اليوم : 4 أبريل , 2010

من هم مسلمو روسيا؟

من هم مسلمو روسيا؟
russian-muslimsموسكو- التوسع في المساجد والمراكز الإسلامية في أنحاء روسيا.. السماح لعلماء الدين بدخول الجيش.. دعوة رسمية لتأسيس قناة إسلامية في القوقاز.. تدشين فضائيات وصحف روسية باللغة العربية لمخاطبة القارئ المسلم.. اعتناق عشرات الآلاف من الروس الإسلام على مدى العقدين الماضيين..

هذا بعض ما اعتبره الكثيرون “أدلة رسمية” على وجود مصالحة حقيقية بين روسيا وقاطنيها من المسلمين، البالغ عددهم 25 مليون نسمة (قرابة 18% من سكان البلاد) تؤشر على دور أكبر للمسلمين في المستقبل يتيح لهم زيادة تأثيرهم.
ويتحدث العديد من الخبراء عن توجه روسيا في الفترة الأخيرة نحو العالم الإسلامي وتطوير العلاقة معه، وهو ما تجلى في مؤتمر التقارب الأول من نوعه مع العالم الإسلامي، الذي عقد في العاصمة موسكو في سبتمبر 2009، فضلا عن الاهتمام الرسمي الروسي بالمسلمين الذين تشهد أعدادهم تزايدا كبيرا.
ويتوقع الخبراء أنه إذا استمر تزايد أعداد المسلمين مصحوبا باتساع الصحوة الإسلامية في روسيا، فإن قرابة ثلث سكان روسيا سيكونون بعد 30 عاما من المسلمين.
ويشيرون في هذا الصدد إلى أن أعداد المواطنين من القومية الروسية في انخفاض مستمر؛ بسبب انخفاض معدل المواليد وارتفاع معدل الوفيات؛ بسبب تناول الكحول والمخدرات وغيرها، وذلك برغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة للسيطرة على هذه الظواهر، وفي المقابل تشهد مختلف المناطق في روسيا هجرة متزايدة من مسلمي دول آسيا الوسطى واستقرارهم بشكل نهائي، مما يزيد من عدد المسلمين بصفة متسارعة.
ويمضي الخبراء في توقعاتهم بأن المسلمين سيكون لهم دور أكبر في المستقبل؛ ما يتيح لهم زيادة تأثيرهم الداخلي والخارجي، خصوصا إذا توافق ذلك مع الحراك الكبير الذي تشهده غالبية القوميات المسلمة في أخذ زمام المبادرة والمشاركة الفعلية في القرار السياسي الداخلي.
وتشهد روسيا منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي صحوة إسلامية تتمثل في إعادة بناء المساجد القديمة والتوسع في إنشاء مساجد ومراكز إسلامية جديدة، وقد وصل عدد المساجد، بحسب بعض الإحصاءات، إلى أكثر من خمسة آلاف مسجد، بعد أن كان أقل من 300 مسجد في عهد الاتحاد السوفيتي السابق.
كما تتمثل هذه الصحوة في اعتناق العديد من الروس للإسلام؛ إذ تتحدث بعض الإحصائيات الرسمية وغير الرسمية عن أن عددهم في السنوات الخمس عشرة الماضية وصل إلى أكثر من 200 ألف شخص، غالبيتهم من النساء.
وفي ظل هذه النهضة، غيرت المؤسسة الحاكمة في روسيا من نظرتها للإسلام ولدوره في جميع قطاعات الدولة، وضمن هذا التغير أصدرت وزارة الدفاع قبل أيام قرارا يسمح للجيش بالاستعانة برجال الدين والشخصيات الإسلامية للقضاء على الانحراف السلوكي والظواهر السلبية في صفوفه، مثل إدمان الخمور والمخدرات وغيرها، كما ظهرت فضائيات وصحف ناطقة باللغة العربية لمخاطبة المسلمين والتواصل معهم، في محاولة لدمجهم في مختلف أوجه الحياة.  

انهيار الاتحاد السوفيتي
وأدى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1990 إلى ظهور 16 دولة مستقلة، بينها ست دول إسلامية، هي: أوزبكستان، وكازاخستان، وطاجكستان، وقرغيزستان وأذربيجان وتركمنستان، وبقي أكثر من 22 مليون مسلم في العديد من الكيانات ضمن الاتحاد الروسي، الذي يتكون من أكثر من 80 وحدة إدارية تخضع فعليا لسلطة مركزية تديرها موسكو، سواء كانت جمهوريات أو أقاليم أو مناطق أو مقاطعات حكم ذاتي.
ويمتد الإسلام على مساحات شاسعة من موسكو وبطرسبرج إلى سيبيريا والشرق الأقصى الروسي، ومن حوض الفولجا في قلب روسيا إلى شمال منطقة القوقاز. ووفقا لتقديرات جهات بحثية مستقلة، فإن عدد المسلمين يتزايد سنة بعد أخرى؛ بسبب عدة عوامل، بينها الزيادة الملحوظة في المواليد بين القوميات المسلمة والهجرة التي تشهدها روسيا من سكان بلدان آسيا الوسطى التي كانت في مظلة واحدة مع روسيا خلال الحقبة الشيوعية.
وتتعد القوميات المسلمة على هذه البقعة الشاسعة من الأرض؛ حيث يمثل المسلمون -بحسب تقديرات مجلس المفتين بروسيا- 100 قومية، 40 منها في جمهورية داغستان.
ويتركز المسلمون في روسيا في منطقتين رئيستين: الأولى هي منطقة حوض الفولجا والأورال الواقعة في قلب روسيا وتتشكل من بشكيريا (60%)، وأرينبيرج (50%)، وادمورتيا (60%)، وتتارستان(60%)، وماري إيل (60%)، وتشوفاشيا (58%)، وموردوفيا (55%).
والمنطقة الأخيرة هي شمال القوقاز، وتضم كلا من جمهورية داغستان(91%)، والشيشان (99%)، وأنجوشيا (99%)، وأوسيتيا الشمالية (53%)، وكبردينا بلقاريا (66%)، وقرتشاي شريكيسيا (61%)، وأديجيا (50%).
أما في المنطقة الشرقية لروسيا، التي تضم منطقة سيبيريا، فيمثل المسلمون 25% من إجمالي عدد سكانها البالغ 25 مليون نسمة، وتعتبر سيبيريا أكبر أقاليم روسيا، وفي موسكو يبلغ عدد المسلمين مليوني مسلم، بينما يصل عددهم في مدينة سان بطرسبرج العاصمة الثقافية لروسيا إلى مليون نسمة.

قيادة موحدة
وبالنسبة للإدارات الدينية لمسلمي روسيا فكانت تحت قيادة موحدة بقرار من الإمبراطورة الروسية وقت ذاك يكاترينا الثانية في عام 1788؛ حيث تم تأسيس الإدارة الدينية المركزية للمسلمين في روسيا، وافتتح مركز الإدارة بشكل رسمي يوم 4-12- 1789 في مدينة “أوفا”.
وظل النظام الشيوعي، الذي كان يسيطر على مجموعة كبيرة من الجمهوريات الإسلامية وفي ذلك روسيا، يعترف بهذه القيادة الموحدة، بل أضاف لها الجمهوريات المسلمة في آسيا الوسطى (أوزبكستان، وكازاخستان، وطاجكستان، وقرغيزستان وأذربيجان وتركمنستان)، حيث تم توحيد هذه الإدارات الدينية في إدارة واحدة، وأبقت الرئاسة فيها بمدينة أوفا عاصمة جمهورية بشكيريا ذات الحكم الذاتي ضمن الاتحاد الروسي.
ومنذ عام 1992، وعلى خلفية النزاعات الاستقلالية في البلاد، بدأت عملية تفكك هذه المنظمة إلى إدارات دينية إقليمية مستقلة. وانقسم المسلمون في روسيا إلى ثلاث إدارات دينية رئيسية، هي الإدارة الدينية المركزية للمسلمين (مقرها الرئيسي أوفا)، ومجلس المفتين في روسيا (موسكو)، ومركز التنسيق لمسلمي شمال القوقاز (كراتشاي تشيركيسيا).
ولم تأت رياح هذا الانقسام بالخير على المسلمين، بل ساهمت في تفريق كلمتهم، ودخول قياداتهم الدينية في تناحر وتنافس للحصول على القيادة الكبرى للمسلمين. لكن الإعلان الأخير، والذي تزامن مع عيد الأضحى لعام 2009، والذي توقع أن يتم توحيد الإدارات الدينية الروسية تحت مظلة واحدة خلال عام 2010، بعث الأمل عند الكثيرين بأن تكون الأمة الإسلامية في روسيا تحت قيادة واحدة؛ حيث أعلن عن إمكانية التوصل إلى نهاية لهذه الفرقة.

دخول الإسلام
ودخل الإسلام روسيا قبل أكثر من 1350 سنة عبر جمهورية داغستان؛ حيث وصلت جيوش الفتح الإسلامي في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في تحرك عسكري يبعد آلاف الأميال عن الجزيرة العربية.
وضم هذا الزحف مجموعة من الصحابة والتابعين، ووصل إلى مدينة دربند، المعروفة باسم “باب الأبواب”، وقد قرر بعض الصحابة الاستقرار في هذه المدينة حتى فارقوا الحياة وبقيت قبورهم والدين الذي حملوه لتلك الشعوب شواهد على تلك الحقبة التاريخية المهمة، والتي ارتبطت ببداية توسع الفتوحات الإسلامية خارج الجزيرة العربية.
ومع بداية النصف الثاني من القرن السابع شهدت داغستان، ومن بعدها روسيا، منعطفا تاريخيا مهما، وأصبح التاريخ في هذه المناطق يرتبط ارتباطا جذريا بالإسلام وأثره في الحياة العامة والسياسية لروسيا.
فقد جاء في التاريخ الكامل لابن الأثير أنه في سنة 22 هجرية (642-643م) تم فتح مدينة الباب (مدينة دربند): “ردّ عمر، أبا موسى إلى البصرة وبعث سُراقة بن عمرو -وكان يدعى ذا النور- إلى الـباب، وجـعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة”، ومنذ ذلك الحين بات الدين الإسلامي أحد أهم الديانات الرسمية في روسيا، بل هو الدين الثاني من حيث عدد أبناء الشعوب التي تدين بالأديان السماوية.

الحقبة الشيوعية
ومر الإسلام كغيره من الأديان في روسيا بفترة صعبة جدا، فقد كانت “ثورة الكادحين” أكثر حدة وشؤما؛ حيث تزامنت مع حرق كتب المسلمين وطمس معالمهم، وقتل علمائهم وحبس آخرين منهم، وتهجير البعض ونفي آخرين، كما قام الشيوعيون بتغيير أحرف كتابة المسلمين، وتعرضوا جميعهم إلى أذى شديد.
بل إن السلطة الشيوعية شنت حملات منظمة كانت سماتها الرئيسية هدم المساجد وإغلاق بعضها وتحويل البعض الآخر إلى إسطبلات للحيوانات، ومنها ما أرفق بمصنع لصناعة الخمور، ومنها ما استعمل كمخازن.
وعانى المسلمون في مختلف الأقاليم الروسية من حملات الإبادة والتشريد في العهد الشيوعي، غير أن ذلك لم يضعف من تمسك الغالبية العظمى من المسلمين بانتماءاتهم الدينية.
وقد سجل التاريخ المعاصر مأساة تهجير المسلمين وإبادة تراثهم بحروف من الأسى وترك وراءه أثرا كارثيا من الناحية النفسية والبشرية؛ حيث مات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ في طريق التهجير، إما بردا أو جوعا، لكن ذلك لم يفت في عضد المسلمين، واستمروا يقبضون على دينهم كغيرهم من كل الشعوب الإسلامية في دول الاتحاد السوفيتي.

د. رياض مصطفى
المصدر: إسلام أون لاين.نت

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات