اليوم : 29 أبريل , 2009

أهل السنة في “مهاباد”

أهل السنة في “مهاباد”
منظر رائع من مدينة مهاباد

منظر رائع من مدينة مهاباد

مدينة "مهاباد" أحد أهم مدن أهل السنة والجماعة التي تقع جنوب بحيرة أرومية، في وادٍ ضيق، على ارتفاع 1300 فوق مستوى سطح البحر، في محافظة "آذربيجان الغربية" (شمال غربي إيران)، وهي متصلة بواسطة الطرق البرية مع مدينة "تبريز" التي تبعد عنها بـ 300 كلم شمالاً، وتبعد عن كل من "أرومية" ومدينة "أربيل" في العراق بحوالي 150 كلم.

يسكنها الأكراد السورانيون الذين يتكلمون باللهجة المكريانية من بين مختلف اللهجات الكردية المنتشرة في بلاد الأكراد، وتعد هذه المدينة من مراكز أهل السنة في غرب إيران.
يسكن في مدينة "مهاباد" عدد ضئيل من الشيعة، وهم في الحقيقة من الوافدين من سائر المدن والمحافظات.
لمدينة "مهاباد" موقع إستراتيجي خاص بسبب مجاورته لمجموعة من المدن الواقعة على الحدود. توجد في "مهاباد" أجواء معتدلة في الصيف بسبب وقوعها بين جبال شاهقة هي تتمتع باعتدال في الجو في جميع فصول السنة، كما أن شتاءها تكون جافة باردة شأن البلاد الواقعة في الجبال والمرتفعات، ويزيد في جمال وروعتها النهر الذي يمر بوسط المدينة. وهي تعد مركزاً زراعياً غنياً وتشتهر هذه المدينة بصناعة أشهر أنواع السجاد و المنسوجات.
إن أغلب سكان المدينة هم من الأكراد السنة كما مر ذكره، ويتكلمون بهذه اللغة وبإحدى لهجاتها الشائعة في هذه النواحي وهي اللهجة المكريانية، وقدر عدد سكانها حسب الإحصائية الرسمية التي أجريت عام 1385 هـ ش.إلى 197 ألف نسمة.
يوجد في مدينة "مهاباد" 72 مسجدا، وفي ضواحيها 185 مسجدا.

شيء من تاريخ "مهاباد":

الإسم الأصلي لهذه المدينة في اللغة التركية هو "ساوجبلاغ" ويطلق عليها في اللهجة المهابادية: "سابلاغ"، وقد غير هذا الإسم بعد ما سيطر "رضاخان" عليها، وقد ذكر المهتمون بتاريخ "مهاباد" تعابير وأوجه مختلفة لبيان تسميتها بهذا الإسم، وهي كلها غير مقبولة وغير موافقة للواقع.
استمرت "مهاباد" كغيرها من المدن الواقعة في حدود غرب إيران في عهد الدولة الصفوية شاهدة لمعارك دامية بين الدولتين العثمانية والصفوية، والحكام أو الولاة المحليون كانوا يتبعون في كل مرة إحدى هاتين الدولتين حسب تفوقها في الطاقة والقوة. ثم دمرت نتيجة زلزال عنيف وأعمرت من جديد، وتوجد حاليا في أنحائها وضواحيها أثار تاريخية ومباني أثرية عريقة وقيمة.
تعد "مهاباد" رمزاً وطنياً بالنسبة للأكراد. فقد كانت عاصمة لجمهورية مهاباد التي تأسست في أقصى شمال غرب إيران حول هذه المدينة، وكانت دُويلة قصيرة العمر غير معترفٍ بها دولياً مدعومة سوفييتياً كجمهورية كردية أُنشأت سنة 1946 ولم تدم أكثر من 11 شهراً. وفعلياً، ظهر هذا الكيان كنتيجة للأزمة الإيرانية الناشئة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، فبالرغم من أن إيران أعلنت الحياد أثناء الحرب العالمية الثانية إلاّ أن قوات الاتحاد السوفيتي توغلت في جزء من الأراضي الإيرانية، وكان مبرر "جوزيف ستالين" لهذا التوغل هو أن شاه إيران "رضا بهلوي" كان متعاطفاً مع "أدولف هتلر". ونتيجة لهذا التوغل، هرب "رضا بهلوي" إلى المنفى، وتم تنصيب إبنه "محمد رضا بهلوي" في مكانه، ولكن الجيش السوفييتي استمر بالتوغل بعد أن كان يسيطر على بعض المناطق شمال إيران، وكان "ستالين" يطمح إلى توسيع نفوذ الاتحاد السوفيتي بصورة غير مباشرة عن طريق إقامة كيانات موالية له، فاستغل بعض الأكراد في إيران هذه الفرصة وقام قاضي "محمد" مع "مصطفى البارزاني" بإعلان جمهورية مهاباد في 22 يناير 1946، ولكن الضغط الذي مارسه الشاه على الولايات المتحدة التي ضغطت بدورها على الاتحاد السوفيتي كان كفيلاً بانسحاب القوات السوفيتية من الأراضي الأيرانية، وقامت الحكومة الإيرانية بإسقاط جمهورية مهاباد بعد 11 شهرا من إعلانها، وتم إعدام قاضي "محمد" في 31 مارس 1947 في ساحة عامة في مدينة "مهاباد" وهرب "مصطفى البارزاني" مع مجموعة من مقاتليه من المنطقة في عام 1945.

"مهاباد" في عصرنا:

مدينة مهاباد إن كانت لا تملك تاريخا عميقا لكنها تتمتع بميزة سياسية، ثقافية واجتماعية جعلتها في عهدنا من المدن المعروفة والمشتهرة في بلاد الأكراد، وهذه الميزات والمزايا كلها راجعة إلى ذلك الجيل من النخبة والنوابغ الذين برزوا من هذه المنطقة في التاريخ المعاصر، هذا بالإضافة إلى عوامل مؤثرة أخرى تزيد في أهميتها مثل الموقع الجغرافي والسياسي والدولي وغيره.
كأن النظام السابق (البهلوي) في إيران أدرك هذه الأهمية، لذلك بادر إلى تخطيط برامج ومشاريع عمرانية قد تم تنفيذ بعضها آنذاك بخصوص هذه المدينة، حيث وصل بعض الأسر المهابادية والشخصيات البارزة في "مهاباد" إلى مناصب عليا في ذلك النظام، وإن كان تنفيذ سياسة تسوية القوميات التي كان يتبعها النظام البهلوي خلق الكثير من الأزمات وتسببت العديد من الحركات والثورات من جانب أهل "مهاباد" التي لقيت كلها قمعا شديدا من قبل السلطة.
إن مشاكل مهاباد لم تنته بالثورة الجديدة وانتهاء النظام البهلوي، بل عانت من جميع المشاكل التي تعاني منها سائر مدن السنة في إيران من أول الثورة إلى يومنا هذا؛ فهجرة أهل القرى والأرياف وتوافد كثير من أهل المحافظات والمدن الأخرى قد أثرت بشكل ما على النسيج القومي فيها. ومن المشاكل التي شغلت بال الكثيرين أيضا قلة فرص العمل وفقدان المشاغل، كما أن نسبة استخدام وانتصاب نخبة ونوابغ أهل "مهاباد" في المجالات العلمية والسياسية انخفظت بشكل ملحوظ بعد الثورة، بحيث لم يؤيد ترشيح أحد أبرز الشخصيات العلمية في "مهاباد" للدور السابع من انتخابات مجلس الشورى، ووجد شقاق في مجال العمل بين الوافدين من المدن الأخرى وأهل المدينة، ولقد خلق هذا الشقاق نوعا من الإفاقة في ميادين العمل في الشباب حيث تركهم في بطالة وتحير وعدم اطمئنان بالنسبة إلى مستقبلهم، كما ترك الكثيرين من أهل النبوغ والحنكة والعلم في الحاشية. لذلك نستطيع أن نقول أن "مهاباد" قد انحرفت بالوضع السئي الحالي عن أهمية تاريخها السياسي والثقافي في الماضي القريب، وهذا الانحراف في التحرك والحياة يتطلب من ذوي الخبرة من أهل هذه المدينة حلا عاجلا ومبادرة مستعجلة لجعلها في صراطها السوي المستقيم وسيرها الطبيعي.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات