اليوم : 4 أبريل , 2010

القاضي أبو سعد الهروي (458 – 518 هـ = 1066 – 1124 م)

القاضي أبو سعد الهروي (458 – 518 هـ = 1066 – 1124 م)
herat-cityالمولد والنسب: هو: محمد بن نصر بن منصور، أبو سعد القاضي البشكاني, الهروي ، المحدث, الفقيه, الأديب، وكان يُلقب بزين الإسلام.
البِشكاني: بكسر الباء الموحدة وسكون الشين وفتح الكاف وفي آخرها النون، والبشكاني نسبة إلى قرية في هراة أصله منها.

هَرَاةُ:
مدينة عريقة جدا, من أمهات مدن خراسان، وهي اليوم من مدن أفغانستان. وإليها ينسب كثير من العلماء منهم أبو عاصم محمد بن أحمد الهروي المتوفي سنة 458 هـ ، وغيره من العلماء.
وقد مر ذكر هراة في ترجمة وهب بن منبه رحمه الله.

نشأته العلمية:
كان في صباه يؤدب الصبيان، وكان في بداية أمره ورّاقاً في بعض المدارس، فسار إلى بغداد وتقلب به الزمان واتصل بالخليفة وصار سفيراً بينه وبين الملوك، ثم ترقت حاله وبلغ ما بلغ.
قال السمعاني :
“وكان في ابتداء أمره من النازلين في الدرجة, مختلفا إلى الدروس للارتفاق بالجراية والنفقة, مكتسبا بالوراقة وتزجية الوقت في ضيق من المعيشة … وكان ذا حظ من العربية ومعرفة بشئ من الأصول وخط حسن … ولم يزل يسافر ويحتمل المشاق إلى أن أتصل بخدمة دار الخلافة وأقام بها مدة من الزمان حتى عرف بالكفاية، ثم صار رسولا من تلك الحضرة إلى ملوك الأطراف بخراسان والشام ومصر, وأعدّ أنواع الأهب والخدم والحشم, وتولّى قضاء الممالك” …

من أساتذته:
حدث عن أبي سعد  حمد بن علي الرهاوي، وذكر أنه سمع منه ببيت المقدس.

من تلاميذه:
أبو عبد الله الحسن بن محمد البلخي.

القضاء:
قدم دمشق, ووعظ بها, ثم توجه إلى بغداد.
فولي قضاء الشام وعاد إلى دمشق قاضيا فأقام بها مدة،
ثم رجع إلى العراق، وقد ولي القضاء في مدن كثيرة بالعجم.
قال ابن النجار: ولي القضاء ببغداد سنة اثنتين وخمسمائة للمستظهر بالله على حريم دار لخلافة وما يليه من النواحي والأقطار، وديار مضر، وربيعة، وغير ذلك.
وخوطب بأقضى القضاء زين الإسلام. واستناب في القضاء أبا سعد المبارك بن علي المخرمي الحنبلي بباب المراتب وباب الأزج، والحسن بن محمد الأسراباذي الحنفي باب النوبي، وأبا الفتح عبد الله بن البصاوي بسوق الثلاثاء.
وعُزِل، فاتصل بسلاطين الدولة السلجوقية، فكان يسعى بالسفارات السلطانية متنقلا بين مصر والشام وخراسان والعراق إلى أن قتل مع ابنه في جامع همدان شهيدا.

فضله:
كان من دهاة العالم، وكان من رجال السياسة والقضاء.
وكان رحمه الله ذا حظ من العربية وعرف بالكفاية.
وقال الذهبي: وبعد صيته وعظمت رتبته.
قال الزركلي في الأعلام:
محمد بن نصر بن منصور، أبو سعد الهروي البشكانى:
كان على علم بفقه أبي حنيفة والأصول والأدب، يروى الحديث، وله شعر حسن.
ومع نبوغه في الفقه والقضاء و تمكنه في اللغة والأدب لا يُحتج بحديثه لضعف الرواة عنه.
قال الذهبي: وقد حدث بأحاديث مظلمة، رواها عنه الحسين بن محمد البلخي.

آثاره:
كانت له يد في النظم والنثر وله شعر رائق فمنه يقول:
البحر أنت  سماحة  و فضل … فالدر ينثر بين  يديك و فيكا
والبدر أنت صباحة وملاحة … والخير مجموع لديك و فيكا

وقد مر بقرية فاختفى رئيسها منه فكتب بديهاً:
أقول  لركبٍ   عائدين   إلى  الحمى …  إذا  ما  وقفتم  في  جوار قبابنا
فأهدوا    لفتيان    الندى   سلامنا  …  و قصوا  عليهم  حالنا في ذهابنا
لنا  جارة قالت  لنا كيف  حالكم  …  وقد ساءها مس الضنى من جنابنا
رأت حولنا غرثى يرومون عندها …  فضالة  زاد  من   بقايا   جرابنا
فقلت   لها   أما   الجواب  فإننا   …   أناس  غلطنا  مرة  في   حسابنا
فعدنا  وقلنا  عل  ثم  ضرورة   …     ولمنا   وأمسكنا   عنان   عتابنا
شفينا  قلوباً ،  صلنا  عند ظننا  …   بكل   تداوينا   فلم  يشف  ما  بنا

ومن شعره: الوافر
أودعكم وأودعكم جناني …  وأنثر دمعتي نثر الجمان
وإني لا  أريد لكم  فراقاً …  و لكن هكذا حكم  الزمان

موقفه من الحرب الصليبي:
ولما استولى الصليبيون على القدس سنة 492هـ، وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين, وجاسوا خلال الديار وتبروا ماعلوا تتبيرا، توجّه القاضي أبو سعد مع وفد من أهل الشام إلى بغداد يستغيثون بالخليفة العباسي والسلطان السلجوقي، فلما سمع الناس ببغداد هذا الأمر الفظيع من هذا الوفد هالهم ذلك وتباكوا، وقد نظم أبو سعد الهروى كلاما قرىء في الديوان وعلى المنابر فارتفع بكاء الناس.
وندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد، فخرج ابن عقيل وغير واحد من أعيان الفقهاء فساروا في الناس فلم يفد ذلك شيئا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

فقال في ذلك أبو المظفر الأبيوردي قصيدة:
مزجنا دمانا  بالدموع  السواجم  *  فلم  يبق  منا  عرضة  للمراجم
و شر سلاح المرء دمع  يريقه  * إذا الحرب شبت نارها بالصوارم
فأيها بني الإسلام إن  وراءكم    *    وقائع  يلحقن  الذرى  بالمناسم
وكيف تنام العين ملء جفونها    *   على  هفوات  أيقظت  كل  نائم
وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم  * ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
تسُومُهم  الروم  الهوانَ  وأنتمُ   *  تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
وبين اختلاس الطعن والضرب وقفة * تظل لها الولدان شيب القوادم

إلى أن قال:
وتلك حروب مَنْ يغب عن غمارها  *  ليسلم  يقرع  بعدها  سنَ نادم
يكاد   لهن   المستجنَّ   بطيبةٍ    *  ينادي بأعلى الصَّوت يا آل هاشم
أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى  *  رماحهمُ  والدين  واهي الدعائم
وبجتنبون الثأر خوفاً من الردى    *  ولا يحسبون العار ضربة لازم
أترضَى صَنَاديدُ الأعاريب بالأذى *  وتغضي على ذُلّ كماة الأعاجم
وليتهمُ   إن  لم   يذودوا   حمية    *  عن الدين  ضَنُّوا غيرةً بالمحارم
وإن زهدوا في الأجر إذ حمي الوغى*   فهلا   أتوهُ  رغبةً في المغانم

رأي العلماء فيه:

قال عبد الغافر بن إسماعيل في تذييل تاريخ نيسابور: محمد بن نصر بن منصور القاضي أبو سعد الهروي: رجل من الرجال، داه من الدهاة، كان من ابتداء أمره من النازلين في الدرجة مكتسبا بالوراقة وتوجيه الوقت في ضيق من المعيشة، وكان ذا حظ في العربية ومعرفة من الأصول وخط حسن، سخي النفس بذولا لما تحويه”.
وقال ابن الأثير:
وكان ذا مروءة غزيرة، وتقدم كثير في الدولة السلجوقية.

وفاته:
قتلته الباطنية الإسماعيلية بهمدان في شعبان سنة  518 هـ .1124 م
وكان قد مضى إلى خراسان في رسالة الخليفة إلى السلطان سنجر، فعاد فقُتِل.
و جاء في تاريخ أبي يعلى – (ج 1 / ص 128) :
… في هذه السنة ورد الخبر من ناحية العراق بأن القاضي قاضي القضاة زين الإسلام, أبا سعد محمد بن نصر بن منصور الهروي كان قافلاً من ناحية خراسان بجواب السلطان سنجر عما صدر على يده إليه,  وأنه لما نزل بهمذان في جامعها, وثب عليه على حين غفلة منه, قوم رتبوا له من الباطنية, فضربوه بسكاكينهم فقتلوه وهربوا في الحال ولم يظهر لهم خبر ولا بان منهم أثر ولاتبعهم شخص للخوف منهم. فمضى لسبيله شهيداً إلى رحمة الله, وذلك للقضاء النازل الذي لا يدافع والقدر الحال الذي لا يمانع…

***********************************************
من منابع البحث:
تاريخ دمشق – ابن عساكر–  (ج 56 / ص 107).
كنز العمال – المتقي الهندي – (ج 11 / ص 214).
الوافي بالوفيات – الصفدي. (ج 2 / ص 129)
الأعلام للزركلي – (ج 7 / ص 125).
الكامل في التاريخ – ابن الأثير (ج 4 / ص 476).
موقع / تاريخ  ( قصة  الاسلام ).
تاريخ الإسلام للذهبي – (ج 8 / ص 104).
الأنساب للسمعاني – (ج 1 / ص 361).
البداية والنهاية – ابن كثير(ج 12 / ص 192).
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة – ابن تغري بردي (ج 2 / ص 59) .
المنتظم – ابن الجوزي  (ج 5 / ص 36) .
تاريخ أبي يعلى – (ج 1 / ص 128).

الكاتب: الشيخ أبو محمد البلوشي


تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات