اليوم : 14 يوليو , 2010

انتبه..أنت في شهر شعبان

انتبه..أنت في شهر شعبان

shaban02روى الإمام أحمد والنسائي من حديث أسامة بن زيد أنه قال واصفا حال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” … ولم يكن يصوم من شهر من الشهور ما يصوم من شعبان ، فقلت: يا رسول الله ، إنك تصوم لا تكاد أن تفطر ، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلا يومين إن دخلا فى صيامك وإلا صمتهما ، قال: أى يومين ؟ قال: قلت : يوم الإثنين ويوم الخميس ، قال: ذانك يومان تعرض فيها الأعمال على رب العالمين ، وأحب أن يعرض عملى وأنا صائم ، قال: قلت: ولم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان ، قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ، وهو شهر يرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم “. 
هذا هو حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان، يكثر فيه الصيام ، حتى إنه كان يصومه كله كما روت عنه عائشة[متفق عليه]، ولما لم تكن هذه عادته أن يستكمل صيام شهر غير رمضان، كما لم تكن عادته أن يداوم على صيام أيام بعينها سوى يومي الإثنين والخميس، لما كان الأمر كذلك سأله الصحابة عن سر هذا التخصيص والمداومة، فأتت الإجابة أن هذه الأوقات ( الإثنين والخميس وشهر شعبان) أوقات تعرض فيها الأعمال على الله، وأنه صلى الله عليه وسلم يحب أن يعرض عمله على الله وهو صائم؟
ولكن يبقى السؤال: لماذا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرض عمله على الله وهو صائم؟
إن حبه صلى الله عليه وسلم ذلك يتضمن أمرين اثنين:
1-    أنه يحب أن يرفع عمله وهو متلبس بقربة يتقرب بها إلى ربه.
2-    أنه يحب أن تكون هذه القربة الصيام من بين القرب كلها.
أما الأمر الأول، فمرده إلى غلبة الوجل وفرط الإشفاق، يقول الله عز وجل : ” وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون/60]
{ والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ } أي يعطون ما أعطوا من الصدقات { وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } خائفة من أن لا يقبل منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذوا به .
يقول العلامة الآلوسي :
ووجه تعليل الخوف من عدم القبول وعدم وقوع فعلهم كائناً ما كان على الوجه اللائق بأنهم راجعون إليه تعالى بالعبودية؛ عدم وجوب قبول عملهم عليه تعالى حينئذٍ؛ لأنه سبحانه مالك وللمالك أن يفعل بملكه ما يشاء، وظهور نقصهم كيف كانوا عن كماله جل جلاله والناقص مظنة أن لا يأتي بما يليق بالكامل لا سيما إذا كان ذلك الكامل هو الله عز وجل الذي لا يتناهى كماله. ولا أراك ترى في هذا الوجه كلفاً سوى كلف البعد. انتهى.
ويقول النيسابوري:
يُخْلِصُون في الطاعات من غير إلمام بتقصيرٍ ، أو تعريحٍ في أوطانِ الكسل ، أو جنوحٍ إلى الاسترواح بالرُّخَص . ثم يخافون كأنّهم أَلمُّوا بالفواحش ، ويلاحظون أحوالَهم بعين الاستصغار والاستحقار ، ويخافون بغتاتِ التقدير ، وقضايا السخط ، وكما قيل : يتجنَّبُ الآثامَ ثم يخافها … فكأنَّما حَسَنَاتُه آثامُ
فالرسول صلى الله عليه وسلم يستشعر خطورة عرض أعمال السنة كلها على الله الآن، ويخشى أن ترد عليه أعماله ، وهي كلها عبادة ودعوة وجهاد، صدقة وذكر وقيام، شفقة وحنو وإكرام، تبتل وخشوع وإحسان، فيخشى أن يرد عليه هذا فيتوسل إلى ربه بعمل صالح عساه يقبل ويثيب ويعفو ويغفر!!!
ألا ليت شعري يا رسول الله، ما الذي يؤرقك من أعمال صحيفتك، وهل ترفع إلى الله إلا الخير الخالص، والصلاح المحض، أمثل هذا يحتاج في تقديمه إلى توسل وشفاعة بغية القبول، فكيف بمن أثقلت ظهره الأوزار، وصار لا يأمن عذاب النار؟؟؟
كيف بمن تعرض صحيفته على ربه بالبلايا والرزايا؟ بالكبائر الصغائر؟؟بالغدرات والفجرات؟ بالإثم والعدوان ، بالكذب والبهتان ؟ بالغيبة والنميمة؟ بالسرقة والاختلاس، بالربا والرشا، بالنظرة واللمسة، بالتحسس والتجسس؟؟؟
فهل تستشعر الآن أن كل هذه الأعمال معروضة ، مفتوحة بين يدي الله عز وجل، ينظرها ويراها ليختم عليها بخاتم السنة؟
يروى أن بعض التابعين كان يبكي إلى امرأته يوم الخميس و تبكي إليه و يقول : اليوم تعرض أعمالنا على الله عز و جل .
يا من يبهرج بعلمه على …         من تبهرج و الناقد بصير
يا من يسوف بتطويل أمله …       إلى كم تسوف و العمر قصير
صروف الحتف مترعة الكؤوس… تدور على الرعايا و الرؤوس
فلا تتبع هواك فكل شخص…        يصير إلى بلى وإلى دروس
وخف من هول يوم قمطرير…      تخوف شره ضنك عبوس
فمالك غير تقوى الله زاد…          وفعلك حين تقبر من أنيس
فحسنه ليعرض مستقيما …          ففي الإثنين يعرض والخميس
ما قدمت طوال العام معروض الآن بين يدي الجبار، ينظر في أولها وآخرها في يمناها ويسراها في أوسطها وفي آخرها،ينظر في اليوم تلو اليوم ، وفي الجمعة تلو الجمعة، وفي الشهر تلو الشهر فلا يجد إلا شرا مستطيرا، وينظر إليك برحمته مشفقا وحانيا، عساه يجد منك في هذه اللحظات….اللحظات الأخيرة ، لحظات العرض الأخير ، عساه يجد ألما يعتصرك على ما قدمت ، أو أسفا على ما فرطت، أو ندما على ما أسلفت، يريد سبحانه أن يستنقذك به، ويمحو عنك هذه البلايا والرزايا بتوبة فلا يجد منك ندما ولا توبة ولا أسفا، فحينئذ لا تترك لنفسك من عذر فلا يبقى إلا أن يؤاخذك بعدله.
السقم على الجسم له ترداد … و العمر ينقص و الذنوب تزاد
ما أبعد شقتي و مالي زاد …  ما أكثر بهرجي و لي نقاد
ولماذا الصيام؟
ثم إنه صلى الله عليه وسلم نظر فيما يحبه ربه ويرضاه من أعمال وعبادات وقربات، فلم تطب نفسه أن يتوسل إلى ربه إلا بأعظم ما يحب، ثم أليس هذا ما يعرفه الناس في دنياهم، إذا أراد الرجل أن يتحبب إلى زوجته أفلا يعمد إلى أكثر ما تحب فيسكتثر منه لها؟؟ ولله المثل الأعلى. فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال :
قلت يا رسول الله مرني بعمل قال:” عليك بالصوم فإنه لا عدل له
قلت: يا رسول الله مرني بعمل، قال :عليك بالصوم فإنه لا عدل له،
قلت: يا رسول الله مرني بعمل، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له”.[ الترغيب والترهيب]
ثم إن الصيام وسيط مقبول وشافع مشفع، قال صلى الله عليه وسلم : “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال فيشفعان”. فأعظم بشفيع يشفع.
ثم إنه يستتر به من غضب ربه إن وجد في صحيفته ما يغضب ربه – حاشاه- فروي أحمد من حديث أبي هريرة عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ” الصيام جنة وحصن حصين من النار” رواه أحمد[الترغيب والترهيب] .
وعن جابر رضي الله عنه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: “الصيام جنة يستجن بها العبد من النار “[ الترغيب والترهيب]
ثم إنها اللحظات الأخيرة، لحظات الختام ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من قال لا إله إلا الله ختم له بها دخل الجنة ومن صام يوما ابتغاء وجه الله ختم له به دخل الجنة ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة “[ الترغيب والترهيب]
عرض الأعمال
بدايات السنين ونهاياتها عند الله ليست كما هي عند البشر، فأول السنة عند الله شهر رمضان ، وآخرها شهر شعبان، وما التقويم الهجري والميلادي إلا تقويم بشري لا علاقة له بما عند الله ، فأنت الآن في آخر أيام السنة، مرت عليك أسباب كثيرة للمغفرة فأخطأتها، ناداك الله في أسحار كثيرة: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ فما سمعت، فقد أثقلت المعصية سمعك، بسط الله إليك يده كل صباح ومساء فما بسطت إليه يدك، غلت المعصية يدك، لاحقك بمغفرته ففرت منه فرارك من الأسد، ” فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر/49-51]” أعطاك لتشكره فأطغتك العطية ، وابتلاك لتسأله فأنستك البلية، وذكرك لتتضرع فقسا القلب وزين الشيطان ” فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام/43].
وهذه هي اللحظات الأخيرة، فلئن تفلتت صحيفتك بما فيها وانتقلت للعرض فلا يفوتك أن يراك الله نادما تائبا ، مقبلا معتذرا ، باكيا ضارعا ، سائلا الصفح، طالبا العفو، معتذرا عما فات ، عازما على الإصلاح فيما بقي، فك يدك من أغلالها وابسطها فلا تزال يد الله مبسوطة، قم من الليل واسأل الفكاك فما زال الله يسأل: أين التوابون ؟ أين المستغفرون؟؟
واحذر أن يراك الله على معصية ، فالأعمال بخواتيمها، احذر فأنت في شهر شعبان.
بقلم حامد العطار(كاتب وباحث مصري)
(مأخوذ من موقع”إسلام أون لاين” ).

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات