اليوم : 16 يونيو , 2010

قِيامُ الليل، وعناية كبار الأئمة به

قِيامُ الليل، وعناية كبار الأئمة به
qiamإن قيام الليل سنة مؤكدة، وقربة معظمة في سائر العام، فقد تواترت النصوص من الكتاب والسنة بالحث عليه، والتوجيه إليه، والترغيب فيه، ببيان عظيم شأنه وجزيل الثواب عليه، وأنه شأن أولياء الله، وخاصة من عباده الذين قال الله في مدحهم والثناء عليهم: “أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”.

فقد مدح الله أهل الإيمان والتقوى، بجميل الخصال وجليل الأعمال، ومن أخص ذلك قيام الليل، قال تعالى: “إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.” ووصفهم في موضع آخر بقوله: “وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا” . . . إلى أن قال: “أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا. خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا”. وفي ذلك من التنبيه على فضل قيام الليل، وكريم عائدته ما لا يخفى، وأنه من أسباب صرف عذاب جهنم، والفوز بالجنة وما فيها من النعيم المقيم، وجوار الرب الكريم، جعلنا الله ممن فاز بذلك. قال تعالى: “إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ”.
وقد وصف المتقين في سورة الذاريات، بجملة صفات – منها قيام الليل – فازوا بها بفسيح الجنات، فقال سبحانه: “إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ. كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ.”
فصلاة الليل لها شأن عظيم في تثبيت الإيمان، والإعانة على جليل الأعمال، وما فيه صلاح الأحوال والمال، قال تعالى: “يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا” إلى قوله: “إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا.”
وللعلامة أبي الحسن الندوي رحمه الله في كتابه القيم “تأملات في القرآن الكريم” مقالة نافعة في أهمية قيام الليل وعناية كبار الأئمة به في حياتهم، وإليكم نص هذه المقالة:
“إنّ أقوي وسيلة لتغذية الروح وشحن (بطارية) القلب: قيام اليل، الذي أكثر القرآن الكريم من الحثّ عليه، والترغيب فيه، ومدح أصحابه حتى كأ‌نّه ملحق بالفرائض وتابع لها، ولذلك سمي نافلة.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتركه في حضر وسفر.
قال العلاّمة إبن القيم رحمه الله: “لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع قيام اللّيل حضراً وسفراً وكان إذا غلبه نوم أو وجع، صلى من النّهار اثنتي عشرة ركعة” . (زاد المعاد 1/84 )
ويذهب كثير من علمـاء الإسلام ، أنّه كان فرضاً عليه وقد قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً . نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً . إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً . إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً . إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً . وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً . رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً.” (سورة المزمل)
ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد المحافظة عليه، عظيم الحرص والرغبة فيه، وكان يقوم حتى تتورم قدماه. يقول المغيرة بن شعبة قام النبي صلى الله عليه سلم حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال : «أفلا اكون عبداً شكوراً» (رواه البخاري والمسلم والترمذي والنسائي)
روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بآية ليلة.
ويعرف المتتبّع لأخبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والذي يطالع دواوين الحديث وكتب السيرة والتاريخ، أن قيام الليل كان فاشياً منتشراً فيهم حتى أصبح شعاراً لهـم، وقد وصفوا أمام “هرقل” وقادته بأنهم بالليل رهبان وبالنهار فرسان، ويصفهم سيد التابعين ومن أعرف الناس بالصحابة، الإمام الحسن البصري فيقول: “إن المؤمنين لما جاءتهم هذه الدعوة من الله صدّقوا بها وأفضى يقينها إلى قلوبهم، خشعت لله قلوبهم وابدانهم وأبصارهم، كنت والله إذا رأيتهم رأيت قوماً كأنهم رأي عين، ما كانوا بأهل جدل ولا باطل ولكنهم جاءهم أمر عن الله فصدقوا به، فنعتهم الله في القرآن أحسن نعت، قال: “وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَما.” (سورة الفرقان الآية)
إلى أن يقول: ثم ذكر أن ليلهم خير ليل فقال: “وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا.” (سورة الفرقان الآية 64)
ينتصبون لله على أقدامهم، ويفترشون وجوههم سجدّاً لربهم، تجري دموعهم على خدودهم فرقاً من ربهم. قال الحسن: “لأمرما سهروا ليلهم و لأمرما خشعوا نهارهم”.
قد كان شعاراً للصالحين والربانين، والدعاة والمجاهدين والمربيين المصلحين في كل عصر وفي كل طبقة، وقد كانوا يأخذون لكفاحهم بالنهار ولأشغالهم التي تطلب قوة خارقة للعادة وصبراً لا نفاد له: زاداً ووقوداً من عباتهم في الليل ومن يقظتهم في الأسحار.
ولا يفهم الإنسان سر قوّة هؤلاء الرّبّانيين والدّعاة المصلحين ومثابرتهم على الجهاد في التعليم والإصلاح وتحمّلهم للمشاقّ والمِحَن، إلاّ إذا رأي مواقفهم بالليل وشانهم مع ربهم تبارك وتعالى، حتى كان أولـئك العلماء – الذين قد يعتقد من لا يعرف حقيقتهم، أنهم كانوا من علماء الظاهر ويتهمهم بالجفاف والخشونة – من كبار المهتمين بقيام الليل والذكر والتسبيح، فما ظن القارئ الكريم بالذين اشتهروا بكثرة العبادة وشدّة الزهد ورقّة القلب والإنقطاع إلى تربية النّفوس أمثال الشيخ عبدالقادر الجيلاني، والشيخ شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي والشيخ أحمد بن عبدالأحد السَّرْهَنْدي.
يقول ابن القيم عن شيخه وأستاذه شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمهما الله: “صلى شيخ الإسلام مرّة صلاة الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ ، وقال: هذه غدوتي، لم اتغدّ، لولم اتغدّ الغداء سقطت قوّتي، أو كلاماً قريباً من هذا.” (مجموعة الوابل الصيب لابن القيم ص: 719-720)
وكذلـك كان شأن تلميذه ابن القيم الجوزية، فيقول المورخ ابن كثير وهو يصفه: “لا اعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصّلاة يطيلها جدا، ويمدّ ركوعها وسجودها. يلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلـك”. (البداية والنهاية 14/335)
ويقول العلاّمة ابن رجب الحنبلي: “وكان ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتألُّه ولهج بذكرالله، شغف بالمحبّة والإنابة والإفتقارإلى الله تعالى والإنكسار له والإطّراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك”.( المرجع السابق)
والأغرب من ذلك كله أمْرُ العلاّمة الحافظ عبدالرحمن بن الجوزي الذي هو زعيم النقاد وحامل لواء الرّدّ على غلاة الزّهاد والعبّاد. يقول سبطه أبو المظفر: “وكان يختم القرآن الكريم في كل سبعة أيام”. وقال ابن نجار: “له حظ من الأذواق الصحيحة ونصيب من شرب حلاوةالمناجاة”. وقد ذكر ابن القادسي: “أنه كان يقوم الليل ولا يكاد يفتر عن ذكر الله”. (التاج المكلل، ص 417)
وهكـذا كان أئمة المسلين وقادتهم، وزعمـاء الإصلاح والتجديد، ورجال التعـليم والتربيـة، ومن نفـع الله المسلمـين بنفوسهـم وأنفاسهـم، وكتب لمآثرهم الانتشار الواسـع والبقـاء الطويل، والقبول العظيم والذكر الجميل، من أصحاب العبـادة والسهـر في الليالي والقيام في الأسحـار، وأصحاب الصلـة الـروحية بالله تعالى. وهكـذا كان سيظلُّ: لا تنشأ يقظـة عن غفلة، ولا نهـضة عن جمود وخمـود، ولا حياة من موت، ولا انتباه وانتعاش من قساوة وفطور.
“سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً .” (سورة الأحزاب  الآيه : 62)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات