدين محمد بن القاضي كمال الدين محمد ابن عبد الله الشهرزوري، رفيق صباه.
عاد العماد مع أبيه إلى أصبهان سنة 543هـ/1148م متخفيين في زي طلبة العلم، وعاد العماد إلى لقاء فضلائها، وصحبة علمائها، حتى خرج منها سنة 548هـ/1154م إلى مكة المكرمة حاجاً، ثم عاد إليها، وبقي فيها حتى سنة 551هـ/1156م، ثم خرج منها مع أبيه قاصدين بغداد للإقامة فيها.
استوت لديه صناعة الكتابة وعمره اثنتان وثلاثون سنة، وبغداد حينئذٍ تنعم في ظل وزيرها عون الدين يحيى بن هبيرة باستقرار آمن، فلما اتصل العماد به عرف الوزير كفايته، فولاه النيابة عنه بالبصرة، ثم بواسط، فعاش العماد ناعم البال، مشمولاً بعطف الوزير حتى وفاته مسموماً في سنة 560هـ/1165م، عندئذ تشتت شمل المنتسبين إليه، واعتقل أتباعه، وكان العماد في جملة من اعتقل، فلبث في السجن نحو ثلاثة أشهر، استعطف في أثنائها الخليفة المستنجد بالله بشعره حتى أمر بإطلاقه في شعبان، وقد قضى العماد بعد خروجه من السجن سنتين في بغداد منكد العيش، قلقاً، حتى خرج منها إلى دمشق، حيث حاكمها العادل نور الدين محمود بن زنكي، فوصل إليها في شعبان سنة 562هـ/1167م، واستقبله قاضيها كمال الدين الشهر زوري والدُ رفيق صباه محيي الدين، وأنزله بالمدرسة النورية الشافعية عند باب الفرج، أحد أبواب دمشق، وسارع من الغد نجم الدين أيوب للسلام عليه، لما كان بينه وبين عمه العزيز من مودة قديمة، وكان صلاح الدين حينئذ في مصر مع عمه أسد الدين شيركوه يدفعان عنها عادية الفرنج، ولما رجعا مدح العماد كل واحد  منهما بقصيدة، كما مدح من قبل نجم الدين أيوب.

عماد الدين كاتبا لنور الدين وصلاح الدين:
وكان القاضي كمال الدين يزوره ويحضر مجالسه، فأعجب بغزارة علمه، ذكره عند السلطان نور الدين، وأشار عليه بتوليته كتابة الإنشاء، وخاصة أنه يجيد الكتابة بالفارسية إجادته العربية، فولاه ديوان الإنشاء في أول سنة 563هـ/1167م،  وصار شاعره المشيد بأوصافه ومناقبه وغزواته بأحسن العبارات، وأتمها نظماً ونثراً، وقد بلغ عنده منزلة رفيعة، فولاه 567هـ/1171م المدرسة النورية الشافعية، فصارت تنسب إليه، فيقال المدرسة العمادية، وفي سنة 568هـ/117م ولاه مشرفاً بالديوان، ثم ولاه ديوان الاستيفاء، فجمع له ثلاثة مناصب في وقت واحد، بين الإشراف والاستيفاء ومنصب الإنشاء.
اتصل العماد، بعد وفاة نور الدين سنة 569هـ/1174م، بالقاضي الفاضل، الذي أشار على صلاح الدين بتوليته ديوان الإنشاء الذي كان يتولاه القاضي الفاضل؛ لأن أمور الدولة كانت تضطره أحياناً إلى الإقامة بمصر.

مؤلفاته:
بعد وفاة صلاح الدين تولى دمشق ابنه الأفضل علي، وتولى مصر ابنه العزيز عثمان، وسرعان ما دب الخلاف بينهما، يؤرث ناره عمهما العادل سعياً وراء موطئ قدم له في مملكة أخيه الواسعة، ووجد العماد نفسه وهو في نحو السبعين مهملاً مجفواً، فانزوى في مدرسته العمادية يدون في صحائفه ما جرى من وقائع في أيامه، فعكف على تأليف كتابه «البرق الشامي» سارداً فيه الوقائع والحوادث من سنة قدومه دمشق سنة 562هـ/1167م حتى وفاة صلاح الدين سنة 589هـ/1193م، وإنما سماه بهذا الاسم لأنه شبه أوقاته التي قضاها في ظل نور الدين وصلاح الدين بالبرق الخاطف لطيبها وسرعة انقضائها.
خلّد العماد انتصار صلاح الدين على الفرنج في معركة حطين، وفتحه بيت المقدس بكتاب آخر سماه «الفتح القسي في الفتح القدسي». ودوّن العماد في رسالته الأولى «عتبى الزمان في عقبى الحدثان» ما جرى له من أحداث بعد وفاة صلاح الدين إلى أواخر سنة 592هـ/1196م، ثم كانت رسالته الثانية «نحلة الرحلة وحيلة العطلة»، وله مؤلفات أخرى منها: «البرق الشامي» و«الفتح القسي»، و«نصرة الفترة وعصرة الفطرة في أخبار الوزراء السلجوقية»، و«خريدة القصر وجريدة العصر» جمع فيه تراجم شعراء الشام والعراق ومصر والجزيرة والمغرب وفارس ممن كان بعد سنة 500هـ إلى ما بعد سنة 570هـ. و لغته في كتبه مثقلة بالمحسنات اللفظية على طريقة كتّاب ذلك العصر. ولم يصل إلينا من تآليفه إلا القليل.

وفاته:
توفي العماد في دمشق تاركاً آخر مؤلف له «خطفة البارق وعطفة الشارق» دون فيه حوادث سنة 593هـ/1197م حتى سنة 597هـ/1201م.  
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات