اليوم : 23 يناير , 2010

قوة الإرادة

قوة الإرادة
eradahلقد ورد ذكر مطلب هام في قول الله تعالى: “مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا. وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا”. وإن كان هذا المطلب يبدو بسيطا في النظر العاجل، فقد تطرقت الآية إلى ذكر الثمرة المتعلقة بالدنيا والآخرة. فلو أراد شخص الدنيا فماهي الثمرة المترتبة على هذه الإرادة؟ وإن أراد الآخرة فما هو النفع الحاصل من تلك الإرادة للآخرة. وستتضح لنا هذه الحقيقة بأننا لانهتم بهذه المسئلة في الغالب. وذلك لأننا لا ندركها بالحس، فلذلك لا نعرف قدرها، ولكن في الواقع إن الهمة أو الإرادة هي الشيء الذي قد تبدلت أحوالنا جميعا بسبب تركها، وقد صلحت ببركتها حالات كثير من الأولياء والصالحين.

الإرادة مسئلة هامة، فعلينا أن لا نستخفها، فعلى الإرادة تدور جميع أمورالدنيا، وهي قوة عظيمة تركت في الإنسان. من المناسب أن نفهم هذه القوة الكامنة في الإنسان في ضمن مثال: نحسب أن شخصا أصابه ظمأ شديد في شتاء يكثر فيه المطر بجانب البرودة القارسة لكن هذا الشخص جالس في غرفته، لا يهم الخروج من الغرفة، بسبب هبوب الرياح الباردة والجو البارد. وفي مثل هذه الحالة يتلقى أمرا من قبل حاكم مدينته أن ائت المكان الفلاني لزيارتنا، والمكان يقع خارج المدينة بعيدا عنها. لنتأمل أن هذا الشخص الذي لم يكن يستطيع أن يأتي إلى فناء بيته، كيف يغادر الغرفة والبيت ويوصل نفسه إلى ذلك المكان؟! فما هي القوة التي تخرجه من داخل الغرفة إلى فناء البيت ومن هنا إلى خارج البيت ومن خارج البيت إلى خارج المدينة وتدفعه أن يقطع تلك المسافة البعيدة في ذلك الجو البارد إلى  خارج المدينة؟ ليست هنا قوة أخرى غير قوة الإرادة. ففي البداية لم تكن هذه القوة موجودة، فإن الظمأ لم يكن قوة دافعة ومحركة، ولكن لما وصله أمر الحاكم جاءت الإرادة. فإن حكم الحاكم رغبة في شيء كان أو رهبة من نفس الحاكم قوة دافعة حركت قوة الإرادة الموجودة في ذلك الشخص حيث أوصل نفسه إلى الحاكم  بعد تكبد جميع تلك المشاكل والمشاق. لنعلم بعد هذا الإيضاح حول قوة الإرادة، أن هذه القوة في ذاتها ليست حسنة ولا قبيحة، بل حسنها أو قبحها  يرجع إلى ما تضاف إليه وأعني ذلك الشيء المراد. فإن أراد شيئا حسنا فتلك الإرادة حسنة وإن أراد شيئا سيئا قبيحا فتلك الإرادة سيئة قبيحة. فبالإرادة على الحسنة يثاب الشخص  وبالإرادة على السيئة إن فعلها تكتب له سيئة فاتضحت بهذا عظمة الإرادة.
فالجزاء على أي عمل لا يترتب بغير الإرادة. والحال أن الثواب والمعصية يكتبان بمحض الإرادة من غير العمل. فإن صدرت معصية خطأ ونسيانا  فهو غير مؤاخذ بها، ففي القرآن الكريم “ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا”، وقد ورد في الحديث الشريف ما معناه أن الأدعية الواردة في آخر سورة البقرة كلها مقبولة، يعني لا يؤاخذ العبد على الخطأ والنسيان، وجاء في حديث آخر بيان ذلك في ألفاظ واضحة: “رفع عن أمتي الخطأ والنسيان”. ويعلم الجميع أن كثيرا من الأعمال لا تعتبر بغير الإرادة، فالصلاة لا تصح بغير النية، والنية هي الإرادة. فمن صلى من غير نية كل اليوم  فصلاته غير مقبولة، ولكن إذا صلى ركعتين مع النية فتلك الركعتان  مقبولتان. ولقد فرقت الشريعة  بين قتل العمد والخطأ، فلو قتل شخص نفسا متعمدا فتلك معصية كبيرة. وقد رأى بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه لا توبة للقاتل عمدا، وقد رد الجمهور ذلك، ففي هذه الصورة يقتل الشخص قصاصا للمقتول ولكن لو أخطأ في القتل مثلا أراد أن يصيد حيوانا فأصاب إنسانا فمات فلا إثم في هذه الصورة ولا قصاص، بل تجب عليه الدية. كذلك لو عزم على المعصية تكتب له المعصية وإن ارتكب معصية خطأ ومن غير إرادة فلا تكتب له معصية بل هي مرفوعة. والسر في ذلك أن الإرادة  هي السبب الغالب لوجود ذلك العمل والحكم للمسبب في مثل هذه الأسباب. فالسم مثلا سبب غالب لهلاك الإنسان، فلو تناول أحد السم وهو يريد الانتحار بذلك، وإن نجا بعد ذلك، لكن إثم المنتحر يكتب له، لأنه لم يتقاصر في إهلاك نفسه، ونجاته بعد تناول السم كان شيئا مفاجئا. كذلك لو أراد شخص إرادة قوية لفعل المعصية فإنه لم يقصر في فعلها، فإن من سنة الله أن العمل والفعل يترتبان على الإرادة القوية فإن لم يصدر منه الفعل بعد الإرادة فهذا يعتبر نادرا والنادر كالمعدوم. ثم هذا الشخص بإرادته القوية ارتكب سببا مفضيا إلى المسبب في الغالب، فيستحق المعصية. كذلك لو أن شخصا قصد فعلا حسنا يستحق الثواب بذلك، لأن العمل يترتب على المسبب في الغالب، وعدم ترتب الفعل بعد مجيء السبب أمر نادر، فيعتبر ذلك المريد القاصد كالفاعل ويصله ثواب ذلك العمل.
وبهذا اتضحت لنا أهمية الإرادة التي هي سبب غالب لوجود العمل، وترتب الفعل عليه، بحيث اعتبرته الشريعة في دائرة الأعمال.

قبسات من خطبات العلامة أشرف علي التهانوي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات