اليوم : 4 أبريل , 2010

المذهب الذكري ونشأته في بلوشستان

المذهب الذكري ونشأته في بلوشستان
balochistanنبذة تاريخية عن بلوشستان: دخل الإسلام في بلوشستان في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 23 للهجرة وكتيبة المجاهدين كانت في المنطقة، ثم كتب صحار العبدي عن أوضاع هذه المنطقة إلى عمر رضي الله عنه وقيل إلى عثمان رضي الله عنه فقال: (ماؤها وشل، وثمرها دفل، ورجالها بطل، إن قل الجيش ضاعوا، وإن كثروا جاعوا، وما وراءها شر منها) فاستحسن عمر رضي الله عنه رأيه، وأمر بعدم تقدم الجيش، ثم في خلافة عثمان رضي الله عنه عين بعض العمال لتبليغ الدين، فكان منهم محمد بن هارون، فقال بعضهم: إنه كان من شمال بلوشستان، واعتبره البعض من العرب، وهذا الرجل عاش إلى عهد محمد بن قاسم رحمه الله وشاركه في جهاده وكون جيشا كبيرا والتحق به، ثم توفي بمنطقة لبيله (مدينة في بلوشستان – بباكستان) وقبره موجود هناك. والحاصل أن بلوشستان (واسمها القديم مكران) كانت جزءاً من دولة الإسلام في خلافة عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ثم صارت بابا للإسلام وطريقا لفتح بلاد السند والهند.

مؤسس هذا المذهب وتاريخ ظهوره:
اتفق المسلمون، وكذلك الفرقة الذكرية بأن مؤسس هذه الفرقة هو شيخ الضلالة محمد أتكي البنجابي، وكان ظهوره في ولاية بنجاب بانك (كملبور حاليا) في الهند، كما يقول محمد قصر قندي في شعر له (باللغة الفارسية) وهو كان زعيما للقوم. فيقول وفي سنة 977 بعد أحمد يعني هجرة محمد، كان ظهوره في الهند وفي مكان غير معلوم، ويروون في ذلك رواية كاذبة: أن أبا بكر سأل رسول الله، ومتى يكون خروج المهدي؟ قال : ( قد يأتي بعد مماتي من بلاد الهند في سنة 977، اسمه كاسمي واسم أبيه كاسم أبي ) وهذا يخالف عقيدتهم بأنه نور لم يلد ولم يولد.
ومن الغريب والدليل الواضح على كذب هذا المتنبئ بأنه رجل بنجابي جاء من الهند وأتباعه كلهم من البلوش ولا يوجد من بني جنسه من اعتنق هذا المذهب (الذكري) والله يقول (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم) إبراهيم: 4. علما بأنه قد اعتبر بعض المؤرخين، وكذلك بعض الكتاب المعاصرين أصل البلوش ونسلهم من العرب، كما جاء في فتوح البلدان للبلاذري وكتاب دائرة المعارف الإسلامية، وكتاب بلوشستان ديار عرب، وبلوشستان قوس الخليج وغيرها، وعاداتهم ولغتهم وتقاليدهم تؤيد ذلك. واللغة البلوشية هي أقرب لغة إلى اللغة العربية، والحروف الهجائية هي نفس الحروف العربية، بزيادة الحروف پ. چ.گ.  وردت إليهم من المناطق المجاورة.

وصوله إلى بلوشستان وادعاءه النبوة:
ولقد أخبر الرسول وهو لا ينطق عن الهوى عن هؤلاء الدجالين، وحذر أمته من شرهم، وأشار أن الفتنة من الشرق، كما جاء في صحيح البخاري، كتاب الفتن. فقد روى مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه بأن رسول الله قال: ( وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم الأنبياء ولا نبي بعدي) مسلم – الفتن، وأبو داود – الفتن والملاحم.
وجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، سمعت رسول الله يقول: ( إن في أمتي نيفا وسبعين داعيا كلهم داع إلى النار لو أشاء لأنبأتكم بأسمائهم وقبائلهم ) وهذا إسناد لا بأس به، (النهاية في الفتن والملاحم 1/81).
وذكر الشيخ أبو القاسم رفيق الدلاوري بحثا مختصرا في هذا الموضوع، وبيّن فيه أئمة التلبيس من مسيلمة الكذاب إلى ميرزا غلام القادياني نحو سبعين شخصا، ولكنه غفل عن هذا المتنبئ الأتكي الكذاب، (ذكرى مسألة تأليف عبد الحق البلوشي ص: 54). قال الدكتور ضياء الحق الصديقي في موضوع قدوم هذا الكذاب إلى بلوشستان: قد اشتهر بأن رجلا باسم ملا محمد سافر من بلاده أتك (من ولاية بنجاب في الهند) للحج، ثم ألقى الشيطان في أمنيته بأنه نبي مرسل، وعند عودته من الحج مر إلى بلاد الشام والعراق وإيران، ولم ير مصلحة لإظهار نبوته في تلك البلاد، لوجود العلماء، ولما وصل إلى مدينة تربت – ببلوشستان – ووجد في أهلها الجهل والأمية، وجد ضالته فجلس في غار عند جبل مراد، واشتغل بالعبادة وادعى بأنه مهدي منتظر، ولما اشتهر بين الناس ادعى النبوة ثم كتب كتابا ووضعه داخل شجرة، ثم ذهب إليها مع مريديه وأخرج الكتاب، وادعى أنه وحي من روح الأمين وتنزيل من رب العالمين. (نقل من كتابي) الدر الثمين في سيرة سيد المرسلين( 1/232). وسمى كتابه هذا كنز الأسرار، وبرهان التأويل.

بعض عقائد الذكرية:
إنهم يعتقدون بأن نبيهم كان طاهرا، وهو نور الأولين والآخرين، وهو شافع في المحشر، وخاتم الأنبياء والمرسلين وسيدهم جميعا، وهو صاحب تأويل القرآن، ونور رب العالمين، وصاحب الكوثر. وجاء في كتاب (سير جهاني للاتكي) إنه في يوم القيامة شهيد للأمة، وشفيع لسبعة وسبعين نبيا، وهو صاحب الشفاعة، ولا يقبل شفاعة غيره من الأنبياء والمرسلين عند الله تعالى، وهو المراد بقوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) (النساء:41).
ويعتقدون بأنه كان نورا ذهب إلى الملأ الأعلى ولم يأكل من مأكولات الدنيا من حين ظهوره إلى اختفائه إلا منا واحدا من لبن الجنة، وعشرة أمنان من طعام الجنة وفواكهها، ولم يلتفت إلى طعام الدنيا ومائها (مهدي نامه ص: 38).
قال المهدي (الأتكي): إن الله خلق الخلق من نوري. (سفرنامه ص: 3 لعزيز اللاري)، وهو نور الدنيا والآخرة، قالوا إن موسى قال لله تعالى:هل تخلق بعد المهدي رسولا آخر، قال الله لا أخلق نبيا بعده، وهو نور الأولين والآخرين. رسالة موسى ص: 99 (نسخة مخطوطة) وقد صرح بأن الله خلق كل الكائنات من نوره(سفر نامه مهدي ص: 3)، ويعتقدون بأن نبيهم جالس على كرسي أمام الله تعالى ويدافع عن أمته.

ذكر بعض العبادات لهذه الفرقة:
1- الشهادة: اتفقت الذكرية بأن: كلمة الشهادة عندهم: هي لا إله إلا الله نور باك (الطاهر) محمد مهدي رسول الله.
2- الصلاة: هي عبادة تشريعية، والشارع عندهم نبيهم محمد المهدي، فهو مشرع للأحكام وناسخ لمذهب الإسلام، فلذلك نسخ المذكور الصلوات الخمس، وبدلها بالذكر (لا إله إلا الله) يرددونها في أوقات ثلاثة بصوت عال، عند الظهيرة وبالليل وعند طلوع الفجر، فالصلوات الخمس لا تجوز، وصلاة الجمعة والعيدين كفر وضلالة، والصلاة عندهم بمعنى الرحمة والإحسان. وكذلك يذكرون في منتصف الليل، وعند غروب الشمس، ويذكرون فيها منفردا لأنه ليس بواجب، إلا في الأوقات الثلاثة المذكورة. الركن الثاني – السجدة، ثم يسجدون ويدعون ببعض الأدعية، ولا يشترط استقبال القبلة بدليل (فأينما تولوا فثم وجه الله) (البقرة:115).
3- الصوم: والصيام في رمضان منسوخ عندهم، كما هو موجود في أقوال المهدي ص:4، وسيرجهاني ص: 168، ولكنهم في الجملة يعتقدون بالصوم ويعتبرونه طاعة، ولضعف ثقافتهم لا يوجد لديهم استعمال الفرض والواجب والسنة، ويلتزمون بصوم العشر الأولى من ذي الحجة، وكذلك يصومون أيام البيض وكل يوم الاثنين، وعدد صيامهم في السنة نحو 98 يوما، علما بأنهم لا يعتقدون بالسحور، بل يصومون ليوم واحد نحو 24 ساعة.
4- الزكاة: ونظام زكاتهم قريب من نظام الفرقة الباطنية والإسماعيلية، وجاء في كتابهم القصص الغيبي (الغيبية) ويزعمون أنها أحكاما للمهدي، أنه يجب على أمة محمد العشر، ولكنه من يعمل بشريعة المهدي عليه السلام فالواجب عليه بأمر المهدي الحصة السابعة من جميع ماله للعلماء والفضلاء، ومن يعمل بعلم الطريقة بدين المهدي فلا بد أن يدفع خمس ماله) القصص الغيبي ص: 48، علماً بأنهم لا يفرقون بين الأموال النقدية والمزارع والمواشي، وكذلك لا يشترط النصاب عندهم، ويوجد في مذهبهم بيع الجنة وإعطاء صكوك الغفران، كما كان يفعل ذلك البابا بالمسيحيين.
5- الحج: وحج بيت الله من أركان الإسلام، ولكن بدله هذا النبي المزعوم إلى الحج بجبل المراد، (بمدينة تربت) حيث أن نبيهم المزعوم قد أقام هناك عشر سنوات، وهذا الجبل مشهور باسم خليفة نبيهم، والمجدد الأول لهذا المذهب كان اسمه مراد، وهذا المكان هو المقام المحمود عندهم، وموضع الشفاعة لنبيهم في يوم القيامة، فلذا يجب زيارته (نور تجلي ص:41).
وهناك أماكن ومقدسات عندهم، مثل الكوثر، وشجرة طوبى، والصراط، وعرفات، وشجرة (كهور) عند جبل مراد وغيره يقومون بهذه الأعمال، مثل الطواف والسعي والوقوف، والأضحية وغيرها ويتعين لحجهم يومان فقط، يوم التاسع والعاشر من ذي الحجة.

من معجزاته:
ذكروا أنه ضرب مرة عصاه بالأرض فخرج الماء، ثم ضربه مرة أخرى فخرج اللبن، وكان هذا من تلبيسه، حيث كان قد دفن قربا من الماء، وقربا من اللبن في هذين المكانين، وأما كتبهم فأكثرها مخطوطة وباللغة الفارسية.

جهاد الشيخ عبد الله رحمه الله ضدهم في بلوشستان الإيرانية:
ثم إن كثيرا من هذه الفرقة كانوا يسكنون في بلوشستان الإيرانية، وكان الشيخ يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم بيده أحد علمائهم البارزين، وبنى مسجدا في قريته، فأساءوا هؤلاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعزموا بهدم المسجد، فنصحهم الشيخ وكان أكبر عالم في المنطقة، فلم يقبلوا، فبين الشيخ في خطبة الجمعة هذه الإساءة وخطرهم على المسلمين، وشجع المسلمين على الجهاد، فانضم إليه المسلمون وقاتلوهم، فقتل زعيمهم وفروا إلى بلوشستان – بباكستان – ومن ذلك الوقت قد طهر الله هذه المنطقة من رجسهم، وهم يعيشون في بلوشستان الباكستانية ومدينة كراتشي وإقليم السند.

أداء العمرة في 27 رمضان:
ولما انتصر عليهم الأمير نصير خان النوري رحمه الله منعهم من أداء الحج وسلب منهم الحريات الدينية، ولكن بعض علمائهم كانوا يؤدون العمرة عند مقدساتهم بالخفية، ثم بعد احتلال الإنجليز المنطقة عادت لهم كل الحريات إلى يومنا هذا، فهم يحجون في ذي الحجة ويعتمرون في تاريخ 27 من رمضان بغير صيام وقيام، بل يجعلون هذا اليوم عيدا لهم فيأكلون ويتمتعون. والمسلمون لا يتحملون هذا الاجتماع الكبير في حالتهم المذكورة فيتضاربون ويتقاتلون، والمسؤولون يتفرجون ويميلون إليهم بسبب أخذهم الرشوة.
فالواجب على حكام المسلمين والجمعيات الدينية والجماعات الإسلامية المطالبة من الحكومة الباكستانية بمنع هذه الفرقة الضالة عن الحج والعمرة في هذا المكان وجعلهم أقلية غير إسلامية، كما كانوا في عهد الأمير النوري رحمه الله، وأن يكتب بجوازاتهم غير مسلم حتى لا يسمح لهم بالدخول في الأماكن المقدسة عند المسلمين ويمنعون من الزواج بالمسلمات، لعل هذا يجعلهم يفكرون في تغيير موقفهم، كما يجب على علماء المسلمين ودعاة الحق وحماة الشريعة دعوة هؤلاء الكفرة وغيرهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة وبالأخلاق الفاضلة الحميدة وتقديم صورة صحيحة للإسلام والقيم الإسلامية بأسلوب حكيم، ومراعاة لأصول الدعوة بالصدق والإخلاص والشفقة والرحمة والحلم والرفق واللين والتواضع والاعتدال والثقة بالله والتدرج بالدعوة والبدء بالأهم فالأهم. قال الله تعالى: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل:125). وقال أيضا: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) (يوسف:108) وقال: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (آل عمران: 159). وقد بعث الله جل وعلا موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام إلى فرعون وهو أطغى الطغاة ادعى الألوهية والربوبية، وأمرهما بقوله: (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) (طه: 44). وأما التشديد والغلو والعنف والتطرف، فهذه أمور تخالف الإسلام وتعارض أسلوب الدعوة، وتتسبب في التنفير عن الإسلام وتقديم صورة سيئة له، بل أنها تخالف منهج الأنبياء والمرسلين والدعاة المخلصين الصادقين، علما بأن الرسول كان يتعامل مع أعدائه بالشفقة والرحمة والحلم والرفق والعفو، وملأ قلوب الناس علما وحكمة ومعرفة، ونطالب المسلمين الاقتداء به والسير بسلوكه ونهجه وسنته، فالإسلام انتشر بالحق والحكمة وليس بالسيف كما يزعم أعداء الإسلام الذين يريدون تشويه الدين والإساءة للرسول الكريم ظلما وعدوانا.
والله الموفق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد. وصلى الله على نبينا محمد رحمة للعاملين وخاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

عبد الرشيد البلوشي
مجلة الفرقان

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات