اليوم : 10 مايو , 2009

مدينة “رامهرمز” قبل الصفوية وبعدها

مدينة “رامهرمز” قبل الصفوية وبعدها

رامهرمز في محافظة خوزستان

رامهرمز في محافظة خوزستان

الموقع الجغرافي: إن مدينة رامهرمز التي ينسب إليها الإمام الحافظ البارع القاضي "أبو محمد الرامهرمزي" أول من صنف في علوم الحديث، فعمل كتابه "المحدث الفاصل" وإن لم يستوعب جميع أنواع هذا العلم في تصنيفه. ولأجل ذلك صارت معروفة ومشتهرة بين الأوساط العلمية ومن لهم صلة بالعلوم الإسلامية وخاصة الحديثية.

هي تعد من المدن التي وإن كانت ترجع نشأتها وعمرانها إلى قبل الإسلام بكثير، فهي مدينة كما صرح غير واحد من أصحاب التواريخ والبلدان استحدثها "هرمز" أحد أظلم الأكاسرة الساسانيين المسيطرة على إيران قبل الإسلام، يرتبط تاريخ ازدهارها العلمي والثقافي والحضاري ارتباطا وثيقا وجذريا بالإسلام، فهي بالإسلام أعرف وأشهر وألمع، ولقد أصبحت ببركة إقبال أهلها على هذا الدين البناء للحضارات، والمكون للثقافات، والدين المزود أتباعه بالعلم والتقى وبأفضل ما يزود به الإنسان المتعطش روحيا ومعنويا في هذا الكون، مركزا علميا كبيرا بعد الفتح الإسلامي، برز فيها جماعة من أهل العلم والفضل. وهي مدينة تقع في جنوب غرب إيران في شرق محافظة تسمى بـ"خوزستان" في مساحة تعادل 4949 كم.
 تنتهي هذه المدينة من الجهة الغربية إلى مدينة "أهواز" مركز المحافظة المذكورة، وقد أحاطتها من الشرق محافظة "كهكيلويه وبوير أحمد" إحدى المحافظات المركزية في إيران. ومدينة رامهرمز اليوم يبلغ عدد سكانها حسب الإحصائيات التي صدرت سنة 1385من الهجرة الشمسية 99200 نسمة. وعرفت هذه المدينة (رامهرمز) وهي إحدى كور الأحواز من بلاد خوزستان المطلة على الخليج، وعرفت هذه المدينة كما قال المقدسي بأسواقها العامرة وخيراتها الكثيرة.
يقول الحموي في وجه تسمية ووصف هذه المدينة: "ومعنى "رام" بالفارسية المراد والمقصود، و"هُرْمُز" أحد الأكاسرة. فكأنّ هذه اللفظة مركبة ومعناها "مقصود هُرمُز" أو "مراد هرمز". وقال حمزة: "رامهرمز" اسم مختصر من "رامهرمز أردشير" وهي مدينة مشهورة بنواحي خوزستان، والعامَة يسمونها "رامز" كسلاً منهم عن تتمة اللفظة بكمالها واختصاراً، و"رامهرمز" من بين مُدُن خوزستان تجمع النخل والجوز والأترنج، وليس ذلك يجتمع بغيرها من مدن خوزستان، وقد ذكرها الشعراءُ. فقال وَرد بن الورد الجعدي:
أمغترباً أصبحتُ في رَامَهُرمُزٍ … ألا كل كعبي هناك غريبُ
إذا راح ركب مصعدون فقَلْبُه … مع المصعدين الرائحين جنيب ."

من تاريخ "رامهرمز"

وتشير الدراسات الأثرية التي قام بها علماء آثار أجانب إلى أن تاريخ هذه المنطقة واستقرار السكان فيها يعود إلى عهد شوش «الألف الخامس قبل الميلاد»، والألف الثالث قبل الميلاد، والعهد العيلامي الجديد و«النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد»، والعهد الأخميني «الهخامنشي»، والعهد السلوكي والبارتي، ومن ثم العهدين الساساني والإسلامي.
وقد عثر في هذه المدينة والقرى والأماكن المجاورة لها على مجموعة من الرقيمات، منها رقيم من الصخر مكتوب بالخط المسماري يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد.
يصور الملك "امرسين" ملك سلالة اور إضافة إلى حجرين آخرين مكتوبين بنفس الخط يعود تاريخهما إلى «اونتاش – نابيرشاه» الملك الذي حكم خلال الدورة العيلامية الوسطى وباني زقورة «جغازنبيل»، مع رقيم آخر يعود إلى العهد العيلامي الجديد، ومحفور على الصخر يحكي قصة إعادة بناء معبد بأمر من «شيلهاك اينشوشيناك» أعظم ملوك سلالة «شوتروك» في العهد العيلامي الأوسط، إضافة إلى رقيمات من الطين لا يمكن قراءتها جيدا بسبب صغر حجمها، إلا أنها تنسب إلى العهد العيلامي الجديد نظراً لنوع الكتابة الموجودة عليها.
وكان العيلاميون في شوش وبالتزامن مع السومريين في بلاد ما بين النهرين من أول الشعوب التي أسست أولى المدن وأدخلت البشرية إلى حقبة جديدة من الحياة السياسية والاجتماعية.
وحسب بعض الخبراء فان المعلومات الأثرية الرئيسية المتوفرة بشأن تاريخ إيران الذي يقدر ببضعة آلاف من السنين تقتصر على شوش والمناطق المحيطة بها (جغازنبيل، وهفت تبه وغيرهما)، ولا توجد هناك تنقيبات واسعة ومتواصلة تؤرخ للدورة العيلامية في مناطق أخرى في البلاد.

رامهرمز كمدينة إسلامية

كاد أن تتفق كلمة المؤرخين وأصحاب المغازي على أن فتح وسيطرة المسلمين الفاتحين في عهد الإسلامي الأول على "رامهرمز" تحقق في عهد ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. دعنا نحكي قصة الفتح كما سجلها الكثيرون:
قيل: كان فتح "رامهرمز" و"تستر" و"السوس" في سنة سبع عشرة، وقيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين. وكان سبب فتحها أن "يزدجرد" لم يزل وهو بـ"مرو" يثير أهل فارس أسفاً على ما خرج من ملكهم، يذكّرهم الأحقاد ويؤنّبهم أن قد رضيتم يا أهل فارس أن قد غلبتكم العرب على السواد و ما والاه، والأهواز. ثم لم يرضوا بذلك حتى تورّدوكم في بلادكم وعقر داركم، فتحرّكوا وتكاتبوا وتعاهدوا وتواثقوا على النّصرة، وجاءت الأخبار إلى "عمر" وإلى المسلمين بالبصرة، فكتب "عمر" إلى "سعد" رضي الله عنهما: أن ابعث "سويد بن مقرّن"، وجماعة أخرى من الجند، فلينزلوا بإزاء "لهرمزان حتى يتبيّنوا أمره. وكتب إلى "أبى موسى" أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا وأمّر عليهم "سهل بن عدىّ" – أخا "سهيل ابن عدىّ" – وابعث معه "البراء بن مالك"، وخرج "النّعمان بن مقرّن" في أهل الكوفة، فأخذ وسط السواد حتى قطع دجلة بحيال ميسان، ثم أخذ البرّ إلى الأهواز، وانتهى إلى نهر تيرى فجازها، ثم جاز مناذر، ثم جاز سوق الأهواز، وخلّف حرقوصا وسلمى وحرملة، ثمّ سار نحو الهرمزان – والهرمزان يومئذ برامهرمز – ولما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشّدّة، ورجا أن يقتطعه، وقد طمع الهرمزان في نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه، ونزلت أوائل أمدادهم بتستر، فالتقى النعمان والهرمزان بأربك، فاقتتلوا قتالا شديدا. ثمّ إنّ الله عزّ وجلّ هزم الهرمزان للنعمان، وأخلى رامهرمز وتركها ولحق بتستر، وسار النعمان من أربك حتى ينزل برامهرمز، ثم صعد لإيذج، فصالحه عليها تيرويه، فقبل منه وتركه ورجع إلى رامهرمز فأقام بها.

من أعيان "رامهرمز"

الصحابي الجليل أبو عبد الله سلمان الفارسي رضي الله عنه:
كفى فخرا وعزا لـ"رامهرمز" أن أول من آمن من إيران وبلاد الفارس وهو الصحابي الجليل الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: "سلمان منا أهل البيت"، ينتمي إلى هذه المدينة. وقد قال رضي الله عنه في جواب غير واحد من السائلين أنه كان من "رامهرمز" وسنتاول قسما موجزا من سفره الطويل نحو الإسلام.
فهو سلمان الخير، أبو عبد الله بن الإسلام الفارسي. أصله من "أصبهان" وقيل من "رامهرمز"، ولا تعارض بين القولين، فإن "رامهرمز" كانت من نواحي "إصبهان" في ذلك العصر، وأفردت قصة إسلامه الطويلة بالتصنيف، وذكره مسلم في ساكني الكوفة. و روى عنه أبي وكعب بن عجرة وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو الطفيل وجماعة من الصحابة والتابعين، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي الدرداء. توفي رضي الله عنه بالمدائن في خلافة عثمان رضي الله عنه في سنة ثلاث أو ست أو سبع وثلاثين، عن سن عالية أكثره ثلاثمائة وخمسون. قال الذهبي: وما أظنه جاوز الثمانين ولم يبين مستنده. وكان اسمه الأول على ما حكى الحافظ أبو نعيم "ماهويه"، وقيل بوذ بن بدخشان بن آذر جشنش من ولد منوجهر الملك، وقيل غيره. ويذكر أنه عاد إلى "أصبهان" في زمن عمر رضي الله عنه وأنه كان له أخ بـ"شيراز" قد أعقب بها وبنتان بـ"مصر"، وأنه كان له ابن اسمه "كثير". وقد تداولته أيد كثيرة بعد ما استرق إلى أن أتى رسول صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الأولى من الهجرة وأسلم، وقصة إسلامه تروى بطرق كثيرة مطولة ومختصرة وهي قصة رائعة وجميلة جدا ظهرت فيها أروع نماذج التجول والتفحص عن الحق.

الإمام الحافظ البارع ابو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي:

و اهتدي علماء الحديث في إيران في القرون الأولى إلى استنباط أصول و قواعد ومقاييس وموازين لهذا العلم سموها "علوم الحديث"، ودرسوها في مدارسهم، ودونوها في كتبهم، وكان هذا الكشف خطوة هامة في تاريخ هذا العلم، فقد انتقل من دور الروايه إلى دور الدراية. ويعد أول كتاب ظهر في هذا العلم الجليل كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" للإمام الرامهرمزي الذي ينتمي إلى هذه المدينة، ومن المناسب أن نتناول قسما من حياة هذا العبقري النابغ الفذ في علم مصطلح الحديث وهو الامام الحافظ البارع ابو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي.
ولد هذا الإام نحو سنة 265هـ) كما ذكره الدكتور "حمد الخطيب"في مقدمة كتابه "لمحدث الفاضل"، يكشف عن جده في التحصيل وحرصه على تلقي العلوم المهمة النافعة من رجالها البارزين ما يروى من أنه قد تلقى العلم نحو مائتي شيخ، ونحن نرى أثر هذه التربية التي استغرقت سنوات عديدة في طلبه للعلم ودراسته وتدريسه وتصانيفه الرائعة في عدة مجالات من العلوم الشرعية، ومن هنا نعرف منزلة هذا الإمام الجليل القدر، فان ما وصل إلينا منها يشهد له بتمليك ناصية البيان والاطلاع وتعمقه في العلوم. رحل الإمام الرامهرمزي قبل سنة 290هـ إلى شيراز وكتب عن أهلها ورجع منها سنة 345-346هـ.
ومن المؤلفات التي تنسب الى الإمام "ابن خلاد الرامهرمزي" ويرجح اهل العلم انها من تأليفه يبلغ عددها (15) كتابا، وأما المطبوعة منها فهو كتابه (المحدث الفاضل بين الراوي والواعي) وكتاب (امثال الحديث) ومادة الكتابين غزيرة، ومنهج المؤلف عملي، ونظرته واسعة عميقة، وأسلوبه في شرح المسائل وسوق الأدلة في الكتابين ينم عن رسوخ قدمه وعلو مكانته في علم الحديث وأصوله، وقد نوه العلماء كثيراً بكتابه (المحدث الفاضل) وصرحوا بانه أول كتاب جامع في أصول الحديث، وباحتوائه على كثير من مسائل الفن صار أساسا لما صنف بعده من الكتب في أصول الحديث. شهد العلماء على سعة علمه وأدبه وثقافته، ونذكر عدداً من العلماء وثناءهم عليه:
قال السمعاني: كان فاضلا مكثرا من الحديث. ولي القضاء ببلاد "خوزستان" ورحل كما ذكرنا قبل سنة 290هـ إلى "شيراز" وكان رحمه الله تعالى يروي عن "احمد بن حماد بن سفيان" وذكره ابو عبد الله محمد ابن عبد العزيز الشيرازي الحافظ في تاريخ فارس، وقال بلغني أنه عاش بـ"رامهرمز" إلى قرب سنة360هـ.
قال الإمام الذهبي منوها عنه بمكانته العلمية: كان الإمام الرامهرمزي من ائمة هذا الشأن (يقصد به علوم الحديث) ومن تأمل كتابه في علوم الحديث لاح له ذلك. وذكره الثعالبي في يتيمة الدهر: "وتبين لنا من آثار ابن خلاد العلمية ومن اقوال العلماء وأصحاب التراجم في وصفه ووصف مصنفاته، وقد جمع بين العلم والأدب ونبغ في الحديث والشعر وبرع في الرواية والتأليف".
توفي الإمام الرامهرمزي في سنة(360هـ) .

"رامهرمز" بعد الصفوية

واستمرت "رامهرمز" – التي استقبلت الإسلام استقبالا رائعا وقد كانت من المدن التي سبقت غيرها في إقبالها على الإسلام، مسايرة مع الإسلام الذي وجده أهلها كأغلى وأعز شيء في حياتهم وساعدوا على صنع الحضارة الإسلامية في جميع العصور والقرون كما أنها شاهدت تقلبات الملوك وظهور الفرق الباطلة والنحل الفاسدة وحدوث الفتن المختلفة في سيرها، وإن مكتبة "رامهرمز" التي أنشأها "بن سوار" في هذه المدينة على غرار مكتبة أنشأها في البصرة خير دليل على هذ التقدم والازدهار العلمي فيها، وكان "ابن سوار" هذا من بين الاداريين في حاشية عضد الدولة البويهي، وتعد مكتبته أول دار كتب أوقفت في الإسلام. من الجدير بالذكر أن "ابن سوار" قد عمل على تاسيس دارين للكتب: أولهما هذه في مدينة "رامهرمز" والأخرى في مدينة "البصرة". قد خصص في هاتين المكتبتين أجزاء من الكتب لمن كان يقصدها من العلماء فيلزم قرائتها والنسخ منها، – إلى أن جاء ذلك الدور المظلم في تاريخ إيران، وتلك الكارثة التي عمت مفاسدها وأضرارها أنحاء العالم الإسلامي كلها وهي كارثة الصفويية التي أنشبت أظفارها في المجتمع الإيراني بارتكاب مجازر يتندى لها الجبين بحق الإيرانيين في ذلك العصر وخاصة أهل السنة والجماعة منهم، وتم فرض مذهب الشيعة على إيران والمناطق التي سيطر عليها الصفويون بالإكراه، كما أن الصفويين عمدوا إلى التحالف مع الدول الأوروبية ضد الدولة العثمانية السنية أملاً في إضعافها وإعاقة الفتوحات الإسلامية لأوروبا. وبقيام الدولة الصفوية في إيران تغير مسار النشاط البشري فيها تغيراً جذرياً شاملاً من النواحي السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية والعلمية والثقافية، ووجه الإيرانيين إلى وجهة مغايرة لوجهة إخوانهم المسلمين في بقية الأقطار. فلم تسلم "رامهرمز" شأن سائر المدن الإيرانية من "شيراز" و"تبريز" و"اصبهان" مما دبر لهم أو خطط لهم هؤلاء الدجاجلة في عهدهم الذين استخدموا كل ما فی وسعهم من تضییق دائرة الحیاة علی السنة وخاصة علی أهل العلم والعلماء الذین هم أركان العقیدة والدین والمذهب الصحیح دائما واغتیالهم بطرق مختلفة، كما كانت دأب أسلافهم من الاسماعیلیة والباطنیة زمن السلاجقة. فبدأت قوافل العلماء تغادر "رامهرمز" إلی الخلافة العثمانیة وإلی الهند حیث یجدون مأمنا وملاذا لهم ولأتباعهم فیحفظوا بدینهم وعقیدتهم من شر هؤلا ء الوحوش الهمج. سافر العلم وسافر العلماء ولم تجد "رامهرمز" بعد ذلك رائحة التقدم والازدهار والإصلاح والعرفان. ولم تأمن "رامهرمز" بوائق الصفويين شأن سائر المدن الإيرانية مثل "همدان" و"تبريز" ومئات من المدن الكبيرة والصغيرة التي هدمت أو أحرقت بكاملها في هذا الدور المظلم الذي لم يشهد تاريخ إيران مثلها في عصر من العصور، ولا في هجمة عدو من الأعداء مهما بلغت همجيتهم ووحشيتهم مثل ما كان في عصر هؤلاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات