اليوم : 4 أبريل , 2010

قبسات من حياة العلامة الشيخ أحمد مفتي زاده رحمه الله

قبسات من حياة العلامة الشيخ أحمد مفتي زاده رحمه الله
moftizadehبزغ فجر الإسلام في شبه الجزيرة العربية ثم انتشر في أنحائها ووصل إلى بلاد العراق وبلاد الشام وفارس ومناطق الأكراد حيث اعتنق الأكراد الإسلام، وأصبحوا بعد ذلك شعبا مسلما عريقا له تاريخ حافل مجيد.

ولما دخل الإسلام في القرن السابع الميلادي، أدى الأكراد دوراً هاماً في محاربة الصليبيين بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وإضافة على هذا فقد أنجب هذا الشعب الكثير من العلماء والأئمة الذين أثروا المكتبة الإسلامية بالكثيرمن المؤلفات، ويمكن للدارس أن يتعرف على تراجم الكثير منهم في كتب الطبقات والتراجم، وقد تطرق إلى جمع تراجم بعضهم الشيخ عبد الكريم المدرس في كتاب له بعنوان “علماؤنا في خدمة العلم”.
ومن الأعلام المعروفين ولهم أصول كردية محمد بن محمد المعروف بإبن الأثير، وأحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان، وأحمد شوقي الشاعر المعروف، وأحمد تيمور باشا، وإبراهيم الكوراني صاحب المؤلفات العديدة، وإبراهيم فصيح الحيدري وله تفسير للقرآن الكريم بعنوان “فصيح البيان في تفسير القرآن”. والعلامة المجاهد أحمد مفتي زاده الذي سنتاول في هذه العجالة عرض جانب ضئيل من حياته الحافلة بالجهود العظيمة – التي تكاد تنوء عن عبئها الجماعات – والمليئة بالكفاح والنضال والمقاومة إمتدادا للنهج المرضي الذي سلكه غيره من أسلافه الصالحين أمثال الأيوبي وابن خلكان رحمهم الله جميعا وأسكنهم فسيح جنانه.
ولد العلامة مفتي زاده عام 1352 هـ /1933م في عائلة عريقة في الدين في مدينة سنندج عاصمة إقليم كردستان، وكان والده محمود مفتي وعمه من أكابر علماء كردستان إيران. وجده الشيخ العلامة عبد الله الدشي أيضا كان من كبار علماء هذه المنطقة، وقد ذكره الشيخ عبد الكريم في كتابه “علماءنا في خدمة العلم” من كبار علماء الأكراد.
هاجرالعلامة عبد الله جد مفتي زاده من قرية دشه التي كانت من توابع مدينة “باوه” إلى مدينة سنندج لأول مرة ورجح أن يقيم فيها لنشر التعاليم الإسلامية والعلوم الشرعية. كان للعلامة عبد الله ست من الأولاد كل واحد منهم صاحب إختصاص وحامل رأية الخدمة في ناحية من أنحاء العالم الإسلامي. 1- ماموستا ملا محمد رشيدي كان عالما كبيرا توفي في بيروت. 2- ملا خالد مفتي كان قاضيا القضاة في إقليم كردستان إلى أن توفي. 3- ملا محمد مهري الملقب ببرهان الإسلام كان أستاذ الحقوق واللغة العربية في جامعة إستانبول. 4- الدكتورمحمد صديق مفتي زاده كان أستاذا في جامعة طهران. 5- الدكتور عبد الرحمن مفتي زاده. 6- وماموستا محمود مفتي (والد الشيخ أحمد مفتي زاده) كان أسن أولاده، وله مهارة وبراعة في غالب العلوم الشرعية خاصة في الفقه والأصول والفلسفة، واختير في حياة والده مفتيا وقاضيا لكردستان، ويعد أحد أبرز أساتذة الفقه الشافعي في جامعة طهران.
إن الأوضاع والأجواء والعوامل المستجدة التي وزعت بلاد الأكراد في أكثر من دولة وكذلك ضياع حقوقهم كشعب ذو ثقافة مستقلة من قبل معظم الدول المؤسسة على القومية، كانت تسوق كل شاب كردي في ذلك الوقت إلى أن ينضم إلى ألوية حركات المقاومة والتي تسعى أو تنادي على الأقل بهتافات الحرية، حيث انضم “كاك أحمد” كغيره من الشباب إلى الحزب الدموقراطي الذي كان الحزب الوحيد والناشط في المنطقة، وألقي في السجن بتهمة إنتماءه إلى هذا الحزب سنة 1341 هـجري شمسي.
ويرى “كاك أحمد” مناما في السجن يؤثر تأثيرا كبيرا في تغيير منهجه الفكري في الحياة، فيصل في السجن إلى أن الطريق الوحيد والعامل الأساسي للنجاة والفلاح هو الإيمان، وأكبر أزمة تتحدى البشرية هي الإبتعاد عن القرآن والسنة.
بعد مدة يطلق سراح “كاك أحمد” ويبدأ نشاطه الديني سنة  1342 هـ ش في مسجد السيد المصطفى في مدينة سنندج ويقول عن ذلك: “بعد مضي مدة طويلة في ضمن الأحوال والظروف المهيأة أدركت عبث وقشرية نشاطاتي السابقة، ومن سنة 1342 هـ ش أجمعت أن أواصل الخط الأخضر والخط الأصلي للثورة الإسلامية التي رسمه النبي عليه الصلاة والسلام”.

الزواج والأولاد:
تزوج كاك أحمد أولا من ابنة خالته عندما كان متعلما في العراق، ثم يتوافقان على الفراق لأسباب ومشاكل. والزوجة الثانية التي لم يتزوج بعدها أبدا هي خديجة بنت الحاج عبدالرحمن أحد كبارعلماء كردستان. خديجة رغم انتماءها إلى أسرة غنية كانت أسوة للنسوة في الزهد في الدنيا والصبر والإستقامة والتي كانت قرينة وصاحبة صابرة بجنب زوجها المقاوم البطل إلى أن توفيت سنة 1350 هـ ش، ولم يتزوج الشيخ أحمد بعد وفاتها بل استمر في جهوده للدفاع عن القرأن والسنة.

المشاغل والمناصب:
ظل الشيخ أحمد مدة كمدرس في “دار الإحسان” في مدينة سنندج، ثم اشتغل بعد ذلك في مكتب في طهران، واشتغل أيضا كأستاذ في جامعة طهران، وتوجه مدة إلى النشاط في إذاعة طهران وكردستان، ومن سنة 1342هـ ش التي اختار فيها طريق الدين للخدمة إلى الناس يتبدل وضعه المعيشي تبعا للأفكار والمناهج الجديدة التي اختارها ورجح العيش البسيط وعيش الفقراء والمساكين.
لم يكن الشيخ أحمد أبدا منتميا أو متعلقا بمؤسسة تموله ماليا ومعيشيا، كما يقول هو بنفسه: «اشتغلت أولا بالزراعة في قرى “زاغه” و”به رده رهش” من توابع مدينة “ديواندره”» ثم اشتغل هو ومجموعة من أصدقائه كعمال في مدينة سنندج في شركة تسمى “امانيه”.

الشيخ أحمد مفتي زاده كقاضي التمييز الشرعي في كردستان:
إن مصطلح “حاكم الشرع” وهو يعني قاضي القضاة أو قاضى التمييز الشرعي في منطقة كردستان كان يطلق على بعض العلماء البارزين الذين يصرفون أوقاتهم في المسائل الفقهية والأحوال الشخصية مثل الطلاق والنكاح وتوجيه الناس وكذلك حل معظم النزاعات والخلافات بين الناس في شتى الأمور، وقد كانت هي مسائل لا تتدخل المحاكم الحكومية فيها لأسباب. لكن المنصب كان من المناصب الرسمية المؤيدة من قبل قضاة المحاكم الحكومية أيضا.
بعد ما استقال ماموستا خالد مفتي عم الشيخ أحمد مفتي زاده من منصب قاضي التمييز الشرعي سنة 1355 هـ ش، طرح مجموعة من قضاة المحكمة على الشيخ مفتي زاده هذا المنصب، والشيخ رفض في البداية قبول هذا الإقتراح، لكن كانت هناك عوامل هامة دفعته إلى قبول هذا المنصب، فإنه لو لم يقبل لشغله أشخاص لا تتوفر لديهم الأهلية لمثل هذا المنصب الهام ويكونون في المستقبل أسباب فتنة وشر في المنطقة بسبب خطاياهم في الفتوى والعمل.
أدرك نظام الشاه سنة 1356 أنه قد ارتكب خطأ كبيرا لأن الشيخ أحمد كان له نضال مع النظام منذ زمن طويل ولم يكف نشاطاته السياسية ضد الحكومة، وكانوا بسبب كونه قاضي التمييز الشرعي لا يقدرون على اعتقاله و أصبح ذلك معضلا كبيرا لهم. فخططوا مؤامرة لعزل الشيخ رحمه الله، لكن الشيخ مفتي زاده هذه المرة استنكف من قبول طلبهم لا لأجل منافعه الشخصية بل لأجل أن يواصل الكفاح والنضال، ولم يزل عبء هذه المسئولية على كاهله إلى أن استقال في أوائل الثورة عنها بسبب المشاغل الكثيرة.

النشاطات الدينية:
كما أشرنا سابقا أن بداية نشاطات الشيخ أحمد مفتي زاده كانت سنة 1342 هـ ش، واستمرت هذه النشاطات في المساجد وبين الناس إلى سنة 1356 حيث قام في تلك السنة إلى تأسيس مدرسة في مدينة “مريوان” أولا ثم قام بتأسيس مثل هذه المدرسة في سنندج أيضا، وقد كانت هذه المدارس تشبه محاضن للجيل المسلم، فالتف حوله شباب هذه المناطق من أهل السنة والجماعة.
لما قامت الثورة ضد النظام السابق واشتدت المسيرات والمظاهرات الشعبية في المدن الإيرانية المختلفة، ساهم الشيخ أحمد في الثورة نظرا إلى مسئوليته الدينية والوطنية وكرس جهوده لدعم الثورة بتوعية أهل السنة والنهوض بهم في وجه الطغاة، وأقام جلسات متنوعة في مسجد الأمين في مدينة سنندج وساهموا في الثورة مساهمة فعالة، وقدموا في سبيل ذلك قافلة من الشهداء من خيرة أبنائهم، وقد وقفوا ضد التنظيمات الكردية الأخرى ذات الميول الانفصالية، وكانت الوعود المقدمة لهم قبل الثورة بأن عهد الفرقة والظلم قد ولّى واقترب عهد النور والسعادة.
في بداية الثورة وبعد الإطاحة بحكم الشاه شعر الشيخ أحمد مفتي زاده أن الثورة تتحرك في غير نهجها الأصلي وخاصة عند تدوين الدستور لم يصرح برفع التمييزات المذهبية والقومية كما كانت ترجى من قبل، فقام فضيلته بمطالبة الحكومة بإزالة بعض المواد من الدستورالجديد حتى تتحقق المساواة وتلغى التفرقة المذهبية بين الشعوب إلا أن ذلك لم يتحقق والحكومة الإيرانية تمسكت بخطها ولم تتجاوب مع مطالب أهل السنة مما أدى إلى سجنه.
وبعد أن دخل السجن حكم عليه بالسجن خمس سنوات وقد تعرض خلال سجنه لأقصى أنواع التعذيب النفسي والبدني فمرت عليه الشهور و في الزنانين المظلمة التي لا يدخلها شعاع الشمس وحجز لأربعة أشهر متوالية في دورة المياه، ثم ترك يقاسي آلام مرضه دون تخفيف أو معالجة حتى أصبح لا يستطيع أن يحرك يديه للصلاة وحتى قال الأطباء: إنه على مقربة من الموت ورضي لنفسه أن يحاور وأن يناظر أو يدعى إلى محاكمة علنية، واتهم ولم يسمح له بالدفاع عن نفسه ولم يسمح لأحد بزيارته.
ومضت السنوات الخمس وتوقع الذين يحسنون الظن أن يفرج عنه لكن ذلك لم يحدث. لقد طلبوا منه أن يوقع مكتوباً يلزمه بأن لا يعود لمثل ما كان عليه، وأبى الداعية العزيز ذلك وهو الذي اتصف بالاستقامة والتمسك بالحق ورفض التخلي عن الحق طلباً للنجاة بنفسه.
مع كل هذه المعامـلة السيئة مع أبناء السنة فإنهم لم يحملوا السلاح ضد إيران وتمسكوا بمطالبهم وأسلوبهم في الحوار ودعوة الحكومة إلى تغيير أسلوب التعامل معهم .
وأخيراً فقد أفرج عنه بعد قضاء 10 سنوات في السجن، وكان قد اشتد عليه المرض وأصيب بالعمى، فأصيب في السجن رحمه الله تعالى بأمراض مزمنة، ولم يعالجوه حتى اطمأنوا إلى أنه ميت لا محالة، فأخرجوه في آخر أيامه ليموت خارج السجن. وقد كان رحمه الله تعالى في آخر حياته ملقى في الفراش، له نفسية كنفسية الأسد في جسم ضعيف كالعجوز، مع أنه كان قبل ذلك قوي الجسم، طويل القامة، حتى توفاه الله عام 1993م عقب إطلاق سراحه من السجن بشهور قليلة.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه

التعريب من موقع “ناجي كرد” بتلخيص يسير

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات