اليوم : 19 ديسمبر , 2009

نظرة إلى حياة الأستاذ الدكتور ملا “عبد الله أحمديان”

نظرة إلى حياة الأستاذ الدكتور ملا “عبد الله أحمديان”
ahmadianإن بلاد فارس قد اشتهرت بتخريج نوابغ وأفذاذ في العلوم والفنون الإسلامية المختلفة، كيف لا وقد أخبر بها النبي الصادق المصدوق عندما قال: “لو كان العلم بالثريا لتناوله ناس من أبناء فارس”.ولقد تحقق ما أخبره النبي عليه الصلاة والسلام، وتاريخ هذه البلاد وتاريخ العلوم الإسلامية شاهد على أن قرنا من القرون أو عصرا من العصور الإسلامية لم يخل عن نابغة مفضال فذ من هذه البلاد، ولكن ندر وجود أو ظهور هذه الجماعة من مكوني تاريخ الأمة الإسلامية بعد إقامة الصفويين دولتهم في هذه البلاد لأسباب لا تخفى على دارس التاريخ بأعين بصيرة، إلا أن أبناء السنة في إيران المعاصرة رغم جميع مشاكلهم ورغم كل المضايقات التي يعيشونها، لم ينسوا ماضيهم في صنع الحضارة الإسلامية وتكوين أصول العلوم الشرعية وضوابط الشريعة المكونة للحضارة؛ فهم دائما في سعي وجهد إلى أن يستعيدوا تلك العزة والازدهار والعلو بين الأقوام الإسلامية، فيحرزوا قصب السبق في كل ميدان ويرشدوا الأمة في مشاكلها ومعضلاتها، ونحن في بيان سلسلة من حياة العلماء والشخصيات العلمية لأهل السنة في إيران المعاصرة الجادين والسالكين في هذه الميادين، نصل إلى عالم رباني كبير ونابغة في العلوم والفنون، يعرفه الطلبة وأهل العلم في إيران وكل من له صلة بالعلم والقلم، بالشيخ العلامة “عبد الله أحمديان”. وإليكم موجز من حياته المباركة بالعلم والعمل والزهد والتقى:

ولد العلامة ملا “عبد الله أحمديان” في عام 1359 من الهجرة، في أسرة متدينة ملتزمة في مدينة ” مهاباد”. ودرس العلوم الابتدائية على علماء منطقته، ثم واصل دراساته وتعلمه العلوم الشرعية بالتلمذ على كبار أهل العلم البارزين والمشاهير في كردستان أمثال الشيخ المرحوم “عصام الدين شفيعي” والشيخ العلامة “ملا باقر بالك” والشيخ ملا “محمد قزاجي”، إلى أن وصل إلى درجة الإفتاء والتدريس بدراسته على العلامة ملا “على ولزي”.
الشيخ “أحمديان” استطاع جنبا إلى دراسة هذه العلوم على مشايخ بلاده أن ينجح في نيل شهادة الدكتوراه من كلية الالهيات والمعارف الإسلامية التابعة لجامعة طهران. وكان إبان طلبه للعلم متمايزا من بين أقرانه بالعلم والفضل والأدب وقوة الاجتهاد والاستنباط .
لقد أشار الشيخ رحمه الله إبان تدريسه في “مهاباد” بتأسيس قسم لدراسة اللغة العربية وكذلك لعلوم القرآن والحديث في جامعة “مهاباد” حيث تمت الموافقة على هذه الإشارة، وهذان القسمان يرشح لهما سنويا طلبة كثيرون من أنحاء البلد. وكذلك يدرس في كثير من الجامعات كتاب “كليد حديث شناسي” وهو كتاب نافع يتناول علم أصول الحديث بأسلوب بسيط وعبارات مختصرة يسهل على المبتدئين دراسته، وكذلك كتاب “تاريخ الحديث” و”قرآن شناسي” و”الإيضاح” وهي كلها كتب صنفت باللغة الفارسية يسهل دراستها لطلبة الجامعات.
كان رحمه الله موسوعة علمية واسعة تضم معظم العلوم والمعارف الإسلامية والدينية من اللغة والأدب والبيان والفلسفة والأديان وعلم الرجال والأنساب والفرائض والفقه والأصول والتاريخ والبلدان والنجوم والرياضيات والمعاني والعروض، وكانت أيضا لسماحته اليد الطولى في علوم القرآن والحديث والكلامين القديم والجديد، وقد اهتم اهتماما بالغا ببعض العلوم العصرية من علم النفس والطبيعة وعلم الاجتماع وغيرها.
والشيخ “عبد الله أحمديان” كان يعتقد أن معرفة العلوم العصرية ضرورة ماسة لمبلغ أو داعية ديني، ويصرح بذلك في إحدى تصانيفه فيقول: “يجب على الداعية اكتساب المعرفة من علمي الاجتماع والنفس بقدر ما يتمكن به التمييز بين نقاط الدفع والجذب، ونقاط الذوب والانجماد في بيئات ممتلئة بالنزعات الحزبية والتنظيمية، ليمكن أثناء قيامه بمهمة الدعوة محاسبة هذه النقاط والجوانب والعمل عليها، فينشئ ثورة عظيمة في هذه البيئات، وكذلك يلزم أن يكون لدى الداعية بالإضافة إلى هذين العلمين وفلسفة الأديان والمنطق الاستدلالي مقدارا كافيا من جيولوجيا وعلم النباتات وعلم الإحياء (بيولوجيا) والفيزيا والكيمياء وغيرها من العلوم العصرية، وإنما تجب معرفة هذه العلوم بسبب أن دائما تنهدم في أمر تبليغ الدين المباني القديمة المتينة وتبنى عليها مباني جديدة ومتينة”.وفي الواقع كان الشيخ رحمه الله مصداقا بارزا لمبلغ ديني تتوفر لديه جميع هذه الشرائط والأوصاف والميزات المذكورة . وما طبعت من تصانيفه وإن كانت تمتاز في مناطق كردستان وأهل السنة بمناهج البحث العلمي النزيه والتحقيق المنصف والتأليف الجامع، لكنها بالنسبة إلى سعة علمه ومعرفته بالعلوم وكذلك ذهنه الوقاد وفكره الثاقب المحلل الناقد وكذلك آراء وأفكاره العالية المتجددة وبالنسبة إلى سيطرة وقدرته العلمية لا تكاد تعد شيئا، بل هي كقطرة من بحر زخار مواج، وهذه التصانيف لا تنوب عشرا من مكانته العلمية وكذلك من آرائه وأفكاره الثاقبة، ولقد تطرق رحمه الله إلى التأليف والتصنيف في جميع الفنون والعلوم التي درس فيها وطالع أو تخصص فيها، ولقد كان إقبال الطلبة وأهل العلم إلى تصانيفه مرموقا، ويعد هذا نجاحا كبيرا للشيخ رحمه الله حيث تمكن من تحقيقه في حياته العلمية، ولقد عينت مجموعة من الكتب التب ألفها كمقررات دراسية لطلبة الجامعات المختلفة وخاصة كلية الإلهيات والمعارف التابعة لجامعة طهران.
كان أستاذا بارعا في المجالات كلها، وإذا بدأ بالكتابة في فن أو علم لم يكن لغيره من معاصريه بد من أن يمسكوا عنان القلم معترفين له بالفضل.
عرف كشخصية ممتازة في جميع العلوم والمعارف الإسلامية إلى أن وصل إلى مكانة تصدق عليه هذه الأبيات للبحتري الشاعر المعروف: “أرى الخلق مجمعين على فضلك ما بين سيد ومسود عرف العالمون فضلك بالعلم وقال الجهال بالتقليد”.
ولقد جلس لمدة تقارب خمسين سنة على كرسي الدراسة والتدريس إضافة إلى ما قدمه من مقالات ومحاضرات رائعة في شتى الموضوعات والمناسبات.
من جوانب حياته التي تلفت النظر، اهتمامه البالغ إلى الفلسفة الإسلامية، حيث درس رحمه الله كتاب “الشفا لإبن سينا” على الملا “باقر بالك” وملا “عصام الدين الشفيعي” ثم وفق بعد ذلك وبعد التعمق في دراسة هذ العلم أن يدرس الكتاب المذكور وكذلك الكتب الأخرى التي درسها في الفلسفة ولم يكتف بالدراسة والتدريس فحسب بل انتقدها واستعرضها استعراضا دقيقا.
ومن جوانب حياته البارزة والممتازة أيضا استقلاله في التفكير، وقد لازم هذه الخصيصة إلى يوم وفاته، فلم يتعلق في الصعيد السياسي مثلا بحزب دون حزب، وقد جعله استقلاله هذا في نوعية التفكير بالإضافة إلى عدم ارتزاقه من منطلق الدين والعلم، وتخصصه في العلوم المختلفة ورغبته الشديدة في الفن والأدب والصحافة والكتابة والنقد والتحليل أسوة للتفكير الدينى في كردستان الإيرانية .
يقول الدكتور “جلالي زاده” أستاذ الفقه الشافعي في جامعة طهران والممثل الأسبق لمدينة “سنندج” في مجلس الشورى الإسلامي في مقالة له نشرت باسم الأستاذ “عبد الله أحمديان” كان مفكرا دينيا بالمعنى الكامل: «من خصائص الدكتور التي لا تنسى أبدا، إدراكه لحاجات ومقتضيات الطبقة المثقفة؛ ففي كل موضوع كان يشعر بالحاجة يدون فيه كتابا، فألف في المسائل الفقهية والكلامية والتاريخ والتعريف بالشخصيات حسب طاقته ومقدرته، فهو حي بكتبه التي ألفها، وإنه لم يخلد حياته بالآثار الخالدة والشعور بالمسئولية والدفاع عن المكتب فحسب، بل بالإيمان بمبادئه والعشق بالخدمة استطاع أن يؤدي رسالته وعهده بالنسبة إلى تبليغ الدين.
كان يعرف الجامعة كما كان يعرف المسجد. كان مدافعا عن الثقافة الوطنية كما كان حاميا عن القيم الدينية. لذلك تمتع باحترام فائق من قبل الطبقات المختلفة. ولقد سعى رحمه الله أن يعرف الإسلام كمتب التعقل والتدبر والتفكر، ويعرف الدين على أسس التحقيق ويزيل الشبه عن أذهان الشباب والجيل الجديد ويدفع مخاطبيه بطرح المسائل الفكرية إلى التدبر والتفكر، وعلى أسس التفكر يهتم إلى حل مشاكل المجتمع وما يمتاز به عن غيره معرفته الدقيقة للزمان والحاجات والضرورات والسعي للإجابة والرد على المسائل المستحدثة والشبهات الجديدة. ولقد أرى الجميع بأنه يجب عليهم أن يوقفوا أنفسهم للتفكر والتدبر، فكان رحمه الله مفكرا عالما وداعية دينيا بكل المعنى، لأنه كان يعرف الزمان كما كان يعرف مسائل وقضايا المجتمع بشكل دقيق».
لقد عاش رحمه الله ملتزما بهذه الميزات والخصائص منذ أن برع في العلوم الإسلامية وسلك في ميادين العلم والفلسفة مسلك الدفاع عن حمى الإسلام والمسلمين، إلى أن توفاه البارئ. وكانت وفاته في عام 1424للهجرة. ترك العلامة “عبد الله” من بعده مجموعة طيبة من المصنفات معظمها باللغة الفارسية،أهمها التي طبعت ونشرت ما يلي:

1-قرآن شناسي
2- حديث شناسي
3- سيماي خليفه دوم عمر بن خطاب
4- تجزيه و تحليل زندگاني امام شافعي
5- ترجمه ي رسالة التوحيد محمد عبده
6- تحقيقات مطالب فقهي و كلامي
7- قبله محمدي
8- سير تحليلي بر كلام اهل سنت
9- كلام جديد
10- تفسير سوره نور بالكردية
11- هه ست و هاوار بالكردية
12- گه لحو بالكردية
13- بسوي جهان جاويدان

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات